الدنمارك وإيطاليا تستغلان أزمة سبتة للدفع نحو سياسات هجرة أكثر تشدّداً
- التحرك الأوروبي بقيادة الدنمارك وإيطاليا: اجتمع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي لاستخلاص الدروس، حيث طالبت الدنمارك وإيطاليا برد عاجل وتعزيز حماية الحدود، مما أثار انقساماً سياسياً داخل الدنمارك.
- ردود الفعل الأوروبية وتداعيات الأزمة: رحبت الدنمارك باستجابة إسبانيا، بينما طالب اليمين الدنماركي بموقف صارم، وردت إسبانيا بتأكيدها على تراجع تدفقات الهجرة غير النظامية.
لم تعد أزمة تدفق نحو 60 ألف مهاجر من المغرب إلى سبتة مجرد اختبار لقدرة أوروبا على حماية حدودها الخارجية، بل تحولت إلى مواجهة سياسية تكشف الانقسامات العميقة داخل الاتحاد حول ملف الهجرة، بين مَن يدعو إلى مزيد من التشدد، ومَن يحذّر من تحويل الأزمات الإنسانية إلى أدوات للصراع الداخلي.
ففي حين تؤكد مدريد أنها تعاملت مع تدفق استثنائي وتمكنت من احتواء الوضع سريعاً، ترى حكومات أوروبية أن ما حدث يكشف ثغرات في إدارة الحدود الخارجية للاتحاد، بينما يعتبر مراقبون أن أحزاب اليمين استغلت المشاهد القادمة من سبتة لتعزيز خطابها الداعي إلى تشديد القيود على الهجرة.
الدنمارك وإيطاليا تقودان التحرك الأوروبي
واجتمع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، اليوم الثلاثاء، سعياً لاستخلاص دروس مبكرة من الأزمة. وكانت الدنمارك وإيطاليا في مقدمة الدول التي طالبت برد أوروبي عاجل، بعدما وجهت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتا فريدركسن ونظيرتها الإيطالية جيورجيا ميلوني رسالة مشتركة إلى المفوضية الأوروبية والرئاسة الأيرلندية للاتحاد، دعتا فيها إلى عقد اجتماع استثنائي لوزراء الداخلية وتعزيز حماية الحدود الخارجية.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وانضمت إلى الرسالة عشرون دولة أخرى، طالبت باتخاذ إجراءات لمنع تكرار تدفقات جماعية مشابهة، محذرة من أن أي ضعف في حدود دولة عضوة يمكن أن يؤثر في أمن الاتحاد بأكمله، لكن هذا التحرك أثار انقساماً سياسياً داخل الدنمارك نفسها. فقد انتقد عضو البرلمان الأوروبي عن تحالف اليسار الأخضر الدنماركي بير كلاوسن الرسالة، معتبراً في تصريحات للتلفزة الدنماركية، مساء أمس، أنها تمثل "ردة فعل مبالغاً فيها"، وأن الضغط على إسبانيا يضرّ بالتضامن الأوروبي. وقال إن سبتة لا تنتمي إلى منطقة شنغن، وإن معظم المهاجرين الذين وصلوا إليها لم يكن بإمكانهم الانتقال بسهولة إلى قارة أوروبا. وحذر كلاوسن من أن بعض الحكومات دخلت في "سباق لإطلاق أكثر التصريحات تشدداً" بدلاً من البحث عن حلول طويلة الأمد لمعالجة أسباب الهجرة.
واليوم الثلاثاء، رحّبت الدنمارك، برد مدريد على موجة الهجرة في سبتة. وقال وزير الهجرة والاندماج الدنماركي مورتن بودسكوف: "أنا سعيد للغاية باستجابة إسبانيا السريعة، ولا سيما بنشرها قوات الشرطة والجيش، وعودة العديد من المهاجرين إلى المغرب". وشدد في بيان، عقب الاجتماع الطارئ لوزراء الداخلية في الاتحاد، على أن "هذه الأحداث تظهر مدى أهمية الحفاظ على سيطرتنا على حدود الاتحاد الأوروبي".
اليمين الدنماركي يطالب بموقف أكثر صرامة
في المقابل، اعتبر حزب الشعب الدنماركي اليميني المتشدد أن الحكومة لم تذهب بعيداً بما يكفي. وقال المتحدث باسم الحزب لشؤون الهجرة ميكيل بيورن إن البيانات والرسائل السياسية لا تكفي، مطالباً بإجراءات عملية، بينها تعليق تعاون إسبانيا داخل منطقة شنغن، على غرار الموقف الذي دعت إليه رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني. كما طالب رئيس الحزب مورتن ميسرشميت الحكومة الدنماركية باتخاذ موقف أكثر تشدداً، معتبراً أن أوروبا لا يمكن أن تتحمل نتائج ما وصفه بـ"سياسة هجرة متساهلة" في إحدى الدول الأعضاء. ويعكس هذا الموقف توجهات أحزاب يمينية أوروبية أخرى، ترى في أزمة سبتة فرصة لإعادة تقديم الهجرة باعتبارها قضية أمنية، والدفع نحو مزيد من الرقابة على الحدود وتشديد شروط اللجوء.
الأرقام ترد على الانتقادات
لكن الحكومة الإسبانية ردت على الانتقادات بالاعتماد على بيانات وكالة الحدود الأوروبية "فرونتكس"، مؤكدة أن إسبانيا ليست الطريق الرئيسي للهجرة غير النظامية إلى أوروبا. وبحسب بيانات الوكالة، دخل خلال النصف الأول من العام الجاري 16 ألف مهاجر غير نظامي عبر اليونان، مقابل نحو 14 ألفاً عبر إيطاليا، بينما بلغ العدد عبر إسبانيا حوالي 8 آلاف مهاجر، أو نحو 11 ألف شخص عند احتساب جزر الكناري. أما خلال عام 2025 بأكمله، فقد سجلت إيطاليا العدد الأكبر بأكثر من 66 ألف مهاجر غير نظامي، تلتها اليونان بنحو 51 ألفاً، بينما بلغ العدد في إسبانيا نحو 19 ألفاً.
وبلغ إجمالي عدد الوافدين غير النظاميين إلى الاتحاد الأوروبي عام 2025 نحو 177 ألف شخص، وهو رقم يقل بأكثر من النصف عن عام 2023 الذي سجل 380 ألف مهاجر، ما يشير إلى تراجع عام في تدفقات الهجرة غير النظامية، رغم بقاء بعض المسارات عرضة لأزمات مفاجئة.
أزمة سياسية أكثر منها أزمة حدود؟
يرى الباحث الدنماركي جون غراوسغورد أن رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، محق في الإشارة إلى أن دولاً أخرى تستقبل أعداداً أكبر من المهاجرين. وقال لـ"العربي الجديد" إن جزءاً من ردات الفعل الأوروبية لا يرتبط فقط بحجم الأزمة، بل بالحسابات السياسية الداخلية، حيث وجدت حكومات ذات سياسات هجرة متشددة في أزمة سبتة فرصة لإظهار الحزم أمام ناخبيها وتوجيه انتقادات إلى مدريد.
ويشير الباحث إلى أن صور التدفق الجماعي من سبتة تحمل تأثيراً سياسياً كبيراً لأنها مرتبطة بجيب إسباني صغير ومحاط بالمغرب، رغم أن طرق البحر المتوسط نحو إيطاليا واليونان تشهد أعداداً أكبر بكثير من الوافدين.
اجتماع أوروبي لاختبار التضامن
ويأتي الاجتماع الطارئ لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي ليكشف أن أزمة سبتة تجاوزت حدودها الجغرافية لتصبح اختباراً جديداً لوحدة الاتحاد. فبينما تطالب دول، تقودها الدنمارك وإيطاليا، بتشديد حماية الحدود الخارجية ومنع تكرار المشهد، تؤكد إسبانيا أن الأزمة جرى تضخيمها سياسياً، وأن معظم المهاجرين لم يدخلوا فعلياً إلى أوروبا.
وحاولت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون ديرلاين، تهدئة الخلاف عندما أشادت، أمس الاثنين، في رسالة إلى سانشيز بطريقة تعامل إسبانيا مع الأزمة، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة تعزيز الرقابة على الحدود، وتسريع عمليات إعادة المهاجرين الذين لا يملكون حق الإقامة.