"الدعم السريع" تجدد استهداف الخرطوم: انتقام جوي وإثبات وجود

13 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 17:42 (توقيت القدس)
آثار هجمات "الدعم السريع" على الخرطوم، 12 أغسطس 2026 (إبراهيم حميد/فرانس برس)

مع تصاعد المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحلفائهما في عدد من الجبهات السودانية عبر الهجمات البرية والجوية، برز تركيز "الدعم"، أمس الأربعاء واليوم الخميس، على استهداف العاصمة الخرطوم بالطائرات المسيّرة، في تطور يفسره مراقبون بمحاولة إشغال الجيش السوداني عن الجبهات الأخرى، خصوصاً في إقليم النيل الأزرق وغرب دارفور، حيث حقق الجيش والقوات المساندة له تقدماً ملحوظاً في الفترة الأخيرة، بالإضافة إلى سعي "الدعم" لإثبات وجودها بعد تراجعها الميداني أخيراً وتأكيد قادة الجيش رفض أي تفاوض أو هدنة معها، وفق تصريح أخير لرئيس هيئة أركان الجيش ياسر العطا.

الهجوم على الخرطوم

ولليوم الثاني على التوالي، شنّت "الدعم السريع"، اليوم الخميس، هجمات متزامنة بالطائرات المسيّرة، استهدفت هذه المرة مدينة أم درمان، الضلع الآخر للعاصمة الخرطوم. كما شنت هجوماً برياً على مدينة الكرمك في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، إلى جانب هجمات أخرى على مناطق سيطرة الجيش في منطقة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان جنوب وسط السودان، ولم يصدر عن الجيش تعليق فوري حول استمرار هجمات الطائرات المسيّرة على الخرطوم.

حسن إبراهيم: "الدعم السريع" تعلم أن العودة إلى الخرطوم أشبه بالمستحيلة خصوصاً بعد سيطرة الجيش على المناطق الواقعة غرب العاصمة

وقال شهود عيان في مدينة أم درمان لـ"العربي الجديد"، إنهم سمعوا أصوات طنين في سماء المدينة في الساعات الأولى من صباح اليوم الخميس، أعقبتها أصوات طلقات عالية للمضادات الأرضية التابعة للجيش السوداني، ولفتوا إلى أن الأصوات سُمعت في مناطق غرب مدينة أم درمان، حيث عدد من المقار العسكرية للجيش، في وقت لم تعلن السلطات المحلية عن وقوع ضحايا جراء الهجمات الجديدة.

وجاء هجوم "الدعم السريع" على الخرطوم اليوم بعد هجوم آخر شنته أمس الأربعاء على العاصمة، بالتزامن مع هجمات أخرى طاولت أيضاً مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان ومدينة عطبرة في ولاية نهر النيل، مستهدفة مواقع مدنية وعسكرية. وتسببت الهجمات في حالة من الخوف والهلع وسط سكان تلك المناطق. وكان الجيش قد تصدى أمس للهجوم على الخرطوم بالمضادات الأرضية وتمكن من إسقاط عدد من المسيّرات المهاجمة، وسقطت أخرى داخل بعض الأحياء السكنية والأسواق وتسببت في مقتل شخصين بمدينة الأبيض وإصابة آخرين، فيما لم تعلن السلطات عن وقوع ضحايا في مناطق أخرى.

وبالتزامن مع الهجمات على الخرطوم اليوم، شنت "الدعم السريع" هجوماً برياً على مدينة الكرمك في إقليم النيل الأزرق، وقال المتحدث باسم "الدعم" الفاتح قرشي، في بيان، إن قواتهم تمكنت من السيطرة على مدينة الكرمك الاستراتيجية القريبة من الحدود مع إثيوبيا، وأضاف أن قواتهم ألحقت بالجيش والقوات المساندة له خسائر وصفها بالفادحة في الأرواح والعتاد، واستولت على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر.

من جانبها، أفادت حكومة محافظة الكرمك في بيان، اليوم، بأن مدينة الكرمك عاصمة المحافظة ظلت تتعرض خلال الأيام الثلاثة الماضية لهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة الاستراتيجية والانتحارية، إلى جانب القصف المدفعي من "الجوار الإقليمي". وأضافت أنه في مواجهة هذا العدوان، تواصل القوات المسلحة تصديها بكل ثبات واستبسال، دفاعاً عن الوطن والمواطن، وحمايةً للمدينة ومؤسساتها وممتلكات أهلها. وأكدت حكومة المحافظة موقفها الراسخ في الوقوف إلى جانب القوات المسلحة، وكافة المنظومات والقوات المساندة لها، في مواجهة الاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار المحافظة والوطن.

وفي ولاية شمال كردفان، شنت "الدعم السريع" صباح اليوم الخميس هجوماً على بلدة جبرة الشيخ شمال شرقي الولاية، ودارت معارك عنيفة بين الجانبين. وبينما بث مقاتلون من "الدعم السريع" صوراً على "فيسبوك" معلنين سيطرتهم على البلدة، نشر مقاتلون من المجموعات المساندة للجيش بدورهم مقاطع فيديو أعلنوا أنها من داخل جبرة الشيخ، مؤكدين سيطرتهم عليها وإفشال هجوم "الدعم السريع" ومطاردة قواتها التي فرت غرباً. وذكرت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح (حركات موقعة على سلام مع الحكومة) المساندة للجيش، في بيان، أن "الدعم السريع" هاجمت اليوم الخميس، ارتكازات القوات المسلحة والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية في منطقة جبرة الشيخ عبر ثلاثة اتجاهات، إلا أن القوات تصدت للهجوم ودحرت المليشيا حسب البيان.

ووسط ذلك، قال رئيس هيئة أركان الجيش ياسر العطا في خطاب خلال زيارة إلى مقر الفرقة الأولى مشاة في مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، نشرته الفرقة اليوم، إن الجيش سيعلن قريباً تحرير كامل أراضي البلاد من "الدعم السريع". وأضاف أنهم لن يتفاوضوا ولن يقبلوا بهدنة مع "الدعم السريع" التي ليس أمامها سوى الحرب أو الاستسلام، وتابع: "لن يحكم السودان العملاء وخونة الأوطان، بل سيحكم السودان أبناؤه المخلصون الذين ثبتوا وقاتلوا أثناء المحنة". وذكر العطا أنه تم تدمير أكثر من 95% من قوة "الدعم السريع"، و"المتبقي الآن مرتزقة من إثيوبيا والصومال وجنوب السودان، وتشاد وليبيا حفتر، والنيجر وبوركينا فاسو، ودول غرب أفريقيا وكولومبيا وأوكرانيا وبقايا مجموعة فاغنر الروسية". وأردف: "لا دولة تدمج مرتزقة في جيشها، أو تفاوض مرتزقة على سيادتها"، مشدّداً على أن أوامر القائد العام هي استعادة الأمن والاستقرار وتحرير كل الأراضي السودانية وخصوصاً إقليم دارفور.

في اتجاه آخر، أعلنت محلية (بلدية) الدبة بالولاية الشمالية، استسلام مقاتلين تابعين لـ"الدعم السريع" من المجموعتين 55 و47 ووصولهم إلى المنطقة والانضمام إلى صفوف الجيش. وأضافت في بيان اليوم، أن القوة المستسلمة مكونة من 21 قائداً و37 سيارة عسكرية و270 فرداً. وقال قائد قوات حرس الحدود بالجيش السوداني العقيد محمد صالح حسب البيان، إن الشعب السوداني شعب طيب لا يحمل الحقد، ويفضّل العفو والتسامح، موجهاً رسالة إلى الذين ما زالوا في "صفوف المليشيا" بضرورة إدراك أنهم يُستخدمون كأدوات لنزع خيرات السودان، داعياً إياهم إلى وضع السلاح والعودة إلى حضن الوطن والوقوف مع القوات المسلحة. كما وجّه رسالة إلى أبناء إقليمي دارفور وكردفان، قائلاً إن الطريق مفتوح أمام كل من يرغب في ترك صفوف المليشيا والعودة إلى صف الوطن.

وكان الجيش مدعوماً بالقوات المساندة له، شنّ هجمات واسعة نهاية يوليو/تموز الماضي على مناطق سيطرة "الدعم" بولاية شمال كردفان وتمكن من السيطرة على مدينة بارا الاستراتيجية، وبلدات أم سيالة، وجبرة الشيخ، وأم قرفة، وعدد من القرى، كما سيطر على كامل طريق الصادرات، وهو الطريق الأكثر أهمية الذي يربط ولاية شمال كردفان بالعاصمة الخرطوم من الاتجاه الغربي. وكان قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" توعد في خطاب أمام مقاتليه في دارفور في 29 يوليو الماضي، باستعادة العاصمة الخرطوم مجدداً، وأضاف أن الهدف هو الخرطوم وتعهّد بمواصلة القتال حتى العودة إلى العاصمة التي خرج منها مهزوماً في مايو/أيار 2025.

محمد محمود: كل الهجمات التي تشنها "الدعم السريع" هي محاولات دفاعية لمنع تقدم الجيش من شمال كردفان إلى غربها ومن ثم إلى إقليم دارفور

من جانبها، كشفت شبكة أطباء السودان، في بيان اليوم الخميس، أن الهجوم الذي شنته "الدعم السريع" بالطائرات المسيّرة على مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان أمس الأربعاء، تسبب في مقتل شخصين داخل قسم الطوارئ بمستشفى الأبيض جراء إصابتهما بشظايا المسيّرة. واعتبر أن هذه الحادثة تؤكد استمرار تعرض المدنيين للخطر جراء الهجمات على المناطق المأهولة بالسكان. وأعلنت الشبكة رفضها القاطع لاستهداف المدنيين والمرافق والمنشآت المدنية، باستخدام الطائرات المسيّرة الموجهة أمس واليوم في عدد من الولايات، مشيرة إلى أن هذه الهجمات تشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، لما تسببه من خسائر في أرواح المدنيين وتهديد مباشر للمنشآت والخدمات المدنية والطبية، داعية إلى وقف استهداف الأحياء والمرافق المدنية بصورة فورية.

ما هو هدف "الدعم السريع" من الهجمات على العاصمة؟

يرى الضابط السابق حسن إبراهيم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن معاودة "الدعم السريع" شن الهجمات على الخرطوم بالطائرات المسيّرة هدفها شغل الجيش عن الجبهات الأخرى، خصوصاً في إقليم النيل الأزرق وغرب دارفور، حيث حقق الجيش والقوات المساندة له تقدماً ملحوظاً في تلك المناطق. وأضاف أن الهجمات أيضاً تأتي في سياق تأكيد تهديدات حميدتي الأخيرة بمهاجمة واستعادة الخرطوم، لافتاً إلى أن "الدعم" تعلم أن العودة إلى الخرطوم أشبه بالمستحيلة خصوصاً بعد سيطرة الجيش على المناطق الواقعة غرب العاصمة، والتي كان وجود "الدعم" فيها يشكل تهديداً مباشراً لحدود الخرطوم الغربية. ويعتبر إبراهيم أن شن الهجمات المتزامنة على مناطق متعددة هو أسلوب يهدف لإرباك الخصم وتشتيت جهوده ومنعه من التركيز على جبهة محددة، كما تتعمد "الدعم السريع" تخويف سكان العاصمة الخرطوم ودفعهم للمغادرة أو منع النازحين من العودة إليها.

من جهته، يرى الصحافي المتخصص في تغطية النزاعات، محمد محمود، أن "الدعم السريع" تحاول إرسال رسالة بأنها لا تزال قادرة على خوض الحرب وشن الهجمات في كل الجبهات، بينما الحقيقة على الأرض تقول إن كل الهجمات التي تشنها أخيراً هي محاولات دفاعية لمنع تقدم الجيش من شمال كردفان إلى غربها ومن ثم إلى إقليم دارفور. ويضيف محمود في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الجيش والقوات المساندة له هددت بالفعل معاقل "الدعم السريع" في ولايتي شمال وغرب دارفور، وهي تسيطر حالياً على محور الصحراء بالقرب من الحدود التشادية ويهددون مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، وهو ما يجعل "الدعم"، حسب محمود، تشن الهجمات العشوائية في كل مكان لشغل الجيش، خصوصاً من خلال مهاجمة الخرطوم التي تعتبر المركز الرئيسي للقيادة العسكرية. ويعتبر أن الرسالة الأخرى من خلال مهاجمة الخرطوم موجهة للمجتمع الدولي حول امتلاك "الدعم السريع" زمام المبادرة، والقدرة على خوض المعارك وتهديد مراكز قوة الجيش ومعاقله الأساسية.