الحكومة اللبنانية تقرّر حصر السلاح في محافظة بيروت ودق باب مجلس الأمن
- التصعيد الإسرائيلي جاء بعد رفض شمول لبنان باتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، وتسعى الحكومة اللبنانية لإدراج لبنان في الاتفاق.
- قرار حصر السلاح أثار جدلاً داخلياً، حيث اعترض وزراء حزب الله وحركة أمل، وشهدت بيروت احتجاجات مؤيدة لحزب الله، مع التركيز على مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.
قرّر مجلس الوزراء اللبناني اليوم الخميس حصر السلاح بيد الدولة في محافظة بيروت والتقدّم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن، وذلك غداة غارات إسرائيلية عنيفة استهدفت أمس الأربعاء مناطق عدّة في العاصمة اللبنانية، تزامنت بتوقيت واحدٍ مع ضربات مكثفة طاولت الضاحية الجنوبية، والبقاع، وبعلبك الهرمل، والجنوب، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 200 شخص وسقوط ما يزيد على ألف جريح.
وجاء تصعيد إسرائيل اعتداءاتها بعد رفضها شمول لبنان باتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه بين إيران والولايات المتحدة الأميركية بوساطة باكستانية، وذلك في وقتٍ أكد فيه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، اليوم الخميس، أن "مواصلة ضرب حزب الله في كل مكان مطلوبة حتى نعيد الأمن الكامل إلى سكان الشمال".
وفي جلسة عقدها مجلس الوزراء صباحاً في قصر بعبدا الجمهوري، برئاسة الرئيس اللبناني جوزاف عون، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام، اتخاذ قرارين: أولهما التقدّم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن بخصوص تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وتوسّعها أمس، ولا سيما في العاصمة بيروت، ما أدى إلى وقوع عددٍ كبير من الضحايا المدنيين. أما ثانيهما فهو "الطلب إلى الجيش والقوى الأمنية، المباشرة فوراً بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت، وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها، والتشدّد في تطبيق القوانين، واتخاذ التدابير كافة المطلوبة بحق المخالفين، واحالتهم على القضاء المختص"، بحسب قول سلام.
وأضاف سلام أنّ "التصعيد الخطير يأتي بمواجهة كل المساعي الدولية والإقليمية لوقف الحرب في المنطقة، ويضرب عرض الحائط بمبادئ القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، بل يتمادى في خرقها". وفي مستهلّ الجلسة، قال عون: "لقد تعبنا من عبارات الاستنكار، كلنا كنّا نتطلع إلى أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان، لكنكم سمعتم للأسف التصريحات الصادرة بهذا الخصوص".
وأضاف: "الاتصالات التي نقوم بها، سلام وأنا، مع عدد من أصدقاء لبنان في العالم، نطالب فيها بإعطاء فرصة كما أعطيت للولايات المتحدة وإيران لوقف إطلاق النار والذهاب إلى المفاوضات، والضغط في اتجاه أن يكون لبنان جزءاً من اتفاق وقف إطلاق النار، لكي ننطلق في المفاوضات"، مشيراً إلى أن "النقطة الأساسية الثانية، هي أننا دولة لها كيانها وموجودة، والدولة هي التي تفاوض، ولا نقبل بأن يفاوض أي أحد سوانا، فنحن لنا القدرة والإمكانات للتفاوض، وتالياً، لا نريد أن يفاوض أي أحد عنّا، هذا أمر لا نقبل به".
خلفيات قرار حصر السلاح
وقال وزير الإعلام بول مرقص في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين، بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء إن "موقف الدولة واضح وفق ما عبّر عنه عون، وإصراره على وقف إطلاق النار في لبنان نتيجة العدوان وإن تمسك الدولة بزمام مبادرة التفاوض لأنها دولة قائمة وموجودة وقادرة، ولديها الإمكانات لتفاوض، وهناك إصرار وموقف حكومي على وقف إطلاق النار". وأضاف: "الاتفاق بما يشمله بعد المفاوضات لا يعني لبنان مباشرة، بل إن لبنان معني بالتفاوض في ما يخص قضاياه الذاتية، أما مسألة وقف إطلاق النار، كما حصل في المنطقة ككل، فيجب أن يحصل في لبنان أيضاً".
وحول قرار حصر السلاح في بيروت، والاتهامات بأنه بمثابة "تبرير للمجازر" التي ارتكبها العدو أمس، قال مرقص: "الاتصالات الدولية لا تزال متواصلة لناحية وقف إطلاق النار والتفاوض من قبل لبنان كدولة، وقد أجرى عون وتلقى أيضاً خلال الجلسة، اتصالات دولية في هذا الإطار مما اضطره إلى الانسحاب لبعض الوقت من الجلسة. وهو كان شرح أمس أنه كان على مدى ساعات يجري الاتصالات الدولية لهذا الغرض".
وأضاف: "أما بالنسبة إلى القرار حول بيروت فهو واضح كما صدر، وبالتالي هناك وجود للدولة والمطلوب تعزيزه بالقوى الأمنية وحصر السلاح واحتكار الدولة للسلاح في بيروت، وهو جزء لا يتجزأ من كل القرارات الحكومية والنقاشات التي خضناها اليوم، ولم يقتصر الحديث حول هذا الأمر فقط، على الرغم من أهميته، بل تم طرح قضايا العدوان ونتائجه وتداعياته والاتصالات الدولية وغيرها من الأمور المرتبطة". وعما إذا كان رئيس الحكومة قد أبلغهم أنه بصدد التوجه إلى الولايات المتحدة، قال مرقص: "نعم، هو بصدد إجراء زيارات خارجية سيصار إلى التنسيق بشأنها خلال الأيام المقبلة، بالتوازي مع الاتصالات التي يقوم بها كل من عون وسلام".
في السياق، أعلن مكتب رئاسة الوزراء أن سلام اتصل برئيس مجلس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وأشاد بالجهود التي قام بها والتي أدّت إلى وقف إطلاق النار. وطلب منه التأكيد أن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان منعاً لتكرار الاعتداءات الإسرائيلية التي شهدناها أمس. من جهته، دان رئيس وزراء باكستان الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، وأكد أن بلاده تعمل لتأمين السلام والاستقرار فيه. وقال مكتب رئيس الوزراء الباكستاني إن شريف قال لسلام: "باكستان تشارك في جهود مخلصة للسلام في المنطقة وبهذه الروح ستعقد محادثات سلام بين إيران والولايات المتحدة".
حزب الله يعترض
وبحسب معلومات "العربي الجديد"، فإن طرح سلام حصر السلاح بيد الدولة في بيروت تسبّب بسجال داخل الجلسة، بحيث اعترض عليه وزراء الثنائي، حزب الله وحركة أمل، مشددين على أن "الأولوية اليوم يجب أن تكون لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، وانسحاب إسرائيل من النقاط التي تحتلها وإطلاق سراح الأسرى". وقالت مصادر وزارية في حزب الله لـ"العربي الجديد"، إن "القرار المتخذ اليوم كما غيره من القرارات، هو خطيئة ولا نقبل به، ويخدم العدو، وبدل أن تصبّ الحكومة ورئيسها جهدها بمواجهة حزب الله وطعن المقاومة في ظهرها، عليها أن تفكر كيف تواجه العدو الإسرائيلي الذي ارتكب سلسلة مجازر أمس في لبنان ويواصل يومياً ارتكابها كما فعل طوال فترة 15 شهراً".
وشهد محيط السرايا الحكومية في بيروت، بعد ظهر اليوم، تحركاً لعددٍ من المواطنين، الذين حملوا أعلام إيران وحزب الله، وهتفوا ضدّ رئيس الوزراء، معبّرين عن اعتراضهم على سياسته وطريقة إدارته المرحلة، ورفضهم القرارات التي يتخذها والتي "تتماهى" وفق رأيهم مع الموقف الإسرائيلي، مؤكدين ضرورة أن تنصب جهود الحكومة على مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية التي تطاول لبنان وتستهدف المدنيين، وتكون أولوية أساسية في هذه الظروف.
وعبّر ناشطون مناصرون لحزب الله عن رفضهم القرارات التي تتخذها الحكومة، سواء المرتبطة بحصر السلاح بيد الدولة، أو حظر أنشطة الحزب الأمنية والعسكرية، أو تلك المتصلة بإيران، والقرار المتخذ اليوم بحصر السلاح في محافظة بيروت، وغيرها من القرارات، متوعّدين بإسقاطها في الشارع، علماً أنّ حزب الله ممثل بالحكومة من خلال وزيرين، هما العمل والصحة، وهو يرفض حتى الساعة الانسحاب منها، أو تالياً استقالة وزيريه، وهو ما تؤكده مصادره الوزارية لـ"العربي الجديد"، بقولها: "لا اتجاه حالياً للاستقالة من الحكومة، رغم اعتراضنا على قراراتها التي نعتبرها خطيئة وتخدم مصالح العدو".
وفي 5 أغسطس/ آب 2025، كلّف مجلس الوزراء اللبناني الجيش بوضع خطة تطبيقية لحصر السلاح، وباشر على أساس ذلك مهامه، مركزاً في مرحلة أولى على جنوب نهر الليطاني، وأعلن في مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي، تحقيق أهدافه فيه، ومضى في إعداد تصوّره وخطته للمرحلة الثانية التي كانت تشمل شمال نهر الليطاني، والتي قوبلت برفض حزب الله التعاون فيها، في ظلّ استمرار اعتداءات إسرائيل اليومية، وخروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار منذ اليوم الأول على دخوله حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024.
وتؤكد مصادر حزب الله الوزارية لـ"العربي الجديد"، أنّ "حزب الله لم يرفض تسليم سلاحه، وهو تعاون في المرحلة الأولى مع الجيش اللبناني، ولكنه يتمسّك بأولوية وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من المناطق المحتلة، وإطلاق سراح الأسرى لديها، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، وبعدها يناقش بالسلاح بالداخل اللبناني، فهذا الملف لا شأن لإسرائيل به وهو ملف داخلي، وهذا موقفنا سيبقى نفسه بالنسبة إلى قرارات الدولة بهذا الاتجاه".
وتساءلت المصادر ذاتها: "كيف يمكن أن ننزع قوة المقاومة وسلاحها، في وقت يتعرّض فيه لبنان للعدوان؟"، مضيفة: "رأينا ماذا فعلت الدبلوماسية خلال 15 شهراً، ورأينا ما حصل أمس، كيف خرقت إسرائيل أيضاً اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان يشمل لبنان، بينما أوقف حزب الله عملياته، قبل أن يستأنفها اليوم، في ظلّ استمرار إسرائيل بعدوانها".