"الدعم السريع" تُشعل المعارك في كردفان

27 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 18:30 (توقيت القدس)
مواطنون يتنقلون بشاحنة في شمال كردفان، 9 يناير2023 (أشرف الشاذلي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تصاعد التوتر في شمال كردفان مع هجمات مليشيات "الدعم السريع" على مناطق متعددة، بما في ذلك أم دم حاج أحمد، واستعادة السيطرة على مدينة بارا، مما يهدد مدينتي الأبيض والخرطوم.

- العمليات العسكرية في بارا أدت إلى انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك مجازر واعتقالات ونهب، مما تسبب في نزوح جماعي للسكان، ودعوات دولية لحماية المدنيين وفتح تحقيقات.

- "الدعم السريع" تسعى لتوسيع نفوذها في كردفان بدعم من حركات مسلحة، مما يعزز موقفها السياسي وسط محاولات الوساطة الدولية، بينما يحتفظ الجيش السوداني بقوات كبيرة في المنطقة.

بالتزامن مع التقدم الذي حقّقته في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، غربي السودان، حيث أعلنت سيطرتها عليها أمس الأحد، شنّت مليشيات "الدعم السريع" هجمات أخرى على عدد من المناطق في ولاية شمال كردفان، جنوب وسط السودان، واقتحمت بلدة أم دم حاج أحمد وسيطرت عليها، بعد أيام من استعادة سيطرتها على مدينة بارا الاستراتيجية في الولاية ذاتها. وتجددت بذلك جبهة شمال كردفان بعد هدوء نسبي وتوقف للمعارك بين الجيش و"الدعم السريع" خلال الفترة الأخيرة، في وقت حذّر مراقبون من خطورة تحركات "الدعم السريع" الجديدة في ولاية شمال كردفان المحاذية لولاية الخرطوم، ومحاولتها العودة إلى مدن وقرى سبق للجيش السوداني أن أخرجها منها، ما يشكّل تهديداً جديداً لمدينتي الأبيض (عاصمة شمال كردفان، وأكبر مدن الولاية) والخرطوم على وجه الخصوص.

واقتحمت قوات "الدعم السريع"، اليوم الاثنين، بلدة أم دم حاج أحمد، في ولاية شمال كردفان، حيث خاضت معارك سريعة مع قوات من الجيش. وبعد دخول المنطقة نفذت عمليات نهب واسعة في الأسواق والمنازل حسبما كشفت مصادر محلية في الولاية. ونشر مقاتلون من "الدعم السريع" مقاطع فيديو من شوارع المنطقة وداخل المؤسسات الحكومية، كما التقطوا صوراً أمام لافتة مقر الحكومة المحلية وتوعدوا بالهجوم على مزيد من المناطق.

صلاح مصطفى: قوات الدعم ستعمل على توسيع مناطق سيطرتها في إقليم كردفان وربطها ببعضها البعض

وأعلنت "الدعم السريع"، في بيان، أن قواتها تمكنت من السيطرة على محلية (بلدة) أم دم حاج أحمد، معتبرة ذلك "انتصاراً جديداً" أعقب السيطرة على مدينتي الفاشر في شمال دارفور وبارا في شمال كردفان. وقال المتحدث باسم "الدعم السريع"، الفاتح قرشي، في البيان، إن قواتهم ستواصل الزحف من كل المحاور صوب آخر ما سماه "معاقل الإرهاب". وتحدثت مواقع إعلامية عربية عن سيطرة "الدعم" أيضاً على بلدة الزريبة، في شمال كردفان.

وتقع بلدة أم دم حاج أحمد، في شمال كردفان، على بعد حوالي 70 كيلومتراً شمال شرق مدينة الأبيض، وتبعد عن مدينة بارا حوالي 65 كيلومتراً، وكان الجيش السوداني قد سيطر عليها في 8 سبتمبر/أيلول الماضي، خلال هجمات واسعة شنّها على مناطق سيطرة "الدعم" في الولاية، ما وسّع من نطاق سيطرته فيها.

"الدعم السريع" تستعيد بارا

وأول من أمس السبت، استعادت "الدعم السريع" السيطرة على مدينة بارا الاستراتيجية في شمال كردفان، وهي أقرب مدن الولاية إلى العاصمة الخرطوم من الناحية الغربية، وكانت في قبضة "الدعم" قبل أن يسيطر عليها الجيش في 11 سبتمبر الماضي. وظلّت مدينة بارا مركزاً لـ"الدعم" في ولاية شمال كردفان ومقراً لحشود كبيرة من قواتها، التي شكّلت من هناك ضغطاً كبيراً على مدينة الأبيض، عاصمة الولاية التي فكّ عنها الجيش الحصار في 23 فبراير/شباط الماضي.

وقالت مجموعة "محامو الطوارئ" الحقوقية، أمس الأحد، في بيان، إن "الدعم السريع ارتكبت مجزرة مروّعة بحق المدنيين في مدينة بارا"، مضيفة أنه أعقب انسحاب الجيش، هجوم واسع استهدف المدنيين بصورة مباشرة، حيث شهدت أحياء بارا عمليات تصفية جماعية راح ضحيتها المئات من السكان، معظمهم من الشباب، إلى جانب حملات اعتقال ونهب وتخريب طاولت الممتلكات العامة والخاصة وسط انقطاع كامل لشبكات الاتصال والإنترنت.

وأضافت المجموعة أن هذه الاعتداءات أدّت إلى نزوح جماعي واسع للسكان نحو القرى والمناطق المجاورة في ظروف إنسانية بالغة القسوة، فيما لا يزال عدد كبير من المواطنين في عداد المفقودين. ولفتت إلى أن هذه الجرائم رافقتها خطابات تحريضية خطيرة من مناصري "الدعم السريع" تدعو إلى القتل والتصفية على أساس الهوية والانتماء، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني وتشكل تحريضاً مباشراً على ارتكاب جرائم حرب.

من جهتها، قالت شبكة أطباء السودان، إن "الدعم السريع" ارتكبت مجزرة جديدة تضاف إلى مجازرها الممتدة في كردفان، وأقدمت على تصفية 47 مواطناً أعزل داخل منازلهم في بارا، بينهم 9 نساء، وذلك بتهمة الانتماء للجيش.

وأضافت الشبكة في بيان، اليوم الاثنين، أن "الدعم السريع منذ استباحتها للمدينة، ظلّت تمارس عمليات إعدام ميدانية ونهب للممتلكات واختطاف للمواطنين، في محاولة لبث الرعب وسط الأهالي". ولا يزال عدد من المواطنين مفقودين حتى اللحظة، وفق الشبكة، التي دعت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، والمنظمات الحقوقية، إلى التحرك الفوري لحماية المدنيين العُزّل في بارا وكل مدن السودان، وفتح تحقيق دولي عاجل لمحاسبة قيادات "الدعم السريع".

ويتكون إقليم كردفان وسط البلاد من ثلاث ولايات، هي شمال وجنوب وغرب كردفان، ويسيطر الجيش على مناطق واسعة في شمال كردفان بما في ذلك عاصمتها مدينة الأبيض، وتتوزع السيطرة بين الطرفين على مناطق أخرى، لكن أبزر المدن والبلدات الهامة في الولاية تقع في يد الجيش مثل مدن الأبيض، أم روابة، والرهد، وعدد من القرى الصغيرة، بينما تسيطر "الدعم السريع" على مدن النهود وأبو زبد وجبرة الشيخ. وتعتبر ولاية شمال كردفان أقرب ولايات إقليم كردفان إلى الخرطوم بحدود طويلة معها من الناحية الغربية، ولديها أيضاً حدود مع خمس ولايات أخرى، هي الولاية الشمالية، ولاية شمال دارفور، ولاية غرب كردفان، ولاية جنوب كردفان، وولاية النيل الأبيض.

محمد محمود: موقع الولاية يجعل منها خطراً على بقية الولايات الأخرى المحاذية لها

جبهة جديدة في ولاية استراتيجية

وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي صلاح مصطفى، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن قوات الدعم السريع تريد الآن فتح جبهة جديدة في كردفان للتغطية على ما تقوم به في ولاية شمال دارفور وتحديداً مدينة الفاشر، مبيناً أنه من المتوقع احتدام المعارك في كردفان، وخصوصاً في ولاية شمال كردفان والتي تشكل تهديداً كبيراً لولاية الخرطوم القريبة. وأضاف مصطفى أن "قوات الدعم ستعمل على استعادة المناطق التي فقدتها في شمال كردفان وربما تحاول إعادة حصار مدينة الأبيض مرة أخرى".

وذكر مصطفى أن "قوات الدعم السريع بعد حصولها على مساندة عسكرية من الحركات المسلحة الموالية لها في تحالف "تأسيس"، سوف تعمل على توسيع مناطق سيطرتها في إقليم كردفان وربط مناطقها ببعضها البعض بعد أن قطعها الجيش خلال عملياته العسكرية في الأشهر الأخيرة الماضية"، معتبرا أن كل هذه التحركات الميدانية لـ"الدعم" تأتي أيضاً تقوية لموقفها السياسي وموقف حلفائها، في ظل محاولات الوسطاء الدوليين جلب طرفي الحرب إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى تسوية تنهي الصراع المسلح في السودان.

ورأى الصحافي محمد محمود، من جهته، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن تحركات الدعم السريع في ولاية شمال كردفان ربما تقود إلى احتدام المعارك بينها وبين الجيش الذي يحتفظ بقوات ضخمة في المنطقة، ومن المتوقع أن يعمل على منعها من التقدم أكثر في الولاية الاستراتيجية. وبيّن أن موقع الولاية يجعل منها خطراً على بقية الولايات الأخرى المحاذية لها، كما يهدّد بقطع طريق مدينة الأبيض عاصمة الولاية مرة أخرى، إذا واصلت "الدعم" مهاجمة هذه المناطق، خصوصاً بعد استعادتها مدينة بارا أقرب المدن الاستراتيجية للأبيض. لكنه اعتبر أن ما تقوم به "الدعم" من مهاجمة مناطق صغيرة مثل أم دم حاج أحمد، لا يزيد عن كونه استعراضاً سياسياً، للقول إن بإمكانها التقدم أكثر والسيطرة على مناطق جديدة، وفق اعتقاده.