الحوثيون... صراع أجنحة لم يبدأ بعد

الحوثيون... صراع أجنحة لم يبدأ بعد

27 يوليو 2021
باتت أسماء حوثية في قائمة الأثرياء خلال سنوات (محمد حمود/Getty)
+ الخط -

في مقدور جماعة الحوثيين، وأد أيّ صوت مرتفع داخل صنعاء في وقت قياسي، لكنها لم تعد قادرة على حجب الحقائق، بعدما فاح فساد قادتها وتساقطت أقنعتهم أمام الجميع، حلفاء ومناهضين. خلال الأيام الماضية، دخلت الجماعة في حالة استنفار عقب تغريدة واحدة فقط نشرها الشيخ سلطان السامعي، الموالي لها، واتهم فيها أحد "اللصوص الجدد"، بشراء فيلتين بستة ملايين و200 ألف دولار. تمّ إيفاد ممثل الجماعة في اتفاقيات السلم والشراكة، حسين العزّي، إلى منزل السامعي لاحتواء الموقف، وكانت أبرز مخرجات اللقاء، قيام الأخير بحذف تغريدة الاتهام، وإعلان تماسك الجبهة الداخلية. بالنسبة لسحب الاتهامات التي كشفت الوجه الحقيقي للجماعة، كان من الطبيعي أن ينحني الشيخ السامعي للعاصفة، حتى وإن كان حاول تصوير نفسه في اليوم السابق، بأنه "بحر الفرات" الذي لا يتأثر في حال خاضه أي مخلوق. لكن يكفي أن السامعي ألقى حجراً في بركة فساد معتمة، لا أحد يجرؤ على الغوص فيها منذ الانقلاب الحوثي على السلطة قبل سبع سنوات.  
لم يكن السامعي مجرد ناشط في مواقع التواصل الاجتماعي، أو صحافي ستتعامل معه الجماعة على أنه "طابور خامس"، بل هو عضو "مجلس سياسي أعلى"، لذلك أجبرهم على أن يدقوا باب منزله لتسوية الخلاف، في خطوة قد يدفع ثمنها لاحقاً، كونه أولاً رفع الصوت في وجه "اللصوص الجدد"، وثانياً لأنه يتحدر من محافظة تعز، وليس من صعدة معقل الجماعة الحوثية، كما الحال مع باقي الذئاب التي يتصارع معها.  
بغض النظر عن مآلاتها، حقّقت الحملة بعض الأهداف الهامة. انكشفت الشعارات الحوثية الزائفة بالتعفف عن مغريات السلطة والمال، وسقط قناع الجماعة التي تنهب مرتبات الموظفين منذ ست سنوات بُحجة عدم وجود موارد، فيما يتملك قادتها القصور الضخمة داخل صنعاء. كما انكشفت طريقة إدارة الحكم داخل جماعة الحوثيين.  
بعد سنوات من تطبيق نظام الحُكّام الأمنيين الذين يتخفون وراء كُنى وأسماء وهمية، شكّلت جماعة الحوثيين حكومة أطلقت عليها اسم "حكومة الإنقاذ الوطني"، ويترأسها الأكاديمي الجنوبي عبد العزيز بن حبتور، كما شكّلت مجلساً سياسياً أعلى، يتزعمه القيادي مهدي المشاط، وبتمثيل صوري لحزب المؤتمر الشعبي العام. ويقتصر دورا بن حبتور والمشاط على التمثيل الشكلي للجماعة في وسائل الإعلام واستقبال الوفود. لا صلاحيات لهما ولا نفوذ ولا كاريزما، وجميع هذه صادرها قياديان نافذان، هما أحمد حامد، مدير مكتب "الرئاسة" (رئاسة المجلس السياسي)، ومحمد علي الحوثي، عضو المجلس السياسي.  
يُصنّف حامد بأنه الرجل الأقوى في صنعاء، حيث يستحوذ على كافة المؤسسات السيادية، كما استحدث مؤسسات تدرّ مليارات الريالات، مثل الهيئة العامة للزكاة والهيئة العامة للأوقاف، فضلاً عن تحكمه بمواد الإغاثة. في موازاة نفوذ حامد، حاول محمد علي الحوثي استعادة مكانته المسلوبة بعد إلغاء ما يسمى باللجنة الثورية التي حكمت صنعاء بعد الانقلاب. استحدث كياناً أطلق عليه اسم "المنظومة العدلية"، ومن خلالها بدأ بسحب صلاحيات مؤسسات حامد، وبات في مقدوره أن يطاول أيّ فاسد محمي من الجناح الآخر.  
خلافاً للمناصب المتعددة، يستحوذ زعماء الأجنحة الحوثية على عقارات وممتلكات القيادات والتجار المناهضين للانقلاب الذين فرّوا من صنعاء، ويمتلكون شركات نفطية وعقارية ومؤسسات صرافة. ولذلك عندما انطلقت الحملة الأخيرة ضد "اللصوص الجدد"، بدأ الجميع يتحسس رأسه ظناً أنه المقصود. هاجم حامد من سماهم بـ"المنافقين"، وقال إنه يتعرض لإرهاب إعلامي، فيما طالب محمد الحوثي بعدم التعميم وتسمية الفاسدين، حتى لا يتم تشويه أحد من دون أدلة.

من المؤكد أن صراع الأجنحة الحقيقي بين قيادات الصف الأول الحوثية لم يبدأ بعد، وأن الجولات المقبلة ستكون أعنف. هناك طبقة من أمراء الحرب داخل الجماعة، كما الحال في الحكومة اليمنية، باتت في قائمة الأثرياء خلال سنوات معدودة، على حساب طبقة مسحوقة، لن تصمت طويلاً، وسيأتي دورها قريباً للمطالبة بحصتها من الغنائم.


 

المساهمون