الخط الأصفر... سلاح إعادة هندسة غزة أمنياً وديمغرافياً

04 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:09 (توقيت القدس)
دبابات للاحتلال على حدود غزة، 29 أكتوبر 2025 (عمير ليفي/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الخط الأصفر كأداة للسيطرة: يستخدم الاحتلال الإسرائيلي الخط الأصفر، الذي يقضم 52% من مساحة غزة، كوسيلة للسيطرة عبر تفجير المنازل وتطهير المناطق أمنياً، رغم نفي نية جعله خط فصل دائم.

- الانتهاكات الإسرائيلية: تجاوزت الانتهاكات الخط الأصفر لتشمل مساحة 35 كيلومتراً، مع هجمات جوية وعمليات توغل أدت إلى مقتل 250 فلسطينياً، مما يهدف إلى إعادة ترسيم القطاع وخلق مناطق عازلة.

- استراتيجية طويلة الأمد: تسعى إسرائيل لخلق نموذجين جغرافيين وديمغرافيين في غزة، حيث يتم تطهير المناطق داخل الخط الأصفر لضمان عدم وجود بنية تحتية للمقاومة، وترك المناطق الأخرى تفتقر للخدمات.

يعمل الاحتلال الإسرائيلي منذ دخول وقف إطلاق النار في قطاع غزة قبل 3 أسابيع على تنفيذ عمليات عسكرية داخل الخط الأصفر وهو خط الانسحاب، عبر عمليات تفجير للمنازل والبنية التحتية وما يسميه تطهير المناطق أمنياً. وبموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار تم رسم الخط الأصفر الذي يقضم حالياً 52% من مساحة غزة.

وعلى مدار الأيام الماضية عمل الاحتلال الإسرائيلي على وضع علامات ميدانية على طول الخط الأصفر لمنع السكان من الاقتراب منه، فيما سجل عشرات عمليات إطلاق النار تجاه فلسطينيين في تلك المنطقة. وكثف الاحتلال الإسرائيلي أخيراً من عمليات القصف والنسف في تلك المنطقة، حيث تسمع هذه الانفجارات بشكل مكثف في أوقات الليل المتأخر وساعات الفجر في مناطق شرق حي الشجاعية والزيتون، وشرق خانيونس جنوبي القطاع.
ورغم السلوك الميداني، إلا أن وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر نفى نية إسرائيل الإبقاء على الخط الأصفر خطَ فصل دائما مع الأراضي المحتلة عام 1948، حيث قال، في تصريحات من واشنطن، "إن الخط الأصفر الذي تم تحديده ضمن الترتيبات الأمنية في قطاع غزة لن يصبح خطاً أخضر جديدا أو خط فصل دائما". وأضاف، في تصريحاته التي نقلتها صحيفة يديعوت أحرونوت، أول من أمس الأحد، أنه "إذا لم تُنفّذ حماس هذا الالتزام، فستتحرك إسرائيل، وعندها سيتقلص الخط الأصفر. أما إذا تولّت جهات أخرى هذه المهمة، فسيُصار إلى توسيع الخط الأصفر".

انتهاكات متواصلة


رامي أبو زبيدة: الخط الأصفر أداة إسرائيلية واضحة للسيطرة على مساحة واسعة داخل القطاع


وبحسب تقرير ميداني لحركة حماس وثق الانتهاكات الإسرائيلية منذ بداية وقف إطلاق النار، في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فإنه بالإضافة إلى ما يجري داخل الخط الأصفر فإن التجاوزات امتدت لتغطي مساحة تتجاوز 35 كيلومتراً، في شريط يمتد على طول الخط الأصفر شمالاً وشرقاً وجنوباً بمسافات تتراوح بين 600 و1500 متر داخل المناطق الصفراء. يضاف إلى ذلك، بحسب التقرير، إقامة إنشاءات جديدة، حيث يعمل الاحتلال منذ أسبوعين على وضع مكعبات إسمنتية صفراء خارج الخط الأصفر، بمسافات تتراوح بين 400 و1050 متراً. وخلال وقف إطلاق النار عمد الاحتلال الإسرائيلي على تنفيذ هجمات جوية، الأولى بذريعة إطلاق نار باتجاه جنود إسرائيليين في رفح، والأخرى بسبب ملف الجثامين الإسرائيليين، إلى جانب واقعة أخرى في رفح أيضاً أدت لمقتل ضابط إسرائيلي. ووثق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، قتل الاحتلال 250 فلسطينياً منذ بداية التهدئة، من بينهم 97 طفلاً و39 امرأة و10 من كبار السن، فضلاً عن تسجيل 597 إصابة، علاوة عن أسر 29 مدنياً وعمليات توغل تجاوز فيها الخط الأصفر.

الخط الأصفر أداة سيطرة

ويؤكد الباحث والمختص في الشأن الإسرائيلي رامي أبو زبيدة أن الخط الأصفر في غزة ليس مجرد خط انسحاب مؤقت أو ترسيم تكتيكي، بل هو أداة إسرائيلية واضحة للسيطرة على مساحة واسعة داخل القطاع، ما يسمح للاحتلال بالتموضع الميداني تحت غطاء الفصل الأمني مع قدرة على تنفيذ ضربات محددة دون حرب شاملة. ويضيف أبو زبيدة، لـ"العربي الجديد"، أن الخط الأصفر يشكّل مرحلة جديدة من الاحتلال الجزئي الذي يطول، ويفرض واقعاً ميدانياً قبل أي تسوية سياسية محتملة، إذ أنه وسيلة لترسيخ السيطرة والضغط المستمر على المقاومة وليس إجراءً فنياً أو مؤقتاً. ويوضح أن ما يحصل يمكن اعتباره إعادة ترسيم داخلية للقطاع، حيث يخلق الخط الأصفر مناطق مراقبة ومناطق عازلة، ويحول أجزاء واسعة من الأراضي إلى شريط رمادي خاضع للسيطرة العسكرية يُمنع السكان من العودة إليها، بينما يعيد الاحتلال تعريف خريطة غزة ويقسمها وفق ما يخدم أهدافه الأمنية والعسكرية.

ووفقاً للباحث والمختص في الشأن العسكري فإن ما يجري يمثل إعادة رسم للحدود بطريقة غير معلنة من أجل حسم الواقع الميداني الذي يخدم الاحتلال، حيث إن الهدف الإسرائيلي متعدد الأبعاد، ويشمل الحاجة إلى حرية الحركة النارية وتنفيذ ضربات داخل العمق دون اجتياح واسع، والسيطرة على المناطق المفتوحة وتحويلها لشبكة مراقبة وتجسس مستمر تمنع إعادة بناء القوة العسكرية للمقاومة، بالإضافة إلى ممارسة ضغط نفسي وميداني عليها من خلال الوجود المرئي للاحتلال على الأرض لمنع إعادة تنظيم صفوفها.

ويشير أبو زبيدة إلى أن من بين أهداف الاحتلال التحكم بمنع السكان من العودة إلى مناطقهم، وخلق شريط عازل عملي حول مناطق السيطرة لفرض واقع ميداني وأمني دائم، موضحاً أن أي فترة هدوء تُستغل بالكامل لإعادة ترتيب قوة الاحتلال، حيث يستخدم الهدوء النسبي لترسيخ نقاط مراقبة جديدة وتحديث بنك أهدافه، وإنشاء مناطق عازلة وإعادة التموضع دون مواجهة مباشرة، بهدف فرض واقع جديد في غزة يجعل السيطرة مستمرة وطويلة الأمد.

امتداد لخطة الجنرالات

بدوره، يؤكد المحلل والمختص في الشأن الإسرائيلي، سليمان بشارات، أن ما تقوم به إسرائيل الآن هو امتداد لخطة الجنرالات التي أطلقتها لمناطق شمال قطاع غزة، حيث حاولت الوصول إلى ما كانت تطلق عليه مرحلة التطهير الجغرافي داخل قطاع غزة. ويقول بشارات، لـ"العربي الجديد"، إن الاحتلال الإسرائيلي، ومن خلال العمليات العسكرية المكثفة فيما يعرف بالخط الأصفر، يقوم بعملية التطهير الكاملة، لضمان عدم وجود فعلي لأي بنية تحتية يمكن أن تشكل أو تعيد تشكيل قوة المقاومة الفلسطينية، موضحاً أنه وحتى إن سمح للفلسطينيين بالعودة إلى هذه المناطق، فإنها ستكون مناطق خالية بشكل كامل من أي بنية تحتية يرتبط بها العمل المقاوم، وبالتالي تستطيع إسرائيل ضمان أطول فترة زمنية ممكنة من عدم قدرة إعادة بناء البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية.


سليمان بشارات: ما تقوم به إسرائيل الآن امتداد لخطة الجنرالات


ويضيف بشارات أن إسرائيل تسير الآن باتجاه خلق نموذجين من الجغرافيا والديمغرافيا في قطاع غزة، فهي تريد أن تعمل داخل الخط الأصفر، وهو المنطقة التي يسيطر عليها الاحتلال، على عملية مسح كاملة للخريطة السكانية والجغرافية والمعمارية التي كانت موجودة في السابق، وأن تذهب إلى ما يمكن أن يسمى بإعادة الإعمار الهندسي، وفقاً للنمط الذي يسمح بالسيطرة والتحكم الإسرائيلي، أو بخلق النموذج الجديد، وهو تحت إطار وعنوان الفلسطيني الجديد الذي يأتي تحت إطار التبعية أو السيطرة الأمنية والمنهجية العسكرية الإسرائيلية بشكل واضح.

ووفقاً لبشارات فإنه في المقابل، يجب أن يبقي الاحتلال على نموذج آخر في المناطق خارج الخط الأصفر، بحيث تفتقر إلى كثير من الخدمات والمقومات الأساسية، وبالتالي تكون بيئة طاردة وليست بيئة معززة لوجود الفلسطيني، وهذا جزء مهم بالمنظور الإسرائيلي. وبحسبه فإن الاحتلال يستغل المرحلة الأولى من الاتفاق في هذه المرحلة لخلق واقع، يمكن أن يكرّس الحالة المرحلية إلى حالة أبدية طويلة المدى، وهذا الأمر اعتمده دائماً، حيث كان الاحتلال يعتمد على تحويل أي محطات مرحلية أو قضايا مرحلية إلى دائمة، ومن ثم ينطلق من اعتبارها أوراق قوة يمكن من خلالها أن يساوم على كثير من القضايا.