الخدمة العسكرية في ألمانيا: نقاشات التجنيد الإلزامي والاختياري ونظام القرعة

26 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 04:09 (توقيت القدس)
إعلان للخدمة العسكرية على عربة قطار في برلين، 15 أكتوبر2025 (جون ماكدوغال/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشهد الائتلاف الحاكم في ألمانيا خلافًا حول مستقبل الخدمة العسكرية، حيث يفضل حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي التجنيد الإلزامي بينما يدعم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الخدمة الاختيارية. تتناول النقاشات كيفية معالجة نقص المتقدمين للتجنيد، مع اقتراحات تتراوح بين التجنيد الإجباري ونظام القرعة.

- في ظل التهديدات الأمنية المتزايدة، يسعى الجيش الألماني لتعزيز قدراته، مع التركيز على تدريب فرق نخبة. يُعتبر نظام القرعة غير عادل، بينما يفضل البعض الإبقاء على الخدمة الإلزامية الحالية.

- تتباين آراء الشباب الألماني حول الخدمة العسكرية، حيث يفضل البعض التجنيد الإجباري لاكتساب مهارات جديدة، بينما يفضل آخرون استثمار الوقت في تأمين مستقبلهم. من المتوقع مناقشة القضايا في البرلمان الألماني في نوفمبر.

عاد الخلاف فجأة، بين شريكي الائتلاف الحاكم في ألمانيا، حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، بخصوص التصميم المستقبلي للخدمة العسكرية في البلاد، بين إلزامية يُفضّلها الاتحاد المسيحي واختيارية يدعمها الاشتراكي الديمقراطي. وتدور النقاشات بشكل أساسي، حول الآليات التي ينبغي تطبيقها في حال عدم انخراط عدد كافٍ من المتقدمين للتسجيل للخدمة، وما إذا كان يتعين العمل لتجنيد جميع الشباب في المستقبل. لكن تتقدم في المقابل طروحات وحلول وسط، يرى تيارٌ آخر أنها مُمكنة في ظلّ سعي برلين إلى زيادة عديد قواتها واحتياط جنودها مع ما تعانيه أوروبا من حروب وتهديدات أمنية. يُذكر أن التجنيد الإجباري في ألمانيا عُلّق في يوليو/تموز عام 2011، وهو ما كان بمثابة إلغاء فعلي للخدمة العسكرية والمدنية الإلزامية.


يسود إجماع على أنه مهما حاولت السلطة تأطير القرعة، لن يكون التطبيق عادلاً

نظام القرعة من أجل الخدمة العسكرية

بغياب المفهوم المشترك، وإعلان المستشار فريدريش ميرز أن البوندسفير (الجيش الألماني) يهدف إلى بناء أقوى جيش تقليدي في الاتحاد الأوروبي، تطغى على المداولات كيفية معالجة مسألة نقص المتقدمين للتجنيد، بينهم من يمكن استدعاؤه للدفاع، وخصوصاً في حالات الطوارئ، وما إذا كان يتعين اعتماد نظام القرعة، وإذا لزم الأمر اختيارهم عشوائياً إذا ما كان عددهم منخفضاً جداً، وبذلك يواجه كلّ شاب الفرصة والمخاطر ذاتها. هذا الأمر لم يرفضه وزير الدفاع المنتمي إلى "الاشتراكي" بوريس بيستوريوس خلال القراءة الأولى "الحادة" في مقر البوندستاغ يوم الخميس 16 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، معرباً عن اعتقاده بأن "هذا الطرح مقبول"، ومعلناً انفتاحه أيضاً على طروحات أخرى. لكن هذه الفكرة لاقت تحفظات بين الخبراء والمختصين بخصوص آليتها ودستوريتها، وبأنها لا تتوافق مع القانون الأساسي.

وفي ردّ على الجزئية القانونية في هذه التباينات، أعربت أستاذة القانون العام في جامعة الجيش الألماني في ميونخ، كاترين غروه، في مقابلة مع مجموعة دويتشلاندفونك الإعلامية الأسبوع الماضي، عن شكوكها حول توافق نظام القرعة لتجنيد أفراد للخدمة العسكرية مع القانون الأساسي. وبرأيها، فإن الحكومة الألمانية في مأزق، موضحة أن الدستور في البلاد قائم على التجنيد الإجباري العام منذ حقبة الحرب الباردة، وأي نظام قرعة لن يكون عادلاً، لا بل هو أمر يكاد يكون مستحيلاً، ولا يمكن للرأي العام تقبّل نظام قرعة يحدّد من يحمل السلاح ويُرسل إلى الجبهة بالحظ، وفق تعبيرها.

هذه المقاربة تجلّت أيضاً في ردّ رئيس الجمهورية الاتحادية فرانك فالتر شتاينماير، وهو الذي يتعين عليه، من بين أمور أخرى، مراجعة مسألة توافق القانون (نظام القرعة) مع الدستور قبل توقيعه ليدخل حيّز التنفيذ. ويؤيد شتاينماير التجنيد الإجباري للجميع، رجالاً ونساءً. وقال في حديث مع شبكة "أس دبليو آر"، الأسبوع الماضي، إن على الشركاء في الائتلاف أن يُقيّموا بأنفسهم مدى جدوى طرح نظام القرعة، واصفاً الخلاف حول الخدمة العسكرية بأنه "خطأ تواصلي فاضح".

فكرة جنونية

وحول الكيفية التي سيضمن بها الجيش الألماني تجنيداً كافياً ليصبح جاهزاً للدفاع وسط موجة الحروب والتسلح التي تعيشها أوروبا، رأى الباحث في العلوم السياسية والاقتصادية توماس برغمان، في حديث مع "العربي الجديد"، أن العودة الفورية للتجنيد الإجباري قد لا تخدم السياسيين ولا الجيش حالياً، لأن البنية التحتية واللوجستية وفق المعنيين لا تزال غير جاهزة كلّياً، علماً أن تعليقها كان من الأخطاء الفادحة. وأوضح برغمان أن أعداداً ضخمة من المتطوعين بقدرات عادية، لم تعد تشكل أي قيمة مضافة في صراعات الحقبة الحديثة، بل تبرز أهمية معايير الكفاءة العالية لبناء جيش قوي قادر على الدفاع في ظلّ التطور التكنولوجي والتقنيات الحديثة، ناهيك عن أن الحرب الهجينة والعمل الاستخباري النوعي باستخدام الذكاء الاصطناعي، والفاعلية الكبيرة للمسيّرات في تحقيق الأهداف، أصبحت ركيزة في خطط الحرب.

تقارير دولية
التحديثات الحية

وبناء عليه، وفق الباحث، فإن العامل الحاسم بات يقتضي فرض تدريبات خاصة وتحضير فرق نخبة على أسلحة مجهزة بتقنيات ذكية وعتاد متطور، وبأن يخدموا لفترات طويلة بخبراتهم. واعتبر برغمان أن فكرة القرعة "جنونية" ومثل "يانصيب اللوتو"، وهناك الخشية من أن يؤدي اليمين المتطرف على هذا الوتر بنيّات مبيّتة، لأن الفكرة تُغيب الإنصاف، ما يسّهل استقطابه لجيل آخر محبط مع انتشار المظالم بين الأجيال وسط ما تعانيه البلاد من ركود اقتصادي.

في الإطار، يسود إجماع في أوساط أفراد بألمانيا، ألفوا حياة التجنيد الإجباري سابقاً، على أنه مهما حاولت السلطة التشريعية تأطير القرعة، لن تكون آلية التطبيق سليمة وعادلة، وذلك عملاً بالمبدأ المكرّس قانوناً بأن التجنيد وعبء الدفاع يتحمله الجميع. ومن وجهة نظر هؤلاء، الأفضل الإبقاء على الخدمة الإلزامية وفق القوانين الحالية، رغم أنّ الحلّ باعتماد القرعة أقل تكلفة من التجنيد الشامل، لكنّه يبقى الملاذ الأخير لمسألة الدفاع الوطني الشائكة.

حيرة وإرباك

ومع أن نقاش الخدمة العسكرية في ألمانيا يدور بالأساس حول القدرة الدفاعية في مواجهة التصاعد الهائل في التهديد لأوروبا نتيجة غزو روسيا لأوكرانيا، بيّنت التحليلات والردود المثارة أن النقاشات يجب أن تركز أيضاً على مدى تأثير هذه الطروحات للخدمة العسكرية على المجتمع، كون تأثيرات القانون ستكون داخل كل عائلة تقريباً في ألمانيا، وحيث يجب اتخاذ قرار مستدام. والأهم سماع صوت الشباب قبل التورط في نزاعات مع المجتمع بفعل العشوائية في الاختيارات.

وتماشياً مع ما تقدّم وقلق أولياء الأمور، استطلعت "العربي الجديد" آراء عدد من الشبان خلال تمرين لكرة السلة، وبعضهم يتحضر في نهاية هذا العام لخوض امتحانات الصفوف النهائية، فبدا أن المراهقين في حال من الحيرة في تفكيرهم، إذ قال نوربرت، إنه يريد خوض الخدمة العسكرية بدافع معرفة استخدام السلاح وخوض تجربة جديدة قد لا تتكرر في حياته المستقبلية، كما يرغب بخوض تجارب مشتركة مع أشخاص يتعلم معهم فهم الآخرين من خلفيات مختلفة، ولم يكن ليلتقي بهم لولا الخدمة العسكرية وقد تتكون لديه صداقات جديدة.


توماس برغمان: أعداد ضخمة من المتطوعين بقدرات عادية، لم تعد تشكل أي قيمة مضافة

تجدر الإشارة إلى أنه وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة ليزموهن في أغسطس/آب الماضي، ظهر أن 20% فقط من الشباب الألماني الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاماً يؤيدون التجنيد الإجباري، أما الفكرة الأكثر شيوعاً فهي سنة خدمة إلزامية، يمكن إكمالها بعد التدريب، في الجيش أو في الخدمات الاجتماعية.

في المقابل، يريد آخرون، مثل جوليان، استثمار الوقت لتأمين مستقبله، لافتاً إلى أن "الحياة أهم من أن أُجبر على إطلاق النار على آخرين أو أتعرض للمخاطرة بحياتي"، وكل ذلك بعيداً عن الواجب والالتزام والحماسة للخدمة العسكرية، ولا يُغريه "الانضباط ولا حتى الرياضة". فيما يرى أوليفر أن الأهم أن تكون الخدمة العسكرية أكثر جاذبية، وأبرزها الراتب، وعندها سيلتحق بها الكثيرون. وأشار آخرون إلى أنهم لم يفكّروا بها بجدية حتى الآن، ولا سيما أن القانون لم يُقر بعد، وما إن كان التجنيد سيكون إلزامياً لجميع الشباب أو اختيارياً معزّزاً بنظام القرعة، وربما السماح بخيار الخدمة في الوكالات الاتحادية للإغاثة أو الإطفاء.

وفي خضم الترقب القائم، هناك أمل بأن تفضي الجلسة المقررة في البرلمان خلال نوفمبر/تشرين الثاني المقبل إلى توضيح القضايا الخلافية في مشروع القانون، ولا سيما أن هناك مداولات إضافية في اللجان داخل البرلمان الاتحادي، وسيُستمع إلى آراء خبراء وقانونيين بغية الاتفاق على صياغة قانون مفصل للتجنيد. يبقى الهدف المعلن أن يدخل القانون حيّز التنفيذ أوائل العام 2026، بغية سدّ النقص في عديد الجيش الألماني، والتوقعات بأن ينمو هذا الجيش من 181 ألف جندي حالياً إلى 203 آلاف بحلول العام 2031.