الدنمارك: تضامن شعبي يخترق جدران السردية الصهيونية وسط تجاهل رسمي لإبادة غزة
استمع إلى الملخص
- بعد قصف المستشفى المعمداني في غزة، توسعت الحركة الشعبية ضد الإبادة الجماعية، مع انضمام المزيد من الدنماركيين. استطلاعات الرأي تظهر رفضاً واسعاً للعدوان الإسرائيلي ودعماً للاعتراف بدولة فلسطين.
- يتزايد التململ داخل الحزب الاجتماعي الديمقراطي الحاكم، مع مطالبات بالاعتراف بفلسطين. حركة "يهود من أجل سلام عادل" تتسع، مما يعكس تنامي الوعي والتضامن مع القضية الفلسطينية.
تتواصل المسيرات الشعبية الأسبوعية في الدنمارك الداعمة لقطاع غزة منذ 100 أسبوع، وإلى جانب التعبير عن التضامن مع فلسطين، تُوجَّه في الفعاليات انتقادات لاذعة للحكومة التي يرون أنها تتخاذل بشأن قيم ودور البلد في مجالات حقوق الإنسان، وتأييدها للقوانين الدولية، ورفض جرائم الحرب أينما كانت.
على مدار مائة أسبوع متتالية، تشهد شوارع الدنمارك مسيرات وتظاهرات متواصلة احتجاجاً على الحرب الإسرائيلية في غزة. وأول من أمس السبت، شهدت العاصمة الثقافية للدنمارك، آرهوس، مسيرة، مثل بقية المدن، بما فيها العاصمة كوبنهاغن. وتنشط الجالية الفلسطينية في البلد، ليس فقط على مستوى المسيرات والتظاهرات وإقامة أسواق خيرية داعمة لأطفال غزة، بل أيضاً على المستوى الإعلامي والسياسي لممارسة ضغوط على حكومة ميتا فريدركسن لثنيها عن التمسك بمواقفها الملتبسة والمترددة بشأن فلسطين، وتناقض صارخ مع الرأي العام المتغير إيجاباً لمصلحة تأييد الحقوق الفلسطينية.
رفض شعبي متزايد ومطالبات بوقف الإبادة
ورغم محاولات الحكومة والإعلام التقليدي شيطنة التضامن مع الفلسطينيين بوصفه دعماً لحركة حماس، خاصة في الأيام الأولى لما بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فإن حادثة قصف المستشفى المعمداني في غزة شكّلت نقطة تحوّل كبيرة. فقد فشلت محاولات التشويه، وتوسعت الحركة الشعبية المطالبة بوقف الإبادة الجماعية، وشهدت المسيرات انضمام المزيد والمزيد من الدنماركيين من خلفيات متنوعة، بمن فيهم كبار السن، والمهاجرون من أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا.
ويقول الناشط الفلسطيني في تنظيم الفعاليات في آرهوس محمد الزينب (المعروف محلياً باسم سيمون) لـ"العربي الجديد": "نحن لا نحتج من أجل الضجيج، بل لنقول للدنماركيين والساسة: أوقفوا قتل الأطفال وتجويع غزة. الهتافات بالدنماركية والإنجليزية، كي تصل الرسالة للجميع". الزينب، الذي فقد قبل عام وظيفته في بلدية آرهوس بتهم تتعلق بـ"دعم الإرهاب"، لأنه ترحم على الشهيد إسماعيل هنية في منشور على "فيسبوك"، يصرّ على أن التضامن الشعبي بات أوسع وأكثر وعياً من أي وقت مضى.
ويضيف: "نرى آباء وسط المدينة يقفون بمحاذاة التظاهرة، يشرحون لأطفالهم معنى التظاهرات دعماً لفلسطين، ويشيرون إلى صور أطفال غزة، ويقولون: إسرائيل تقتلهم. هذه لحظة وعي دنماركية جديدة".
استطلاعات الرأي تؤكد التغيير
من جهته، يؤكد المسؤول عن جمعية "الملتقى الفلسطيني" في الدنمارك وليد ظاهر، في حديثه مع "العربي الجديد"، أن التغيير في المزاج العام ليس مجرد انطباع، بل بات ملموساً في استطلاعات الرأي التي تُظهر أن غالبية الدنماركيين ترفض العدوان الإسرائيلي وتؤيد الاعتراف بدولة فلسطين. ويقول: "خلال عقود، سادت سردية صهيونية سلبية عن الفلسطينيين. اليوم، ومع تضحيات الشعب في غزة، يتكشف الوجه الحقيقي للاحتلال، وتسقط الأقنعة".
لوبي صهيوني وتبعية سياسية
لكن هذا التحول الشعبي لا ينعكس في السياسة الرسمية. فالطبقة الحاكمة، بحسب نشطاء دنماركيين، لا تزال واقعة تحت تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. وتقول الناشطة آنا أسكر لارسن لـ"العربي الجديد": "الدنمارك بلد استعماري سابق، والسياسيون يتصرفون تبعاً لواشنطن وشركات السلاح، لا وفق إرادة شعبهم. فقط 13% من الدنماركيين لديهم موقف إيجابي من إسرائيل، ومع ذلك تتجاهل الحكومة هذا الواقع".
وتضيف: "اللوبيات الصهيونية في كوبنهاغن تفرض قيوداً على النقاش العام. الموظفون في البرلمان والقطاع العام يخشون تسمية ما يجري في غزة بالإبادة، خوفاً من العقوبات أو فقدان وظائفهم".
صعود المسيحية الصهيونية وملاحقة المنتقدين
أمّا الباحثة السياسية المتخصصة بقضايا الشرق الأوسط آنا مونا سامي، فتقول متفاخرة بأنها من أصول مصرية إن نفوذ جماعات "المسيحية الصهيونية" في الدنمارك شبيه بما هو موجود في الولايات المتحدة، وهو ما يفسر صمت العديد من السياسيين وخوفهم من اتخاذ مواقف ضد الاحتلال". وتتابع، من خلال معرفتها بما يدور في قواعد الأحزاب الدنماركية، وخصوصاً عند الجيل الشاب الذي يتعارض مع مواقف أحزابه: "الحكومة الدنماركية جبانة. ليس لأنها لا ترى الإبادة، بل لأنها تخشى التصادم مع تيارات الضغط الصهيونية المتجذرة".
وتحذّر سامي من اتساع الفجوة بين الشارع الدنماركي المتعاطف مع غزة، وبين الطبقة السياسية التي "ترفع شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي، لكنها عاجزة عن ترجمتها إلى مواقف حقيقية".
تمرد داخلي في الحزب الحاكم
داخل الحزب الاجتماعي الديمقراطي الحاكم، الذي تقوده رئيسة الحكومة ميتا فريدركسن، يتزايد التململ، خصوصاً بين الشباب وبعض الشخصيات التاريخية مثل وزير الخارجية الأسبق موينز لوكاتوفت، الذين يطالبون بالاعتراف بدولة فلسطين، ووقف الدعم الضمني لإسرائيل، وخاصة على مستوى تجارة السلاح. ومع ذلك، لا تزال فريدركسن تلتزم بخط متردد، لا يعكس تحوّلات المجتمع.
يهود دنماركيون: إسرائيل لا تمثلنا
من جانب آخر، تتسع حركة "يهود من أجل سلام عادل"، والتي تضم ناشطين يهود يرفضون الصهيونية. دانييلا، إحدى الناشطات المشاركات في تظاهرة السبت بآرهوس، تقول: "كحفيدة لضحايا الهولوكوست، لا أستطيع الصمت. إسرائيل لا تمثل كل اليهود، وكثيرون من حولي يشاركونني هذا الرفض".
ترتدي دانييلا في تظاهرة صامتة قميصاً أسود كتب عليه "فلسطين" مع خريطة الأرض. وتشير إلى أنها تنتمي لمجتمع يهودي تعددي يقف مع فلسطين، ويعادي العنصرية الصهيونية. وتؤكد لـ"العربي الجديد" أن "ما يجعلني متفائلة هو أن المزيد من يهود العالم باتوا يرفعون صوتهم ضد إسرائيل".
نحو سياسة خارجية جديدة؟
رغم الصمت الحكومي، بدأت بعض التصريحات الرسمية تنحو نحو التهدئة. فقد صرّح وزير الخارجية الحالي لارس لوكا راسموسن، بأن "التاريخ لن يرحم أحداً تجاه ما يجري في غزة"، ملوحاً بالاعتراف بفلسطين، وتعليق بعض التعاملات التجارية مع إسرائيل. لكن المتضامنين يرون أن الأقوال لا تكفي، والمطلوب خطوات فورية حقيقية، مثلما تذهب آنا مونا سامي ودانييلا وغيرهما ممن استطلع "العربي الجديد" آراءهم.
وواقعياً يتزايد تحذير بعض خبراء القانون الدولي في الصحافة الدنماركية من أن استمرار دعم كوبنهاغن لإسرائيل، حتى من خلال توريد قطع لطائرات إف-35، قد يعرّض البلاد لمساءلة قانونية دولية، في حال ثبوت استخدامها في جرائم حرب.