الزيدي ينهي زيارته إلى واشنطن: تعهدات أمنية وسياسية ومكاسب اقتصادية

19 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 11:06 (توقيت القدس)
ترامب وعلي الزيدي في واشنطن، 14 يوليو 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- اختتم رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي زيارته لواشنطن بتعهدات أمنية وسياسية واتفاقات اقتصادية، مع توقيع 48 اتفاقية لتعزيز الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين البلدين.
- تم الاتفاق على صيغة جديدة للتعاون الأمني تركز على التدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية، مما يعيد تنظيم العلاقة الأمنية والعسكرية بين العراق والولايات المتحدة.
- يواجه الزيدي تحديات داخلية تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وهو اختبار لقدرة الحكومة على فرض سلطتها واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، مما سيحدد نجاح زيارته وتأثيرها المستقبلي.

أنهى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، ليل أمس السبت، زيارة إلى واشنطن استمرت ستة أيام، وأسفرت عن تعهدات أمنية وسياسية، فضلاً عن اتفاقات اقتصادية، فيما أكدت مصادر مطلعة ومراقبون أن المرحلة الأصعب التي سيواجهها الزيدي ستكون في بغداد، في ظل تحديات حقيقية تتعلق بتنفيذ هذه التعهدات، وفي مقدمتها حصر سلاح الفصائل المسلحة.

وفي ختام زيارته، أعرب الزيدي عن شكره لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والشعب الأميركي على حفاوة الاستقبال والتقدير، مجدداً عزم حكومته على "المضيّ في تجسيد الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين البلدين الصديقين، وتعزيز الثقة المتبادلة والرؤية المشتركة للمستقبل، استناداً إلى ما عقدناه من اتفاقات ومذكرات تفاهم وتعاون ستفضي إلى بناء مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية القائمة على المصالح المشتركة في مختلف المجالات، والتنسيق المشترك لتثبيت الاستقرار ومسار الازدهار في العراق وعموم المنطقة".

وشهدت الزيارة توقيع 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم وتعاون اقتصادي، وإعلان شراكة شاملة بين مختلف القطاعات العامة والخاصة في البلدين. وجاءت الزيارة في ظرف إقليمي بالغ الحساسية، مع استمرار تداعيات الحرب في المنطقة واقتراب انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، ما دفع الجانبين إلى البحث عن صيغة جديدة للعلاقات تتجاوز نموذج التعاون الذي تأسس بعد عام 2003، وتستجيب لمتطلبات المرحلة المقبلة، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي.

وحرصت واشنطن على إرسال إشارات تؤكد هذا التحول، إذ وصف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى العراق، توم برّاك، لقاءه بالزيدي بأنه "نقطة تحول"، مؤكداً أن "مستقبل العلاقات الأميركية العراقية يؤهل العراق ليكون مركزاً لربط الخليج وتركيا وسورية والأردن وآسيا الوسطى عبر مشاريع الطاقة والبنى التحتية، بما يفتح المجال أمام استثمارات أميركية واسعة". وتشير هذه الرسائل إلى أن الإدارة الأميركية تسعى إلى بناء علاقة طويلة الأمد مع بغداد، تقوم على المصالح الاقتصادية المشتركة، بعدما تراجع الطابع العسكري الذي طبع العلاقات طوال سنوات الحرب ضد تنظيم "داعش". كما تنظر واشنطن إلى العراق بوصفه حلقة أساسية في مشاريع الربط الإقليمي والطاقة، وهو ما يمنح الحكومة العراقية فرصة لاستقطاب استثمارات يمكن أن تسهم في تنويع الاقتصاد وتحسين البنية التحتية.

وفي الجانب الأمني، تكتسب المباحثات التي أجراها الزيدي في وزارة الدفاع الأميركية أهمية خاصة، لكونها تؤسس لمرحلة ما بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي. فبدلاً من الوجود العسكري المباشر، اتجه الجانبان نحو صيغة جديدة للتعاون تقوم على التدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية وتطوير قدرات القوات العراقية وتحديث منظومات التسليح والدفاع الجوي، بما يضمن استمرار الشراكة الأمنية ضمن إطار يحترم السيادة العراقية ويلبي احتياجات المؤسسة العسكرية.

وتنسجم هذه التفاهمات مع الخطوات التي اتخذتها الحكومة العراقية أخيراً، وفي مقدمتها تشكيل لجنة لإعادة تنظيم العلاقة الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة، تمهيداً للانتقال إلى شراكة دفاعية مؤسساتية بعد انتهاء مهمة التحالف، ما يجعل زيارة واشنطن محطة مفصلية في رسم هذا المسار.

غير أن هذا التحول في العلاقات لا ينفصل عن اختبار داخلي يواجهه رئيس الوزراء العراقي، يتمثل في تنفيذ تعهده بحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت قبل نهاية سبتمبر/أيلول المقبل. ويعد هذا الملف، بالنسبة إلى واشنطن وعدد من الشركاء الدوليين، مؤشراً أساسياً إلى قدرة الحكومة العراقية على فرض سلطة الدولة وتهيئة بيئة قادرة على استقطاب الاستثمارات الأجنبية. وكانت قيادات في الفصائل المسلحة وزعامات سياسية مقربة منها قد وجهت انتقادات إلى زيارة الزيدي ولقائه ترامب، محاولة الانتقاص منه بذريعة أنه "لم يدافع عن قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في لقاءاته مع ترامب". كما صعّدت "المقاومة الإسلامية في العراق" لهجتها إزاء واشنطن، وجددت رفضها تسليم سلاحها تحت أي مسمى.

ووفقاً لمسؤول حكومي رفيع، فإن "الزيدي عازم على تنفيذ اتفاقاته وتعهداته التي قطعها لواشنطن، ولا سيما ما يتعلق بإنهاء ملف سلاح الفصائل في موعد لا يتجاوز نهاية سبتمبر/أيلول المقبل". وأكد المسؤول لـ"العربي الجديد"، طالباً عدم الكشف عن هويته، أن "الزيدي يتوقع مواجهة عقبات في التنفيذ، وقد وصلته رسائل غير مباشرة من الفصائل بالرفض، لكن قيادات مؤثرة في الإطار التنسيقي، ولها تأثيرها على الفصائل، تعهدت في المقابل بالتحرك لحسم الملف".

وفي السياق، قال السياسي العراقي ظافر العاني إن الزيدي "نجح، ولا شك، في اختبار لقاء البيت الأبيض مع الرئيس دونالد ترامب"، معرباً عن أمله في أن "تتاح له الفرصة لعبور امتحان نهاية أيلول، المتمثل في نزع سلاح الفصائل الولائية واستعادة القرار السيادي". ويعكس هذا الطرح قناعة متزايدة بأن نتائج الزيارة لن تقاس بما تحقق في واشنطن فقط، بل بما ستتمكن الحكومة من تنفيذه داخل العراق خلال الفترة المقبلة.

من جهته، قال الباحث في الشأن السياسي، الأكاديمي العراقي علي الزاملي، إن "زيارة الزيدي تمثل بداية لإعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة على أساس المصالح المتبادلة، بعد سنوات انحصرت فيها بالعناوين الأمنية". وأكد لـ"العربي الجديد" أن "الولايات المتحدة تبدو مستعدة للانتقال إلى شراكة اقتصادية واستراتيجية مع العراق، لكن نجاح هذا المسار يتطلب إصلاحات داخلية، وفي مقدمتها فرض سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، لأن ذلك يشكل الضمانة الأساسية لأي استثمار طويل الأمد".

وتضع زيارة الزيدي بغداد أمام فرصة لإعادة بناء العلاقة على أسس مختلفة، عنوانها الشراكة الاقتصادية والتعاون العسكري المؤسسي، بدلاً من الارتباط بضرورات الحرب ومكافحة الإرهاب. غير أن هذه الصفحة الجديدة ستظل مرهونة بقدرة الحكومة العراقية على تنفيذ التفاهمات وإنجاز استحقاق نهاية أيلول، الذي يشكل نقطة الفصل بين مرحلة العلاقات التقليدية ومرحلة جديدة يسعى الطرفان إلى أن تكون أكثر استقراراً وتوازناً.