الحجاب والمونديال: اليمين الفرنسي المتطرف يجد ضالته الانتخابية
- يعكس رد فعل اليمين المتطرف حالة استقطاب سياسي واجتماعي متزايدة في فرنسا، حيث تتصاعد التوترات مع اقتراب الانتخابات، بينما تبقى ردود فعل الوسط بقيادة ماكرون هادئة.
- يبرز النص اختلافًا بين النموذجين الفرنسي والبريطاني في التعامل مع الهويات الدينية، حيث تتدخل فرنسا تحت مبدأ العلمانية، بينما تتيح بريطانيا حرية التعبير الديني.
أبدت أوساط من اليمين الفرنسي المتطرف، ووسائل الإعلام القريبة منه، ردود فعل غاضبة على ظهور طفلة ترتدي الحجاب خلال مراسم دخول لاعبي منتخب فرنسا إلى أرضية الملعب في ولاية نيوجيرسي الأميركية قبل مواجهة السويد في دور الـ32 من بطولة كأس العالم 2026 في 30 يونيو/حزيران الماضي. ولم يخفف من حدة الاعتراضات والانتقادات أن المباراة لم تجر على أرض فرنسية، والطفلة لا تمثل فرنسا أو جهة رياضية، أو سياسية، أو دينية داخل فرنسا، كما أن الترتيبات التي رافقت المباراة ليست شأن طرف فرنسي، بل هي من اختصاص "فيفا". وفي نهاية المطاف، لا يمكن تطبيق القوانين الفرنسية الخاصة بالحجاب على حدث تم في بلد آخر، وفي إطار مناسبة دولية.
حالة استقطاب سياسي واجتماعي في فرنسا
وترى أوساط مراقبة أن رد فعل اليمين الفرنسي المتطرف ذهب أبعد من الواقعة ذاتها، ليعكس حالة استقطاب سياسي واجتماعي وثقافي بلغ درجة متقدمة. ومن المرجح أن ترتفع وتيرته بالتدريج حتى الانتخابات التشريعية والرئاسية الفرنسية بدورتيها في إبريل/نيسان ومايو/أيار المقبلين، والتي بدأت الأطراف السياسية تستعد لها منذ الآن، وستكون مسألة الهجرة والديانة الإسلامية والهوية والعلمانية في صلب البرامج الانتخابية على مستوى المعسكرات كافة، من أقصى اليمين، وحتى أقصى اليسار.
في المقابل، ترى أوساط فرنسية في اليمين الفرنسي التقليدي واليسار، أن رد فعل اليمين المتطرف لا يتناسب مع الحدث، وهو أراد من الضجة الإعلامية استهداف الإسلام في فرنسا من أجل تحقيق أهداف سياسية، تحت بند الغيرة على العلمانية والهوية الفرنسية. والملاحظ أن ردود فعل أحزاب وقوى اليسار بقيت خافتة، كي لا تمنح صدى أعلى لردات فعل اليمين المتطرف. وتلخصت مواقف اليسار في رفض تحويل حجاب الطفلة إلى قضية سياسية، كما أن مهاجمة طفلة بسبب لباسها هو استهداف للمسلمين. بينما لم تظهر ردود فعل من تيارات الوسط التي يمثلها الرئيس إيمانويل ماكرون، المعروفة بموقفها ضد حجاب القاصرات، وعدم الانسياق وراء تحريض اليمين المتطرف على الإسلام والمسلمين.
يمتلك اليمين المتطرف حساسية وعدوانية مفرطة تجاه ظهور أي رمز يمت للإسلام في الفضاء العام داخل فرنسا
حساسية اليمين الفرنسي حيال رموز الإسلام
يمتلك اليمين الفرنسي المتطرف حساسية وعدوانية مفرطة تجاه ظهور أي رمز يمت للإسلام في الفضاء العام داخل فرنسا. وقد درج على دعاية تعتبر الحجاب يتجاوز اللباس الديني إلى الرمز السياسي والثقافي، وبالتالي فإن ظهور طفلة محجبة في مناسبة رياضية تابعها نحو 15 مليون فرنسي، حسب إحصاءات القناة التلفزيونية السادسة M6 التي بثت المباراة، عبارة عن رسالة موجهة تتعارض مع تصور اليمين المتطرف للهوية الفرنسية والعلمانية.
ومهما يكن من أمر، تصب الحادثة في مجرى الجدل الفرنسي الدائر منذ العام 2004 عندما صدر قانون يمنع ارتداء الرموز الدينية الظاهرة في المدارس الحكومية، وشمل، الحجاب الإسلامي، الصليب الكبير، غطاء الرأس اليهودي، والعمامة السيخية. ورغم شمولية القانون فإن الحجاب الإسلامي هو الذي حظي بالأضواء الإعلامية وردود الفعل السياسية. وفي العام 2010 صدر قانون آخر يمنع تغطية الوجه بالكامل في الأماكن العامة، ونص على حظر النقاب والبرقع.
تحويل قضية تفصيلية في حدث رياضي إلى خلاف سياسي ثقافي، يكشف أن القوانين لم تحسم الجدل، أو تضع حدوداً لحملات التحريض، طالما أن مكانة الإسلام في المجال العام لم تتحدد على نحو واضح، بالتوازي مع رسم حدود العلمانية، ووضع سياسات للهجرة والاندماج تمتلك صفة الديمومة، وعدم خلط قضايا الأمن ومحاربة الإرهاب والتطرف مع هذه الموضوعات. وبالتالي لا يمكن للقوانين وحدها أن تهدئ التوتر وتمتص ردود الفعل الغاضبة، بل الوقوف بشجاعة حيال تطورات العقدين الأخيرين بفرنسا. فثمة العديد من المعطيات والمستجدات تحتاج إلى إدخالها في الحساب، منها تقادم نظريات الهوية وفق النموذج الكلاسيكي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية، بفضل النمو الديمغرافي الكبير للمهاجرين، الذين أصبحوا مواطنين في فرنسا يساهمون في بنائها، ويرتاد أطفالهم المدارس، وبات الكثيرون منهم يعملون في الإدارة ويلعبون في فرق كرة القدم، حتى غدا الفريق الوطني نفسه مشكّلاً في أغلبيته من أبناء الجاليات المسلمة العربية والأفريقية.
تعمق الانقسام في فرنسا مقابل نجاح بريطاني
هذا الانقسام الذي يتعمّق في فرنسا يقابله نموذج آخر في بريطانيا يتقدّم على طريق النجاح، نتيجة قدرة الدولة على التوفيق بين مسألة الهوية، وحق المواطنين في التعبير عن هوياتهم الدينية والثقافية، ولذلك بات من الطبيعي رؤية النساء اللواتي يرتدين الحجاب، أو الرجال الذين يرتدون ملابس تقليدية في شتى مناحي الحياة والإدارات الرسمية، ومؤسسات الدولة، مثل جهاز الشرطة، وتحت قبة البرلمان وداخل الحكومة، وفي وسط لندن عاصمة الليبرالية تقف شرطية لتوجه حركة السير وهي ترتدي حجاباً إسلامياً على رأسها، وفي البرلمان يتربع نائب من أصول هندية، وهو يرتدي عمامة السيخ.
لا يتدخّل النظام البريطاني في خصوصيات المواطنين ولا يشترط عليهم تغيير أو إخفاء هوياتهم الدينية والثقافية، على غرار مبدأ العلمانية الفرنسية الذي يقيّد هويات الهجرة في المجال العام كشرط أساسي، حتى يُظهروا المنحدرين من الهجرة بمظهر المواطنين المنسجمين مع "القوانين الجمهورية". ويبلغ اختلاف النموذجين أقصاه حينما يجري النظر في بريطانيا إلى التنوع والتعدد على أنه إغناء للهوية الوطنية، بينما على العكس في فرنسا يعده البعض تهديداً للهوية الفرنسية الأصلية.
لا يوجد خلاف بين النموذجين من الناحية القانونية، فكما تعطي القوانين البريطانية لجاليات الهجرة نفس حقوق السكان الأصليين، لا تقصر نظيرتها الفرنسية عن ذلك، بل تمنح المسلمين الحق في ممارسة شعائرهم من دون تدخّل من قبل الدولة، وحتى أنها تساهم في بناء وتمويل المساجد، وتشكيل الجمعيات، على غرار اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، الذي يتكون من قرابة 50 جمعية منتشرة في المدن الفرنسية كافة، ويعقد مؤتمراً سنوياً في باريس هو الأكبر في أوروبا على مستوى اللقاءات الإسلامية.
فرنسا تتدخل في الشأن الديني للمواطنين من أصول أجنبية
يكمن الخلاف بين النموذجين في أن بريطانيا لا تتدخّل في الشأن الديني لمواطنيها من أصول أجنبية، بينما تمارس فرنسا ذلك، ويعود هذا الأمر إلى تباين جوهري بين دولة لا تزال لديها كنيسة رسمية للدولة، والثانية بنت نظامها الجمهوري على أساس الفصل بين الدين والدولة وإقصاء الكنيسة عن المجال العام، وبالتالي فإن منع الرموز الدينية في المجال العام يحمي المساواة بين المواطنين. وعلى ذلك لا يعتبر اليمين المتطرف موقفه من الحجاب معادياً للإسلام، بل دفاعاً عن العلمانية وهوية الدولة والمجتمع في فرنسا.
فرنسا تتدخل في الشأن الديني لمواطنيها من أصول أجنبية وذلك على عكس بريطانيا
لا تهدف المقارنة بين النموذجين إلى الدعوة لاستنساخ أحدهما للآخر، فكل منهما له سياقه وظروفه الخاصة، وأهدافه الآنية والبعيدة المدى، وفلسفة الدولة في تطبيقه، لكنها تضيء على التحدي الذي يواجه النموذج الفرنسي، والذي يبدو أنه آخذ بالتنامي، بدلاً من أن يتراجع بتقدم العصر، وتطور وسائل الإعلام، واتساع مساحات التفاهم بين الجماعات المحلية، وتزايد مغريات الاندماج بالنسبة للأجيال الجديدة. ويرى متخصصون في العلوم الاجتماعية أنه في وسع فرنسا أن تستفيد من التجربة البريطانية من أجل توازن بين الهويات الوطنية والدساتير، وذلك بمزيد من حياد الدولة في هذا الميدان، خصوصاً أنها تقر باحترام الهويات والحقوق الثقافية، والعرقية، والجندرية، والجنسية.
وفي نهاية المطاف، لا تمثل ردود فعل اليمين الفرنسي المتطرف على المظاهر الدينية الإسلامية الموقف العام للمجتمع الفرنسي الذي يدرك أن الهوية مسألة ليست ثابتة، بل قابلة للتحوّل، تبعاً للظروف، وقد خضعت لتطورات كثيرة بسبب الهجرات والعولمة، وبعد قيام الاتحاد الأوروبي وفتح الحدود أمام السفر والاختلاط والتزاوج. لكنها مع ذلك، تشكّل الوجه الظاهر من أزمة أوسع، تستدعي مراجعة الدولة لطرق عملها، لاسيما أن هناك دعوات لموظفي الدولة للعمل بمرونة عندما يتعلق الأمر بممارسة المواطنين لحقوقهم الدينية، خصوصاً أن قانون 1905 يقوم على مبدأ حماية حرية المعتقد، حينما قام بتنظيم العلاقة بين الكنيسة والدولة.
وفي الأحوال كافة يبدو المشهد اليوم، أن اليمين الفرنسي المتطرف نجح في استثمار هذه المسألة سياسياً، وتبيّن أنه قادر على توظيفها أكثر بعد أن حوّلها إلى سلعة رائجة في ظل عدم القدرة على سن برامج انتخابية قابلة للنجاح، ومعالجة أوضاع اقتصادية صعبة. ومن باب السهولة وحصد الأصوات، تبقى مسألة التجييش على أساس ديني رابحة جداً، وقد سبق لهذه الوصفة أن نجحت في بلدان أخرى كإيطاليا وألمانيا، وهي مرشحة لتكون أرضية تُحرك قوى اليمين المتطرف التي تقوم دعايتها على نظرية الاستبدال التي تلقى صدى لدى أوساط فرنسية، يستهويها الخطاب الذي يركز على تراجع الهوية الفرنسية التقليدية، وارتفاع معدلات الهجرة، وصعوبة اندماج بعض الأحياء والتي بات بعضها بؤراً للجريمة والمخدرات والسرقات في وسائل النقل وداخل المحلات العامة، وحتى في الشوارع العامة في وضح النهار، مما زاد من المخاوف الأمنية.