استمع إلى الملخص
- تمتلك الحكومة السورية بنك معلومات متطور عن أنشطة "داعش"، وساعدت الاعتقالات الأخيرة في تحديث هذه المعلومات، مع تعزيز التعاون مع التحالف الدولي من خلال التدريب والتسليح والتعاون الاستخباراتي.
- رغم الضربات العسكرية، لا يزال "داعش" نشطًا في البادية الصحراوية، مركزًا على الحفاظ على نواة صلبة وخوض حرب استنزاف طويلة الأمد، مما يشكل تحديًا مستمرًا للحكومة السورية وقوات التحالف.
بينما تتوالى إعلانات وزارة الداخلية السورية عن اعتقال قادة في تنظيم داعش وضبط خلايا وأسلحة، كثّفت خلايا يُعتقد أنها تابعة للتنظيم عملياتها في الآونة الأخيرة في سورية، ما يدل على أن "داعش" لا يزال يمتلك القدرة على شن هجمات نوعية على أكثر من اتجاه، في ظل أوضاع أمنية لا تزال هشة في البلاد. وفي الأيام الأخيرة، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن سلسلة عمليات استهدفت خلايا وشخصيات قيادية مرتبطة بالتنظيم في عدد من المحافظات السورية، كان أبرزها اعتقال متزعّم خلية في "داعش" في بلدة حتيتة التركمان، قرب بلدة المليحة بريف دمشق، إضافة إلى ضبط كميات من الأسلحة والذخائر، ووثائق ومستندات تثبت تورطه المباشر في أنشطة إرهابية، من دون تحديد هوية الشخص المعتقل.
وجاء ذلك بعد يوم من إعلان وزارة الداخلية، إلقاء القبض على "والي دمشق" المدعو طه الزعبي، الملقب "أبو عمر طبية"، وعدداً من مساعديه وضبط حزام ناسف وسلاح حربي بحوزته، وذلك في منطقة المعضمية بريف دمشق. كما أعلنت الداخلية السورية، الخميس الماضي، "تحييد" المدعو محمد شحادة، المعروف بلقب "أبو عمر شدّاد" (والي حوران) وهو أحد أبرز قادة "داعش" في سورية، وذلك في عملية نفذت بدعم من قوات التحالف الدولي، في بلدة البويضة بريف دمشق.
إنهاء ملف "واليين" من "داعش"
وقال وزير الداخلية السوري أنس خطاب، في تغريدة له على "إكس" الخميس الماضي، إن "إنهاء ملف اثنين من الولاة من قادة تنظيم داعش في أقل من 24 ساعة، يمثل حلقة جديدة من حلقات المكافحة المستمرة لهذا التنظيم الإرهابي"، مشيراً إلى أن ذلك جاء عبر "تكتيك محكم وتنسيق عالٍ بين وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات العامة، وبالتعاون مع الشركاء الدوليين". وفي 12 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، انضمت سورية إلى التحالف الدولي ضد "داعش"، الذي تشكل بقيادة الولايات المتحدة عام 2014، وفق بيان السفارة الأميركية في دمشق.
من جانبه، كشف قائد الأمن الداخلي في محافظة حلب، العقيد محمد عبد الغني، في بيان أوردته وزارة الداخلية، عن تنفيذ "عملية نوعية في محافظة حلب استهدفت وكراً لخلية إرهابية تابعة لتنظيم داعش، أسفرت عن تفكيكها وإلقاء القبض على ثلاثة من أفرادها، وضبط أسلحة وذخائر ومواد". وكثّفت قوات الأمن السورية من عملياتها الأمنية ضد التنظيم، بالتعاون مع قوات التحالف الدولي، تزامناً مع زيادة هجمات "داعش" في سورية، التي كان أبرزها هجوم تدمر في 13 الشهر الحالي، والذي أدى إلى مقتل جنود أميركيين، فضلاً عن هجوم آخر في إدلب، شمال غربي سورية، أدى إلى مقتل أربعة من عناصر الأمن السوري.
الحكومة تملك بنك معلومات
رشيد حوراني: لدى الحكومة السورية بنك معلومات جيد عن عناصر وأنشطة تنظيم داعش
وقال الباحث في مركز جسور للدراسات رشيد حوراني، إن هذا يشير إلى أن لدى الحكومة السورية بنك معلومات جيد عن عناصر وأنشطة "داعش" وقد طوّرت هذا البنك خلال الفترات الأخيرة. ولفت حوراني، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن الأجهزة الأمنية السورية اعتقلت أخيراً بعض الأشخاص ممن كان يستخدمهم النظام السابق في الجنوب السوري كعناصر ربط بينه وبين "داعش" مثل محمد المسالمة (الهفو) ومؤيد حرفوش (أبو طعجة) وعماد أبو زريق، وهؤلاء لا شك كانوا مصدر معلومات قيم أتاح لأجهزة الأمن تحديث المعطيات الموجودة لديها. ورأى أن التحالف الدولي ماضٍ في التعاون مع الحكومة السورية بعد استهداف جنوده في تدمر، وهذه العمليات التي تقوم بها الحكومة السورية دافع إضافي للتحالف الدولي لزيادة وتيرة التعاون مع الحكومة السورية، من ناحية التدريب والتسليح والتعاون الاستخباراتي.
من جهته، رأى الناشط أحمد الفايض أن هذه الأنشطة لا تنفصل عن عمليات القصف الجوي التي قامت بها طائرات أردنية في ريف السويداء جنوبي سورية، حيث من المعتقد أن هناك تشابكاً في أنشطة "داعش" وتجار المخدرات. ولفت، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن هذا التشابك اتضح منذ نحو شهرين، حين اكتُشفت سيارة مفخخة عبرت معبر نصيب الحدودي مع الأردن وكُشفت من جانب قوات الأمن الأردنية بعدما سهّل دخولها عناصر من "داعش" وأشخاص متورطون بتجارة المخدرات، وتبع ذلك اعتقال عماد أبو زريق في 19 الشهر الحالي (شكّل في عهد النظام السابق مجموعات محلية عملت لصالح جهاز الأمن العسكري وسط اتهامات بتورطه في أنشطة أمنية وإجرامية)، وجديع السبتي مسؤول التسليح في "داعش" في شرق السويداء، ليتم لاحقاً اعتقال ستة أشخاص كانوا يعملون ضمن مجموعة أبو زريق في بلدة نصيب بريف درعا الشرقي بعد استدعائهم إلى دمشق. وأُدرج اسم أبو زريق على قائمة العقوبات الأميركية عام 2024، بتهمة إدارة مجموعة متورطة في تهريب المخدرات عبر الجنوب السوري. وأضاف الفايض أنه جرى في هذا السياق اعتقال اثنين من أبرز المرتبطين مع تنظيم داعش، وهما محمد مسالمة الملقب بـ"هفو" ومؤيد حرفوش الملقب بـ"أبو طعجة"، بتهم تتعلق بالانخراط في أنشطة مرتبطة بخلايا متطرفة وتنفيذ أعمال إجرامية.
ووفق معطيات متقاطعة، شن التنظيم منذ منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي أكثر من 20 عملية في مناطق متفرقة من سورية، تنوعت بين هجمات مسلحة واغتيالات وتفجيرات، أسفرت عن مقتل وإصابة نحو 30 شخصاً، بينهم عناصر من الجيش السوري و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) وجنود أميركيون. من جهتها، شنت القوات الأميركية ضربات ضد التنظيم في 20 الشهر الحالي رداً على هجوم تدمر، واستهدفت تلك الضربات كلاً من بادية معدان بريف الرقة، وبادية الحماد بريف دير الزور، وطاولت أكثر من 70 هدفاً في مواقع متعددة باستخدام طائرات مقاتلة، ومروحيات هجومية ومدفعية. واستهدفت الغارات الجوية البنية التحتية لـ"داعش" ومواقع الأسلحة، كنقاط انطلاق لعملياتها داخل المناطق الصحراوية والريفية من محافظتي دير الزور والرقة وفي منطقة جبل العمور قرب مدينة تدمر.
استغلال انهيار نظام الأسد
ورأى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية أحمد أبازيد، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "داعش" وجد في انهيار نظام الأسد فرصة للانتشار الجغرافي، استغلالاً لعدم تثبيت الحكومة الجديدة أركانها وعدم كفاية عناصرها في البداية لتغطية كامل المناطق الجغرافية التي سيطرت عليها، ولذلك فقد زاد نشاط عملياته في الأشهر الأخيرة، في استهداف "قسد" أو الحكومة السورية، وفي جريدته النبأ كرّر وصف الحكومة الجديدة بالمرتدة وركّز في دعايته الإعلامية ضدها.
أحمد أبازيد: "داعش" وجد في انهيار نظام الأسد فرصة للانتشار الجغرافي
ورداً على ما يقال حول التهويل من نشاط التنظيم بهدف الاستثمار السياسي من جهات عدة، قال أبازيد إن الحكومة السورية أعلنت أكثر من مرة إحباط عمليات للتنظيم والقبض على خلايا تابعة له، و"الأسماء المعلن عنها هم أعضاء في التنظيم فعلاً، ونشاطهم ضمن التنظيم مرصود منذ سنوات، خصوصاً في درعا. لذلك فإن العمليات تبدو حقيقية وليس دعائية، وإن كان توقيتها تزامن مع عمليات التحالف الدولي بعد مقتل جنود أميركيين في تدمر". ولفت إلى أن لدى الجهاز الأمني للحكومة الجديدة، والذي يعتبر امتداداً للجهاز الأمني لـ"هيئة تحرير الشام" وفصائل الثورة السورية، معلومات سابقة عن خلايا التنظيم عبر سنوات المواجهة معه، ما يجعل قدرات الجهاز على تتبع هذه الخلايا وكشفها حقيقية، وإن كان من الممكن أن العامل السياسي لعب دوراً في شنّ العمليات في هذا الوقت.
وأضاف: "في المقابل فإن ما يبدو استعراضياً بالكامل هي عمليات التحالف الدولي التي أعلن عنها ضد التنظيم عبر شن غارات جوية في البادية، فليس لدى التنظيم مناطق سيطرة أو مقرات معروفة حتى تُقصف. التنظيم يعتمد خلايا متفرقة وذئاباً منفردة محدودي التسليح منذ انهيار آخر معاقله في الباغوز سنة 2019. لذلك فإن أي عمليات جوية غير منطقية ضد التنظيم، إلا في حال استهداف خلية محددة، وليس الحديث عن مواقع سيطرة ومقرات واسعة الانتشار كما أوحى بيان التحالف الدولي".
وبعد مقتل الآلاف من عناصر "داعش"، واعتقال عشرات الآلاف خلال الحملات العسكرية في العراق وسورية، تشير التوقعات إلى أنه لا يزال نحو 2500 من مقاتلي التنظيم نشطين داخل مناطق البادية الصحراوية الشاسعة في محافظتي دير الزور والرقة السوريتين. ويرى متابعون أن "داعش" لم يعد يسعى للسيطرة على المدن، ويركز جهوده على الحفاظ على نواة صلبة قادرة على الاستمرار، وخوض حرب طويلة النفس، تقوم على الاستنزاف واستغلال الثغرات الأمنية في المناطق الهشة، وذلك من خلال الاعتماد على خلايا صغيرة مرنة قد تفيد فقط في تبديد فكرة سيطرة "قسد" أو الحكومة على كل المناطق.