الحبس الانفرادي في مصر: عقوبة مضاعفة للانتقام من المعارضين

24 أكتوبر 2020
الصورة
أحمد دومة رهن الحبس الانفرادي منذ 2014 (خالد دسوقي/فرانس برس)
+ الخط -

لم تزر حنان توفيق، زوجة وزير التموين السابق باسم عودة، زوجها المعتقل انفرادياً، منذ أكثر من أربع سنوات. إذ مُنعت الزيارة نهائياً عن عدد من معتقلي سجون مزرعة طرة وملحق المزرعة جنوبي القاهرة. وكانت آخر مرة رأت فيها حنان زوجها، قبل حوالي عام ونصف العام. وحدث ذلك خلال إحدى جلسات محاكمته، إذ كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة لرؤيته طوال هذه الأعوام.
ومنذ أكثر من أربع سنوات، يقضي وزير التموين السابق باسم عودة أيامه خلف جدران السجن، ممنوعاً من الزيارة ومحبوساً انفرادياً، بالمخالفة للقوانين المصرية والمعاهدات الدولية. ويعدّ الحبس الانفرادي واحداً من أقسى الجزاءات التي يمكن تطبيقها على السجناء، ويعتبر شكلاً من أشكال التعذيب أو المعاملة القاسية واللاإنسانية في حالة الحبس الانفرادي المطول والحبس الانفرادي غير محدد الأجل لما يسببه العزل الكامل من آثار نفسية خطيرة. كما جاء في "إعلان إسطنبول بشأن استخدام الحبس الانفرادي وآثاره" عام 2007 (خلال المؤتمر الدولي للصدمة النفسية الذي عقد في إسطنبول)، أنّ "العزل الكامل للحواس بالاقتران مع العزل الجسدي الكامل، يمكن أن يحطم الشخصية ويعدّ شكلاً من أشكال المعاملة اللاإنسانية التي لا يمكن تبريرها بمقتضيات الأمن أو بأي أسباب أخرى".

يستخدم الحبس الانفرادي بشكل ممنهج للانتقام من الخصوم والمعارضين السياسيين والتنكيل بهم ومعاقبتهم

وعرّفت "قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء" الحبس الانفرادي، بأنه "حبس السجناء لمدة 22 ساعة أو أكثر في اليوم من دون أي سبيل لإجراء اتصال ذي معنى مع الغير". كما عرّفت مفهوم الحبس الانفرادي المطول بأنه "الحبس الانفرادي لمدة تزيد عن 15 يوماً"، ونصت على أنه "لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تصل القيود أو الجزاءات التأديبية إلى حدّ التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو العقوبة اللاإنسانية". كما نصّت على حظر مجموعة من الممارسات، منها الحبس الانفرادي إلى أجل غير مسمى والحبس الانفرادي المطول، مشددة على ضرورة ألا يستخدم الحبس الانفرادي إلا في حالات استثنائية أو كملاذ أخير ولأقصر فترة ممكنة، وبمقتضى تصريح من سلطة مختصة. وأفادت بعدم جواز أن تتضمن الجزاءات التأديبية أو تدابير التقييد منع السجناء من الاتصال بأسرهم.

ومع ذلك، يستخدم الحبس الانفرادي في السجون المصرية بشكل تعسفي في حالة تأديب المسجونين الجنائيين، كما يستخدم بشكل ممنهج للانتقام من الخصوم والمعارضين السياسيين والتنكيل بهم ومعاقبتهم. فالعديد من المحتجزين والمسجونين لأسباب سياسية يستمر حبسهم الانفرادي لمدد غير محددة ولشهور طويلة، بل أحياناً يمتد لسنوات من دون الالتفات إلى ما نصّ عليه الدستور والقوانين بشأن تنظيم مدد الحبس الانفرادي. كما في حالة الرئيس الراحل محمد مرسي الذي أمضى أكثر من ست سنوات في الحبس الانفرادي حتى وفاته في 17 يونيو/حزيران 2019. كما كان محروماً من التواصل مع الآخرين ومن الكتب والصحف والورق والأقلام والراديو.

وكذلك بالنسبة لحالة علا القرضاوي، ابنه الشيخ يوسف القرضاوي، التي أمضت عامين في الحبس الانفرادي بعد إلقاء القبض عليها هي وزوجها في 30 يونيو/حزيران 2017، بتهمة "الانتماء لجماعة أسست بخلاف القانون". وبالإضافة لحبسها انفرادياً، تمّ منعها من استقبال الزيارات حتى من قبل المحامي الخاص بها، من دون إبداء أسباب لذلك.
وهناك أيضاً حالة الناشط أحمد دومة الذي صدر ضده حكم قضائي في إبريل/نيسان 2014، وتم إيداعه في سجن طره تحقيق، داخل زنزانة انفرادية بقرار من مصلحة السجون بوزارة الداخلية، وما زال قيد الحبس الانفرادي حتى الآن، ليمضي أكثر من 6 سنوات على هذا الوضع.
وكان تقرير لمنظمة "العفو الدولية" في مايو/أيار عام 2018، بعنوان: "سحق الإنسانية: إساءة استخدام الحبس الانفرادي في السجون المصرية"، أظهر أنّ عشرات المحتجزين في الحبس الانفرادي من نشطاء حقوق الإنسان والصحافيين وأعضاء جماعات المعارضة، يتعرضون عمداً لإيذاء بدني رهيب، بما في ذلك الضرب على أيدي حراس السجون، وإجبارهم على غمر رؤوسهم مراراً في أوعية ملوَّثة بالغائط. وأشار التقرير إلى أن المعاناة النفسية والبدنية التي تُفرض على هؤلاء السجناء عمداً، تؤدي إلى إصابتهم بأعراض من قبيل نوبات الهلع، والارتياب، وفرط الحساسية للمؤثرات الخارجية، بالإضافة إلى صعوبات في التركيز وفي الذاكرة.
وقد وثَّقت منظمة "العفو الدولية" 36 حالة لسجناء احتُجزوا رهن الحبس الانفرادي المطوَّل وإلى أجل غير مسمى، وبينهم ستة عزلوا بشكل غير مشروع عن العالم الخارجي منذ عام 2013.

الحبس الانفرادي ضدّ السجناء يُطبق في كثير من الأحيان بشكل تعسفي ومن دون إشراف قضائي

وخلصت المنظمة إلى أنّ استخدام الحبس الانفرادي ضدّ السجناء "يُطبق في كثير من الأحيان بشكل تعسفي ومن دون إشراف قضائي، ويُعد على الدوام بمثابة نوع من المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، بل ويشكل أحياناً ضرباً من ضروب التعذيب". وأضافت "يُحتجز بعض السجناء رهن الحبس الانفرادي المطول أو إلى أجل غير مسمى، أو يوضعون في زنازين تتسم الظروف فيها بأنها غير إنسانية، أو يتعرضون لعقاب جماعي. وفي بعض الحالات، يتعرض السجناء لتعذيب بدني أيضاً".

وينصّ قانون تنظيم السجون المصري، رقم 396 لسنة 1956 في المادة (43) منه، على أن "الجزاءات التي يجوز توقيعها على المسجون هي: الإنذار، والحرمان من كل أو بعض الامتيازات المقررة لدرجة المسجون أو فئته لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً، وتأخير نقل المسجون إلى درجة أعلى من درجته في السجن لمدة لا تزيد على ستة أشهر إن كان محكوماً عليه بالحبس، ولمدة لا تزيد على سنة إن كان محكوماً عليه بالسجن المؤبد أو بالسجن المشدد. بالإضافة إلى تنزيل المسجون إلى درجة أقل من درجته في السجن لمدة لا تزيد على ستة أشهر إن كان محكوماً عليه بالحبس، ولمدة لا تزيد على سنة إن كان محكوماً عليه بالسجن المؤبد أو بالسجن المشدد. فضلاً عن الحبس الانفرادي لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً. وكذلك وضع المحكوم عليه بغرفة خاصة شديدة الحراسة لمدة لا تزيد على ستة أشهر، وذلك على النحو الذي تبينه اللائحة الداخلية".


 

المساهمون