الحوار الوطني في إثيوبيا... ملفات عالقة وغياب أبرز قيادات المعارضة

17 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
أبي أحمد في أديس أبابا، 17 فبراير 2026 (الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- انطلق الحوار الوطني في إثيوبيا بمشاركة واسعة من مختلف القوميات، بهدف معالجة الخلافات التاريخية، وسط غياب بعض قيادات المعارضة من إقليمي أمهرة وتيغراي، مما يشكل تحدياً لنجاح الحوار.

- أكد رئيس الوزراء أبي أحمد على أهمية الحوار في إعادة كتابة تاريخ البلاد وتعزيز ثقافة النقاش، داعياً لتجاوز المصالح الضيقة والعمل من أجل مصلحة البلاد، لتحقيق مخرجات تاريخية تخدم إثيوبيا.

- يناقش الحوار قضايا هيكل الدولة ونظام الحكم، والعلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية، مع التركيز على بناء المؤسسات وسيادة القانون وحقوق الإنسان لتحقيق سلام واستقرار طويل الأمد.

انطلق الحوار الوطني في إثيوبيا في مركز المؤتمرات في العاصمة أديس أبابا الأربعاء الماضي، بمشاركة نحو أربعة آلاف شخص ينتمون إلى مختلف القوميات والعرقيات، لحل الخلافات ومعالجة المظالم التاريخية بين القوميات، وسط غياب أبرز قيادات المعارضة، لا سيما من إقليمي أمهرة وتيغراي، وهو الأمر الذي يمثل تحدياً بارزاً في نجاح مخرجات الحوار مستقبلاً. يأتي هذا إلى جانب استمرار النزاعات والانقسامات الأمنية والإدارية التي تشهدها هذه الأقاليم، بعد فشل جولات من المباحثات مع الحكومة الإثيوبية، وإعلان جبهة تحرير تيغراي، في إبريل/نيسان الماضي، إلغاء اتفاق السلام (اتفاق بريتوريا عام 2022) الموقع مع الحكومة الفيدرالية.

وتأسست لجنة الحوار الوطني في إثيوبيا بقرار من مجلس نواب الشعب (البرلمان) في ديسمبر/كانون الأول 2021، وتشكلت رسمياً في فبراير/شباط 2022 من 11 مفوضاً، برئاسة أرايا، لقيادة عمليات تشاورية مستقلة عن الحكومة والأحزاب في أعقاب حرب تيغراي في العام 2020، والتي أدت إلى استقطابات عرقية وسياسية حادة.

وأكد رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، في افتتاح فعاليات مؤتمر الحوار الوطني في إثيوبيا، أن الحوار يُشكّل فرصة للبلاد لإعادة كتابة فصل جديد في تاريخها بيد أبنائها، داعياً إلى كسر حلقة الخلافات السياسية التي تبدأ بالخطابات التحريضية وتنتهي بالعنف، واستبدالها بثقافة الحوار والنقاش. وأوضح أن مؤتمر الحوار الوطني في إثيوبيا مبني على أجندة أعدت من القاعدة إلى القمة بمساهمة مئات الآلاف من المواطنين، ما يمنحه مكانة استثنائية في تاريخ إثيوبيا الحديث ويمنحه قدرة على تحويل التحديات إلى فرص وتعزيز ثقافة انتقال سلمي مستدام للسلطة، معتبراً أن القيم التي تُغرس اليوم ستنعكس إيجاباً على الأجيال القادمة.

ودعا أبي أحمد المشاركين في المؤتمر إلى تجاوز المصالح الضيقة والعمل من أجل مصلحة إثيوبيا ومستقبل أبنائها، مشدداً على أن الحوار والمصالحة هما الطريق الأنجع لحل الخلافات وحماية البلاد من تدخلات خارجية. كما دعا إلى السعي لتحقيق مخرجات تاريخية تخدم إثيوبيا وتكون نموذجاً في أفريقيا، وتساهم في تحقيق سلام حقيقي وطمأنينة لجميع المواطنين.

وفي السياق، قال رئيس لجنة مؤتمر الحوار الوطني في إثيوبيا البروفيسور مسفن أرايا، في مؤتمر صحافي قبل انطلاق المؤتمر في مركز أديس أبابا للمؤتمرات، إن الحوار الوطني جاء عقب مشاورات واسعة استمرت أربع سنوات، وشملت الأقاليم الإثيوبية الـ12 وإدارتي المدينتين الفيدراليتين، أديس أبابا ودير داوا، خلال السنوات الماضية. وأوضح أرايا أن الحوار الوطني في إثيوبيا يمثل فرصة تاريخية أمام الإثيوبيين لصياغة رؤية مشتركة لمستقبل البلاد، وترسيخ أسس السلام والاستقرار من خلال التوافق والانخراط السلمي في معالجة القضايا الخلافية.

ماذا يناقش الحوار الوطني في إثيوبيا؟

ووفق لجنة الحوار الوطني المستقلة، فإنه من المتوقع أن تمتد أعمال المؤتمر الوطني للحوار في إثيوبيا ما بين ثلاثة وأربعة أسابيع، لمعالجة ثماني قضايا رئيسية، أهمها، مستقبل هيكل الدولة ونظام الحكم وآليات التمثيل السياسي، بما في ذلك مستقبل الفيدرالية، وحدود الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، وآليات تقاسم السلطة، إضافة إلى مراجعة النظام الانتخابي بما يضمن تمثيلاً أكثر شمولاً لمختلف المكونات السياسية والاجتماعية.
كما يخصص المؤتمر جانباً من أعماله لمناقشة الوضع القانوني والإداري للمدينتين الفيدراليتين، أديس أبابا ودير داوا، وهما من أكثر الملفات حساسية نظراً إلى تقاطعاتهما السياسية والإثنية. كما تشمل المناقشات العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية، والبحث في سبل تعزيز التعايش بين أتباع الديانات المختلفة، في ظل تنامي الحاجة إلى تحصين السلم المجتمعي من التوترات ذات الطابع الديني.

ويمتد جدول الأعمال إلى ملفات بناء المؤسسات، وسيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، مع التركيز على استقلال المؤسسات العامة، وتعزيز منظومة العدالة، وترسيخ الضمانات القانونية للحقوق والحريات الأساسية. وفي الجانب الاقتصادي والاجتماعي، يناقش المشاركون في مؤتمر الحوار الوطني في إثيوبيا قضايا التنمية والعدالة الاجتماعية، والتحديات التي تواجه المزارعين والرعاة، في ظل الأزمات الاقتصادية والمناخية التي أثرت على قطاعات واسعة من السكان.

ولا تغيب قضايا الحوكمة عن جدول الأعمال، إذ يتوقع أن يناقش الحوار الوطني في إثيوبيا سبل مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والمساءلة، باعتبارها من المتطلبات الأساسية لاستعادة الثقة بمؤسسات الدولة. كما يحتل ملف بناء السلام والمصالحة الوطنية مساحة بارزة في المناقشات، مع التركيز على آليات معالجة النزاعات، ورأب الانقسامات المجتمعية، ووضع أسس لاستقرار طويل الأمد في بلد لا يزال يسعى إلى تجاوز آثار سنوات من الصراعات السياسية والمسلحة

الحوار الوطني في إثيوبيا... محطة مهمة


نور الدين عبده: الحوار استجابة لحاجة متزايدة لبناء توافق وطني حول القضايا المصيرية


وفي السياق، قال الباحث الإثيوبي نور الدين عبده، الكاتب في موقع "نيلوتيك بوست" (مستقل)، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن انطلاق الحوار الوطني في إثيوبيا يعد محطة مفصلية في مسار الدولة، في ظل إرث طويل من الانقسامات السياسية والهوياتية التي عمقتها عقود من نظام الفيدرالية الإثنية والاستقطاب السياسي. وأضاف: "يأتي الحوار استجابة لحاجة متزايدة إلى بناء توافق وطني حول القضايا المصيرية، بما يسهم في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومكوناتها المختلفة على أسس المواطنة والشراكة السياسية. وتعكس الدعوات إلى الحوار رغبة واسعة لدى قطاعات من المجتمع الإثيوبي في تجاوز حالة الانقسام التي غذتها الخلافات ذات الأبعاد الإثنية والأيديولوجية، والتي ألقت بظلالها على الاستقرار السياسي والأمني في البلاد". وتابع: من هذا المنطلق، فإن نجاح الحوار الوطني في إثيوبيا في التوصل إلى رؤية مشتركة لبناء دولة المواطنة لا يعد خياراً سياسياً فحسب، بل يمثل ضرورة وجودية لضمان وحدة الدولة واستقرارها، بعيداً عن المناورات الحزبية والحسابات الضيقة.

وحول رفض قيادات جبهة تحرير تيغراي وجبهة "فانو" الأمهرية، قال نور الدين عبده: "خلافاً لما يُتداول أحياناً، لا يمكن القول إن هناك قوميات أو إثنيات بعينها تقاطع الحوار الوطني. فمختلف المكونات الإثيوبية ممثلة بدرجات متفاوتة في العملية الحوارية، بينما يتركز الرفض في مواقف بعض الأحزاب السياسية والحركات المسلحة المعارضة، التي تنطلق من اعتبارات سياسية أكثر منها قومية".

ووفق عبده، تبرز في هذا السياق جبهة تحرير شعب تيغراي بوصفها إحدى أبرز القوى المتحفظة على مسار الحوار، إذ ترى أن مخرجاته قد تقود إلى إعادة النظر في النظام السياسي القائم على الفيدرالية الإثنية، وهو النظام الذي تعتبره الجبهة جزءاً من التوازنات السياسية في البلاد، بينما يرى منتقدوه أنه أسهم في تعميق الانقسامات وأضعف فرص بناء توافق وطني شامل.

هل يقود الحوار الوطني في إثيوبيا إلى سلام أكيد؟


عبد الصمد عبد الشكور: عملية الحوار الوطني تستهدف إعادة تأسيس العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع


بدوره، قال الكاتب والمحلل الإثيوبي عبد الصمد عبد الشكور، لـ"العربي الجديد"، إن عملية الحوار الوطني في إثيوبيا تتجاوز كونها مبادرة سياسية عابرة، إذ تستهدف في جوهرها إعادة تأسيس العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، ووضع إطار توافقي ينظم طبيعة العلاقة بين السلطة والمواطنين، ويحدد ملامح الدولة الإثيوبية ومستقبل هويتها الوطنية. وأضاف: يُنتظر أن يناقش المشاركون في الحوار قضايا تمس البنية السياسية للدولة، من بينها مفهوم الهوية الوطنية، وصياغة سردية جامعة تتجاوز الانقسامات الإثنية، إلى جانب مستقبل نظام الحكم، وآليات توزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، بما يرسخ أسس التعايش والاستقرار السياسي.

وبحسب عبد الصمد، فإن إطلاق هذا الحوار لم يكن خطوة آنية، بل جاء ثمرة عملية إعداد امتدت نحو أربع سنوات، شملت دراسات أكاديمية، ومشاورات مجتمعية، وترتيبات مؤسسية وإدارية قادتها اللجنة الوطنية للحوار، بهدف تهيئة الأرضية اللازمة لحوار واسع يضم مختلف مكونات المجتمع الإثيوبي. ويأمل القائمون على المبادرة أن تفضي هذه العملية إلى توافق وطني يعالج جذور الأزمات المتراكمة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من بناء الدولة على أسس أكثر شمولاً واستدامة.

وعن فرص نجاح الحوار الوطني في تحقيق السلام والاستقرار في إثيوبيا، توقع عبد الصمد أن يفضي إلى توافق وطني واسع يعالج جذور الأزمات التي واجهتها البلاد على مدى عقود، إذ يعوّل كثيرون على أن يشكل الحوار نقطة تحول تتيح للبلاد تجاوز تحدياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، إلى جانب معالجة القضايا المرتبطة بالهوية الوطنية التي كانت أحد أبرز أسباب الانقسامات والصراعات.

ورأى مراقبون أن نجاح الحوار الوطني في إثيوبيا لن يقتصر على إنهاء الخلافات السياسية، بل سيمهد أيضاً لبناء دولة أكثر استقراراً وتماسكاً، قادرة على توظيف تنوعها القومي والديني في إطار مشروع وطني جامع، ما يعزز مكانة إثيوبيا دولةً مستقرةً وفاعلةً في محيطها الإقليمي، وقادرة على الإسهام بصورة إيجابية في دعم الأمن والتعاون في منطقة القرن الأفريقي.