الدور الروسي في كاراباخ: تجميد النزاع وتشكيك بتسوية نهائية

15 نوفمبر 2020
الصورة
صحيفة: اتفاق كاراباخ كان انتصاراً دبلوماسياً لروسيا أم خطأ جيوسياسياً؟ (Getty)
+ الخط -

بعد مرور أسبوع على الإعلان عن نهاية الحرب بين أرمينيا وأذربيجان في إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه وانتشار أفراد حفظ السلام الروس، تؤكد كل المؤشرات انتهاء الجولة الأخيرة من المواجهة الساخنة وتجميد النزاع بين يريفان وباكو الذي راح ضحيته آلاف القتلى، وسط ترقب عملية سياسية طويلة وصعبة قد تمهد يوما للتسوية النهائية للنزاع الموروث من حقبة الاتحاد السوفييتي.

وأفاد الموقع الرسمي للكرملين مساء أمس السبت، بأن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أجرى اتصالين هاتفيين مع الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، ورئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، لمناقشة الجوانب العملية لتحقيق الاتفاقات المنصوص عليها في البيان الثلاثي حول كاراباخ بتاريخ 9 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، معربا عن رضاه على الالتزام بنظام وقف إطلاق النار وهدوء الوضع على خط التماس.   

وفي هذا الإطار، يعتبر أستاذ العلوم السياسية بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، كيريل كوكتيش، أن وجود أفراد حفظ السلام الروس على الأرض سيمنع تجدد الحرب، مستبعدا في الوقت نفسه تسوية نهائية سريعة وسهلة للنزاع في ظل تعارض أحكام القانون الدولي القاضية بحق الشعوب في تقرير المصير من جانب، ووحدة أراضي الدول من جانب آخر.

ويقول كوكتيش في حديث لـ"العربي الجديد": "كانت الحرب في كاراباخ نزاعا ثنائيا، ولكن وجود أفراد حفظ السلام الروس يجعل تكرارها أمرا مستحيلا، فاندلاع القتال بمشاركتهم سيعني حربا مع روسيا. كما أن روسيا نفسها لا تريد الدخول في نزاع متكامل مع تركيا الداعمة لأذربيجان".

ومع ذلك، لم تتجنب روسيا خلال الحرب صداما مباشرا مع القوات الأذربيجانية التي أسقطت مساء يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، مروحية "مي-24" الروسية، ولكن تم احتواء الموقف بعد اعتذار علييف عن الواقعة وتأكيده في لقاء مع بوتين بنظام مؤتمر الفيديو على صرف تعويضات لذوي الضحايا ومعاقبة المسؤولين.

وحول آفاق التسوية النهائية لنزاع كاراباخ، يضيف كوكتيش: "صحيح أنه تم إنهاء النزاع العسكري بين أرمينيا وأذربيجان وتحويله إلى مجرى سياسي سيستغرق سنوات طويلة. في ظل تعارض أحكام القانون الدولي بين ضمان حق الشعوب في تقرير المصير ووحدة أراضي الدول، باتت مثل هذه الأمور تخضع لتوزيع القوى العسكرية على الأرض. ومن المرجح ألا يتغيّر الوضع في كاراباخ على نحو كيفي إلا في حال تغيّرت موازين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية بين أطراف الأزمة".

انتصار دبلوماسي أم خطأ جيوسياسي؟

من جهتها، تساءلت صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية ما إذا كان الاتفاق حول كاراباخ انتصارا دبلوماسيا روسيا أم خطأ وتنازلا جيوسياسيا يكاد يصل إلى مستوى الهزيمة كونه سيزيد حتما من النفوذ التركي في منطقة جنوب القوقاز.

وفي مقال بعنوان "موسكو وكاراباخ: انتصار دبلوماسي أم خطأ جيوسياسي؟"، لفتت الصحيفة إلى أن كاراباخ يكاد يكون منطقة النزاع الوحيدة في فضاء رابطة الدول المستقلة، حيث يمكن لروسيا أداء دور ضامن السلام أو الحكم، مذكرة بأن "موسكو لم تتشاجر خلال الـ30 عاما الماضية لا مع يريفان ولا مع باكو، وذلك على عكس أقاليم أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ودونباس وحتى ترانسنيستريا، حيث كان موقفها مرهونا بالتوجه السياسي للسلطات الجورجية والأوكرانية والمولدافية". 

واعتبرت "نيزافيسيمايا غازيتا" أن نأي الغرب بنفسه عن الأزمة الأخيرة ترك لموسكو وباكو -أنقرة البت في مسألة من هو اللاعب "الرئيسي" في المنطقة، بينما لم تدخل روسيا في خلاف مباشر مع أذربيجان بسبب إسقاط مروحيتها رغم أنها واقعة اتسمت بجميع ملامح العمل الاستفزازي، مفضلة صفة صانع السلام، وهو "مثال نادر لضبط النفس في السياسة الخارجية الروسية في السنوات الماضية"، على حد وصف الصحيفة.

وخلصت الصحيفة إلى أن تصاعد النزاع في خريف 2020 أظهر أن "الحرب وحدها وسقوط قتلى وجرحى فقط، يمكن أن يجبرا دولا على الاتفاق على شيء ما، ولو لمدة خمس سنوات، وقبل سماع طلقات نارية وإراقة الدماء، تبقى أي مفاوضات مجرد ألاعيب وشعائر دبلوماسية، وقد شاركت روسيا فيها بانتظام". 

وكانت أرمينيا وأذربيجان وروسيا قد توصلت في 9 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري إلى اتفاق الوقف الكامل لأعمال القتال في كارا باخ، اقتضى إلى جانب وقف إطلاق النار، وقف تقدم يريفان وباكو عند مواقعهما، وتسليم أرمينيا جزءا من الأراضي، بما فيها مدينة شوشي الاستراتيجية، لأذربيجان، مما أثار موجة من الاحتجاجات ضد باشينيان والمطالبة باستقالته.  

يذكر أن أعمال القتال في كاراباخ تصاعدت في 27 سبتمبر/أيلول الماضي وسط تبادل الطرفين الاتهامات بشن هجمات على السكان المدنيين، من دون أن تساعد جهود الوساطة الروسية في بسط الهدنة قبل الوقف الكامل للحرب بعد قبول أرمينيا تقديم تنازلات أليمة لأذربيجان.

المساهمون