"الحوار المهيكل" في ليبيا: هل ينجح في كسر دائرة الاحتكار السياسي؟
استمع إلى الملخص
- واجهت المبادرة انتقادات من الحكومة المكلفة من مجلس النواب لتجاوزها مراحل خريطة الطريق، بينما يعتبرها بعض المحللين خطوة لإعادة بناء العملية السياسية وإدماج الفئات المهمشة.
- رغم التفاؤل، تثار شكوك حول فعالية الحوار بسبب التحديات السياسية والأمنية، وعدم وضوح آليات الترشح ومعايير اختيار المشاركين.
أعلنت البعثة الأممية في ليبيا، الجمعة، عن إطلاق مسار "الحوار المهيكل" وبدء تلقي الترشيحات لعضوية نحو 120 شخصية ليبية من مختلف الفئات الاجتماعية والمدنية، استعداداً لإطلاقه رسمياً خلال شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، باعتباره أحد المكونات الأساسية في خريطة الطريق السياسية؛ التي عرضتها رئيسة البعثة هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في 21 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. وقالت البعثة، في بيانها مساء الجمعة، إنّ الحوار يهدف إلى "تقديم توصيات وسياسات عملية تهدف إلى تهيئة بيئة مناسبة لإجراء الانتخابات، وصياغة رؤية وطنية مشتركة، ومعالجة دوافع الصراع طويلة الأمد".
وأضافت أن الحوار سيتناول "القضايا العالقة من المسارات السياسية السابقة التي لم تُنفذ بعد وما زالت موضع خلاف، بما يسهم في تيسير انتقال سياسي سلمي بعد الانتخابات"، كما سيناقش "آلية لتعزيز تنفيذ مخرجاته ورفع التوصيات السياسية إلى المؤسسات الحكومية ذات الصلة".
وأشارت البعثة إلى أن معايير الترشح تشمل "امتلاك الخبرة أو التجربة العملية في واحد على الأقل من المجالات الأربعة: الحوكمة، الاقتصاد، الأمن، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان"، وأن اختيار المشاركين سيكون من قبل البعثة بما يضمن تنوع المجتمع الليبي، وأوضحت أن الحوار يشكل أحد الأركان الثلاثة لخريطة الطريق الأممية، إلى جانب اعتماد إطار انتخابي فني قابل للتطبيق سياسياً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وتوحيد المؤسسات عبر تشكيل حكومة جديدة موحدة.
وفي أوّل ردّات الفعل، أصدرت الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد بياناً حاداً، اعتبرت فيه أنّ البعثة "تجاوزت المرحلتَين الأولى والثانية من خريطة الطريق ودخلت مباشرة في المرحلة الثالثة المتعلقة بالحوار المهيكل"، دون توضيح مصير الخطوات السابقة الخاصة بـ"إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة الخلافات حول القوانين الانتخابية".
وقال حماد إنّ ذلك "أدى إلى ضياع التفاؤل بنجاح الخريطة ووأدها قبل أن تبدأ أولى خطواتها"، منتقداً "قيام البعثة بمخاطبة الجامعات والبلديات مباشرة دون تنسيق مع وزارة الخارجية"، معتبراً ذلك "تعدياً على السيادة الوطنية ومخالفة لأحكام" الاتفاقيات الدولية بشأن العلاقات الدبلوماسية. وأضاف أن "ملف المصالحة الوطنية شأن داخلي بحت لا يجوز أن يخضع لأي وصاية أو تدخل خارجي"، مؤكداً أن "ولاية البعثة محددة بقرارات مجلس الأمن ولا تتجاوز الدعم الفني والاستشاري".
وتراهن البعثة على "الحوار المهيكل" كـ"نهج آخر"، على حدّ وصف تيتيه في إحاطتها أمام مجلس الأمن في 14 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لإكساب العملية السياسية زخماً مجتمعياً يمكن أن يشكل ضغطاً على مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة المتعثرين حتّى الآن في إنجاز المرحلة الأولى من الخريطة، والمتمثلة في إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات وتعديل الإطار القانوني الانتخابي.
تراهن البعثة على "الحوار المهيكل" كـ"نهج آخر" لإكساب العملية السياسية زخماً مجتمعياً
وكان المجلسان قد اتفقا في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول على الشروع في تعيين شاغلي المناصب السيادية، التي تقع مفوضية الانتخابات ضمنها، في غضون عشرة أيام، مع إعطاء الأولوية لمجلس المفوضية، إلّا أنهما لم يحرزا تقدماً حتّى الآن، وهو ما وصفته تيتيه، خلال ذات الإحاطة الأخيرة، بأن "التوافق حول هاتين المسألتين محفوف بالتحديات"، معتبرة أن تعاطي الأطراف الليبية مع أي مبادرة للحل بالتباطؤ "بات نمطاً معتاداً في ليبيا منذ فترة طويلة".
وفي سياق المماطلة ذاتها، جاءت دعوة اللواء المتقاعد خليفة حفتر للقبائل الليبية، خلال لقائه بهم الأسبوع قبل الماضي، إلى "صياغة خريطة طريق ليبية خالصة ترتكز على الشرعية المحلية"، ورفض ما وصفه بـ"الخريطة التي نُسجت خيوطها وراء الحدود"، في إشارة واضحة إلى خريطة الطريق الأممية.
وبينما تلتزم حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي في طرابلس الصمت حيال تحركات البعثة لتنفيذ الخطة، لم يصدر حتى الآن أي موقف من جانب الأحزاب السياسية والهيئات المجتمعية حيال إعلان البعثة فتح باب الترشح للحوار المهيكل.
وفي قراءته لإعلان البعثة، يرى الباحث في الشأن السياسي أبو بكر معيوش أن إطلاق "الحوار المهيكل" يمثل خطوة "جادّة لإعادة بناء العملية السياسية على أسس أوسع من تجاذب الفرقاء"، إذ إنّ "توسيع قاعدة المشاركة بإعادة الاعتبار للفئات المهمشة في صناعة القرار أمر إيجابي، بعدما ظلت العملية السياسية حكراً على قلّة تمارس التفاوض باسم الجميع".
الاستفادة من دروس الماضي
ويضيف معيوش في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ "جدية خطوة البعثة تتجلى في تحديد زمن للحوار يتراوح بين 4 إلى 6 أشهر مساراً موازياً لإعادة تشكيل المفوضية وتعديل القوانين الانتخابية، تمهيداً لتشكيل حكومة موحدة جديدة، ما يعني أن البعثة تهدف الى إدماج الحوار المهيكل في المرحلة الثانية من الخريطة، ما يمنح الحوار قدراً من الترابط المؤسسي ويتيح إنتاج توصيات سياسية يمكن تحويلها إلى خطوات تنفيذية ضمن مشاورات تشكيل الحكومة الموحدة".
ويشير معيوش إلى أن "سمات التنظيم التي ظهرت في خريطة الطريق تعني أن البعثة استفادت من دروس الماضي، من حوار الصخيرات (عام 2015) وحوار المنتدى السياسي (عام 2021)؛ ففيهما غاب التوافق على القاعدة الدستورية وشروط الترشح للانتخابات فتعثر تنفيذهما، لهذا نرى اليوم محاولة لدمج ما غاب عن الحوارات السابقة ضمن الخطة الحالية"، معتبراً أن "الحوار المهيكل خطوة مهمة لتحصين المسار من الابتزاز السياسي المحلي، ولتوفير غطاء أممي للقرارات التنفيذية إذا جرى ربطها بجدول زمني واضح".
جلسات تشاورية؟
في المقابل، يتبنى الناشط الحزبي أرحومة الطبال رأياً مغايراً، إذ يرى أن الحوار المهيكل "لا يختلف جوهرياً عن سابقاته إلّا في الاسم"، لأن "أي مسار يتجاوز مراكز القوة المتجذرة على الأرض سيتحول إلى جلسات تشاورية بلا قدرة على التنفيذ" وفقاً لرأيه.
ويتساءل الطبال في حديثه لـ"العربي الجديد": "كيف يمكن للفئات المجتمعية والمدنية فرض توصياتها في الشأنين الأمني والاقتصادي اللذين يمسك بتفاصيلهما أطراف الصراع المسلح؟"، معتبراً أن البعثة "لم تتجاوز نمطها التقليدي في إدارة العملية السياسية المتسم بالضبابية، إذ لم تكشف كيف صاغت خريطة الطريق الحالية من بين الخيارات الأربعة التي طرحتها اللجنة الاستشارية، ولم توضح معايير اختيار أعضائها، تماماً كما حدث في ملتقى الحوار السياسي عندما اختارت 75 شخصية دون معايير واضحة".
ويضيف الناشط الليبي أن "البعثة لم توضح آليات الترشح للحوار المهيكل، ولا سبب تحديد عدد أعضائه بـ120، ولا كيف ستختار هي هؤلاء الأعضاء من بين المئات من المترشحين"، معتبراً أن هذا "النهج يعكس استمرار الضبابية ذاتها التي شابت إدارة الحوارات السابقة".
وحول عدم التجاوب الليبي حيال إعلان البعثة، يؤكد الطبال أن أغلب المؤسسات والهيئات المجتمعية والمدنية ستدفع بمرشحيها "فقط لإثبات الوجود والانخراط في المشهد. أما بالنسبة الأطراف الأساسية، فالحكومة في طرابلس تعتبر مجلس الدولة واجهتها لتوضيح موقفها، ومجلس النواب وحفتر يمثل بيان حماد رأيهما الواضح، وربما يصلح بيان حماد مؤشراً على تجاوز البعثة للواقع، فكيف لها أن تتجاوز حفتر المسيطر على أغلب أجزاء البلاد شرقاً وجنوباً، وهو نفسه الذي دعا القبائل قبل أسابيع إلى صياغة خريطة طريق من الداخل ورفض أي مبادرة خارجية؟"
ويعتبر الطبال أن فشل البعثة المستمر في خططها سببه "عجز المجتمع الدولي عن فرض التزامات على الأطراف التي رسخت أقدامها في أرضية الصراع والاقتصاد السياسي للأزمة، وهو ما سيجعل الحوار المهيكل مجرد حلقة جديدة من التوصيات غير الملزمة التي تعيد إنتاج الجمود السياسي ذاته".