السودان... حشود عسكرية حول الجنينة واستعدادات لمعارك وشيكة

21 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 00:54 (توقيت القدس)
نازحون سودانيون من غرب دارفور، 13 نوفمبر 2025 (فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تشهد ولاية غرب دارفور توترات عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث سيطر الجيش على مناطق استراتيجية مثل كُلبس وجبل مون، مما يهدد معاقل الدعم السريع.
- أدت المعارك إلى نزوح كبير للسكان وتوقف الإمدادات لقوات الدعم السريع عبر الحدود مع تشاد، بينما تعزز المقاومة الشعبية والقوات المساندة للجيش مواقعها حول الجنينة.
- سيطرة الجيش على الجنينة قد تضعف الدعم السريع في دارفور، وسط تحقيقات أممية في انتهاكات حقوق الإنسان، مما يضيف بعداً دولياً للأزمة.

تشهد ولاية غرب دارفور غربي السودان حشوداً عسكرية متبادلة بين الجيش السوداني والقوات المساندة له من جهة ومليشيا قوات الدعم السريع من جهة أخرى حول مدينة الجنينة عاصمة الولاية، بعد تقدم متسارع حققه الجيش والقوات المساندة له خلال الأيام الماضية، مكّنه من الوصول إلى مناطق قريبة من الجنينة التي تعد من معاقل الدعم السريع الرئيسية في الإقليم. يأتي هذا فيما تحاول قوات الدعم السريع شن هجمات محدودة، لاستعادة المناطق القريبة والدفاعات الأمامية حول المدينة، التي استهدفها الجيش بالطائرات المقاتلة والمسيرة بداية الشهر الحالي. وتفيد مصادر لـ"العربي الجديد" بقرب اندلاع معارك وشيكة في المنطقة وسط موجات نزوح متواصلة لسكان تلك المناطق.

المعارك تقترب من الجنينة

وشنّ الجيش السوداني والقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح المساندة له هجوماً واسعاً في 29 يونيو/حزيران الماضي على بلدة كُلبس بولاية غرب دارفور، الواقعة على بُعد 140 كيلومتراً شمال شرقي مدينة الجنينة عاصمة الولاية. وتمكن من السيطرة على البلدة الاستراتيجية بعد معارك ضارية مع مليشيا قوات الدعم السريع والمليشيات الموالية لها، وتقدم مسيطراً على منطقة جبل مون الاستراتيجية القريبة من الجنينة، ليقتحم بذلك أهم معاقل الدعم السريع في غرب دارفور للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في 15 إبريل/نيسان 2023 وسيطرة الدعم السريع على ولايات الإقليم الخمس.


مصادر: قرب اندلاع معارك وشيكة في الجنينة وسط موجات نزوح متواصلة لسكان تلك المناطق

وفي العاشر من يوليو/تموز الحالي أعلنت الدعم السريع استعادة السيطرة على كُلبس، عقب حشدها قوات ضخمة من الجنينة وشمال دارفور. وقادت المعارك إلى انسحاب الجيش والقوة المشتركة المساندة له وإعادة التموضع في المناطق المحيطة، مع حشود عسكرية للقوة المشتركة والمقاومة الشعبية وقوات مساندة أخرى، مع توقعات بمعارك وشيكة للتقدم نحو الجنينة. وشكلت هذ التحركات الجريئة التي بدأها الجيش السوداني والقوات المساندة له في ولاية غرب دارفور، تهديداً للدعم للسريع ما دفعها لحشد قواتها للدفاع عن الولاية وعاصمتها مدينة الجنينة، واضطرت لاستقدام قوات من مناطق أخرى لزيادة حشودها العسكرية.

في هذا الإطار، أفادت مصادر محلية في ولاية غرب كردفان لـ"العربي الجديد" بأن قوات الدعم السريع سحبت مقاتلين من مدينتي النهود والخوي ومناطق أخرى في الولاية نحو إقليم دارفور. وأشارت المصادر إلى أن هناك مناطق كانت تسيطر عليها الدعم السريع في الولاية باتت شبه خالية حالياً من وجودها العسكري. وتوقعت المصادر أن يكون لهذه التحركات والانسحابات علاقة بالحشود العسكرية للطرفين في ولاية غرب دارفور، حيث من المتوقع اندلاع معارك ضارية في المنطقة. وتسببت المعارك في ولايتي شمال دارفور وغرب دارفور في نزوح عدد من السكان إلى مناطق أخرى بحثاً عن الأمان. وذكرت المنظمة الدولية للهجرة في تقرير صدر الخميس الماضي إن حوالي 595 شخصاً نزحوا من بلدة كلبس، بالإضافة إلى قرى أخرى صغيرة نتيجة لتفاقم انعدام الأمن والمعارك الأخيرة في المنطقة. وأضافت أن فرقها الميدانية أفادت بأن الأسر المتضررة نزحت إلى مواقع أخرى داخل بلدية كلبس وعبر الحدود إلى دولة تشاد "فيما لا يزال الوضع متوتراً ومتقلباً للغاية".

في السياق، ذكر المتحدث باسم المقاومة الشعبية (قوات مساندة للجيش) بولاية شمال دارفور، أبو بكر أحمد إمام لـ"العربي الجديد"، أن الأوضاع في المحور الغربي، شهدت خلال اليومين الماضيين تحركات كبيرة لمليشيات الدعم السريع من مدن الجنينة بولاية غرب دارفور ومدينة نيالا في جنوب دارفور، وبلدات كبكباية ومليط في شمال دارفور. وأضاف أن هذه التحركات التي تقوم بها المليشيا سببها الانتصارات التي حققها قوات الجيش ضدها على مستوى منطقة كلبس وبئر سليبة وجبل مون أخيراً، وهي مناطق تابعة للجنينة وعلى مسافات قريبة منها. وأشار أحمد إلى أن المليشيا الآن في حالة تشتت، لأن الإمدادات التي كانت تصل إليها عن طريق دولة تشاد، تعبر من خلال منطقة قريضة الحدودية وتدخل إلى بلدة كلبس توقفت تماماً. وأكد أن قواتهم قريبة جداً من الجنينة وقد حشدت صفوفها وستكون هناك تطورات كبيرة في الأيام المقبلة.

من جانبه، رأى ضابط متقاعد في حديث مع "العربي الجديد" أن سيطرة الجيش السوداني والقوات المساندة له على مدينة الجنينة مسألة وقت فقط، وفي هذه الحالة ستفقد الدعم السريع أهم مناطق سيطرتها في ولاية غرب دارفور، وسيضع ذلك بقية الولايات التي تسيطر عليها في الإقليم، وهي ولايات شمال دارفور وجنوب دارفور وشرق دارفور ووسط دارفور في دائرة الخطر المباشر. ويمكن هنا للجيش محاصرتها انطلاقاً من الجنينة، خصوصاً في ظل تقدمه في إقليم كردفان الواقع إلى الشرق منها، وتأمينه الطرق المؤدية إلى الولايات الشمالية. وأضاف الضابط الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أن الجنينة ليست مجرد مدينة عادية بل تاريخ من التعايش والصراع بين عدد من مكونات إقليم دارفور، وقد ارتكبت فيها الدعم السريع انتهاكات مروعة وجرائم عند اندلاع الحرب مستهدفة مجموعات عرقية بعينها، ما جعل استعادتها بالنسبة لكثير من أبنائها المقاتلين مسألة ثأر وانتقام.


أبو بكر أحمد: المليشيا الآن في حالة تشتت لأن الإمدادات التي كانت تصل إليها عن طريق دولة تشاد توقفت تماماً

وسيطرت مليشيا قوات "الدعم السريع" منذ الأشهر الأولى للحرب التي اندلعت في 15 إبريل 2023 على أربع من أصل خمس ولايات في إقليم دارفور، وهي ولاية جنوب دارفور وعاصمتها مدينة نيالا، ولاية غرب دارفور وعاصمتها الجنينة، ولاية شرق دارفور وعاصمتها الضعين، ولاية وسط دارفور وعاصمتها زالنجي، بينما فرضت حصاراً خانقاً على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور لأكثر من 500 يوم. وخاضت مع القوات المدافعة عن المدينة أكثر من 200 معركة قبل أن تسيطر عليها في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وترتكب انتهاكات واسعة بحق من تبقى من سكانها حسب ما وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية.

ما الذي أعلنته الأمم المتحدة؟

وشابهت انتهاكات الدعم السريع في الفاشر ما فعلته بمدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور، ما دفع الأمم المتحدة للإعلان في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 عن تحقيقات للتحقق من التقارير الموثوقة، التي تلقتها عن أعمال عنف واسعة النطاق ضد أفراد من مجتمع المساليت في دارفور، تحديداً في منطقة الجنينة. وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوغاريك في بيان حينها، إن التقارير تفيد بأن أعمال العنف يُزعم أنها ارتُكبت من جماعات مليشيا عربية بتواطؤ محتمل من قبل قوات الدعم السريع في الفترة ما بين الرابع والسادس من نوفمبر 2023.

ووثّقت تقارير الأمم المتحدة فظائع مروّعة وجرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي في مدينة الجنينة شملت قتل آلاف المدنيين، واستهداف مجتمع المساليت، والاغتصاب والعنف الجنسي، واستهداف الفارين سيراً على الأقدام. في المقابل، تحقق المحكمة الجنائية الدولية بدورها في الهجمات التي استهدفت الجنينة في عام 2023، إذ يقول خبراء الأمم المتحدة إن عناصر من قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم تحمل "سمات الإبادة الجماعية" بحق أفراد من قبائل غير عربية، بينما تنفي الدعم السريع من جانبها كل تلك الاتهامات.