الحوثيون وثورة من كوكب آخر

22 سبتمبر 2020
الصورة
أقنعت الجماعة أنصارها بأن اجتياح صنعاء ثورة (محمد حمود/Getty)
+ الخط -

كشفت الذكرى السادسة لاجتياح الحوثيين العاصمة اليمنية صنعاء، أن هذه الجماعة لم تبتلع الدولة وتسحق العملية السياسية فحسب، بل جرّت مئات آلاف اليمنيين إلى قاع سحيق في عصر الخرافات، بعيداً عن الحقائق الملحوظة والمتمثلة في إرسال أرقام هائلة أخرى من البشر إلى المقابر ومخيمات النزوح وأرصفة الشوارع واستيطان الكهوف مجدداً. يعتقد كثيرون أن الحركة الحوثية مشحونة بالعنف، وتمتلك آلاف المقاتلين المستعدين لخوض معارك حتى قيام الساعة، وهي كذلك بالفعل، لكن الغالبية لا يعرفون الوجه الآخر لها، ولا يسمعون عن المعركة الموازية التي تخوضها الجماعة لتعطيل العقول، إلى جانب المعركة الظاهرة لتعطيل الدولة.

أوقدت جماعة الحوثيين، ليل أول من أمس الأحد، شعلة الذكرى السادسة لما أسمتها بـ"ثورة 21 سبتمبر"، ومن خلال برقيات التهاني التي ازدحمت بها وسائل إعلامها، كان المنجز الأبرز لثورتها، هو الخرافة. تحترف الجماعة غرس الخرافة في أوساط أنصارها كما تحترف القتال. ومن هذه الزاوية، استطاعت طيلة السنوات الست المحافظة على مخزونها البشري من المقاتلين، ففيما يُقتل عشرات الآلاف من مجموعاتها، تعمل بشكل احترافي على تعويض مجموعات بديلة مؤمنة بخرافاتها ومستعدة لاستقبال الرصاص وهي تبتسم.

وكما باعت الوهم للقبائل اليمنية للدفاع عنها باعتبارها السلالة المختارة لتولي الحكم، أقنعت الجماعة أنصارها بأن الحدث الجلل الذي قادها إلى اجتياح صنعاء هو "ثورة" من كوكب آخر، لا تشبهها أي ثورة، وليس مجرد ارتكاسة أعادت اليمن إلى زمن غابر، تظهر فيه الحمير كوسيلة نقل، ويتفشى فيه شلل الأطفال كمرض عصري، بعد أن دحرته أكثر دول العالم، بما فيها اليمن، قبل عقود.

حرم الحوثيون مئات آلاف اليمنيين من مرتباتهم ومصادر دخلهم، وفي مقابل ذلك كانوا يصرفون لهم خرافات. خرافات شهرية، وربما نصف خرافة كل شهرين، ونجحت الجماعة بذلك في تأسيس عقيدة خاصة بها. قوة صلبة لا يمكن للأمم المتحدة ولو استقدمت أشهر المبعوثين، أن تنجح في أنسنة جماعة الحوثيين بعد الآن، أو إقناعها بوقف الحرب. كيف سينجح المجتمع الدولي في إقناع الحوثيين بشراكة الحكم وهي تعلن أن الله اصطفاها للولاية، وأن العناية الإلهية تحرز انتصاراتها؟ وكيف يمكن إقناع المقاتل الحوثي العادي بأنه يدافع عن خرافة، فيما وزير الإعلام في حكومته يعلن بكل ثقة من عدة منابر تبث من صنعاء "أن ثورة 21 سبتمبر جعلت اليمن رقماً صعباً في المعادلة العالمية"، وفوق ذلك "قلبت موازين الثورات في العالم". قال الوزير الحوثي، وهو متحدث باسم حكومة صنعاء، "إن ثورة 21 سبتمبر تختلف عن كل ثورات العالم"، وفوق ذلك أنها كانت "ضد رموز الطغيان على المستوى المحلي والإقليمي والدولي".

هي فعلاً فريدة عن كل ثورات العالم، لأنه ليست هناك ثورة حقيقية تهجّر نصف شعب، وتفرض على النصف الآخر زكاة الخُمس. لن يتعافى اليمن بسهولة مما فعله الحوثيون به. إعادة بناء الوعي يجب أن تسبق إعمار ما دمرته الحرب. هذه الجماعة لا تحتاج لتحالف عسكري عربي ولكن لتحالف خرافات، فلن يهزم الخرافة إلا خرافة.