الشرخ الأميركي... أثر يتجاوز الحدود

08 يناير 2021
الصورة
استخدم ترامب خطاباً شعبوياً لتحريض أنصاره (براندن سميالوفسكي/Getty)
+ الخط -

لم يكن اقتحام الكونغرس الأميركي، بما يرمز إليه من مفاهيم الحرّية والديمقراطية في الوعي الأميركي، من قبل أنصار الرئيس الخاسر في الانتخابات دونالد ترامب، سوى نتيجةٍ لتراكمات أسّس لها الأخير في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، مع داعمين ومؤيدين له في الحزب الجمهوري. هذا الحزب، ومؤسسته، سيتوقفان مليّاً أمام الضرر الذي أحدثه الرجل بهما، ربما من خلال الإجابة عن سؤال: هل نحن جمهوريون، أم ترامبيون و"براود بويز"؟ فهذه الجماعة اليمينة المتطرفة، والمسلحة، والتي كان ترامب طالبها بأن تكون مستعدة، خلال أولى مناظراته الرئاسية مع منافسه الديمقراطي، الرئيس المنتخب جو بايدن، لن يكون اختفاؤها سهلاً من المشهد الغربي المقبل.
وأخطر ما أسّس له ترامب طوال العام 2020، في لعبته الشعبوية المفضلة، هو تقويض ثقة الأميركيين بالانتخابات الديمقراطية. فشعار مناصريه، أي "سرقة الانتخابات"، عُد أحد أهم أهدافه ومعسكره المؤيد، لما يحمله من ضرب لقواعد اللعبة الديمقراطية. وعلى طريقةٍ عالمثالثية، أراد ترامب الاحتفاظ بالسلطة بكل الوسائل، ومنها التهديد المباشر والمبطن، وبمشاركة أسرته، كابنه إريك، الذي هدّد الجمهوريين، وعلى طريقة مكالمة أبيه مع سكرتير ولاية جورجيا الجمهوري، براد رافنسبيرجر.
يجب الاعتراف بأن ترامب استطاع اللعب على مشاعر الخوف، في الأغلب لدى البيض، ببثّ أكاذيب ونشر نظريات المؤامرة. وظلّ بنفسه يتصدى للنتائج المؤكدة لخسارته، إلى أن وصلت الصورة إلى أوجّها، بطريقة تُذكّر باقتحام برلمانات الديمقراطيات الصورية/النامية، أو العرجاء. 

ذلك، وغيره كثير، يؤشر في الجوهر إلى أن الأمة الأميركية، التي شكّلت ديمقراطيتها أيقونة اجتذبت ملايين المهاجرين من حول العالم، تعيش أزمة وجودية. وبالطبع صور أول من أمس الأربعاء، ستحفر مكانها في النفس الأميركية. 
الشرخ الداخلي، في سجال الهوية الأميركية، الذي أوصلته نظرية المؤامرة إلى ما هو عليه، لم يعد مجرد نظريات أو تحليل خبراء. والعالم يهتم بالحدث الأميركي، لأن الولايات المتحدة، شئنا أم أبينا، تشكل "قوة عظمى" في توازنات عالمية، ونموذجاً معيناً، سواء للأعداء أو للحلفاء. الصورة اهتزت بلا شك، وقد تشكل فرصة أمام هؤلاء الحلفاء، أو الأعداء، لمواصلة التفكير ببناء التحالفات الجديدة؛ ينسحب ذلك على الضفة الأوروبية للأطلسي، وعلى خارجها. كما هي فرصة لمناهضي أميركا، لكسب مساحة مناورات غير مسبوقة. 
في المحصلة، فإن الحالة الأميركية المستجدة قد تسجل، للمؤمنين بالأنظمة التسلطية، سابقة لمزيد من فرض الاستخفاف والاستهزاء بالديمقراطية الدستورية، والحرّية عموماً. ينسحب ذلك على الديمقراطيات الأوروبية، التي عاشت منذ وصول ترامب أزمة تقدم الشعبويين واليمين المتطرف، ومنهم من يشبه "براود بويز"، لترجمة ممارسات تتجاوز الدساتير وقواعد اللعبة الديمقراطية، بحجة "استعادة السلطة من الطبقة السياسية الفاسدة". 
قد يشعر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بنشوة الخدش الذي أصاب صورة الديمقراطية الأميركية، علماً أن الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين كان قد سبق سلوك ترامب وأنصاره بوقت طويل، حين أدت خلافات دستورية بين السطات إلى قصف الدوما/البرلمان (مجلس السوفييت الأعلى)، في العام 1993.  
لكن بوتين ليس وحده في هذا السياق، فللرئيس الروسي أصدقاء وحلفاء متطرفون في أوروبا. ففي أستوكهولم وكوبنهاغن وبرلين وفيينا وروما ووارسو وبودابست، وغيرها من العواصم، ثمة قوى باقية على نهج الترامبية الانقلابية. والقصة لا تتعلق بمعسكر شعبوي يتخذ من الخطاب الإعلامي - السياسي وسيلة، بل بقوى تؤمن بأن الطبقة السياسية التقليدية، من يمين وسط ويمين متشدد، لم تعد تمثل "قيم" المجتمعات، وسط تزاحم نظريات المؤامرة. 
إذا، المشهد الأميركي ليس بمعزل عن تداعيات مشاهد أخرى غربية، مارس فيها للأسف يمين الوسط التقليدي ما مارسه الحزب الجمهوري في واشنطن، في مجاراة ومنافسة قوى التطرف القومي، خوفاً من فقدان ثقة الناخبين. 
الأخطر، إنْ لم يجر لجم كرة الثلج على الأسس المتينة للدساتير العريقة، أن تُشرعن الفاشية، تحت مسميات مختلفة في أوروبا، استلهاماً من "براود بويز" وغيرها على أرض "الشقيقة الكبرى" أميركا، فيصير الحلم كابوساً جدياً للديمقراطية الغربية.   

المساهمون