أحرز الجيش الصيني تقدماً هائلاً في عملية التحديث خلال السنوات العشر الماضية. وقد تسارعت وتيرة العمل بشكل ملحوظ، مما أثار مخاوف بشأن قدرات الجيش الصيني وتأثيرها على خطط الولايات المتحدة لاحتواء بكين. ولطالما صرّحت الصين برغبتها في أن تكون قوة عسكرية رائدة عالمياً. ومن الواضح أنها ماضية في ذلك، وفق مراقبين، إذ يبدو أن المجالات التي بلغت فيها مستويات متقدمة تتزايد، وبالتالي من البديهي أن الصين، بعد عشر سنوات ستكون أقوى بكثير مما هي عليه الآن. مع ذلك، يعد هذا التطور جزءاً من عملية تحديث عسكري مستمرة، وهناك برامج لم تنضج بعد، أبرزها برنامج حاملات الطائرات، أيضاً هناك مجالات برزت فيها فجوة كبيرة بين الصين ودولٍ أخرى، خصوصاً جيرانها، مما أثار مخاوف كبيرة في المنطقة، فثمة قلق واضح بشأن الصراعات الراهنة في عالم تتراجع فيه مكانة الولايات المتحدة.
الخوف في تايوان
كانت أبرز ملامح الخوف بشأن قدرات الصين العسكرية، في تايوان، حيث اتهمت المعارضة في الجزيرة الزعيم التايواني ويليام لاي تشينغ تي، بتأجيج المخاوف من خلال تصريحه بأن بكين قد تستعد للاستيلاء على تايوان بالقوة بحلول عام 2027. وقالت إن محاولة لاي لتبرير زيادة هائلة في الإنفاق الدفاعي تدفع تايوان نحو حالة حرب دون توافق أو وضوح. وكان لاي، قد صرح في وقت سابق، بأن بكين تسعى لتحقيق هدف إكمال التوحيد مع تايوان بالقوة بحلول عام 2027، وهو تصريح تم تعديله لاحقاً على منصاته الرسمية لتحديد الاستعداد لمثل هذا الخيار بدلاً من هجوم مقرر. وقالت كارين كو، المتحدثة باسم مكتب لاي، إن عام 2027 ليس تاريخ غزو مؤكد، بل هو معيار للقدرات ورد ذكره في تقييمات الكونغرس الأميركي ومراكز الأبحاث.
ليو وانغ: الصين أكبر المستفيدين من التورط الأميركي في منطقة الشرق الأوسط
يشار إلى أن قادة عسكريين أميركيين رسموا صورة لما وصفوه بـ"التهديد الصيني" العسكري، الممتد عبر تايوان والفضاء الخارجي، وذلك خلال إحاطتهم للكونغرس، في إبريل/نيسان الماضي، حول الجاهزية العسكرية للسنة المالية 2027. وقال هؤلاء إن مناورات الغزو والتدريبات بالذخيرة الحية التي أجراها جيش التحرير الشعبي الصيني بالقرب من تايوان، وحول المضيق، خلال الأشهر الماضية، قد أظهرت الحاجة إلى قوات بحرية أميركية جاهزة للقتال في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وحسب تقديرات أميركية، فقد بنت الصين أكبر أسطول بحري في العالم، بأكثر من 370 سفينة وغواصة، بما في ذلك ثلاث حاملات طائرات، في جزء من جهودها لبناء جيش عالمي المستوى. ويذهب أحدث تقرير لوزارة الحرب الأميركية (بنتاغون) بعنوان "تقرير القوة العسكرية الصينية" إلى أبعد من ذلك، بإشارته إلى أن الصين تهدف إلى أن تحل محل الولايات المتحدة بوصفها أقوى دولة في العالم. وأشار التقرير إلى أن البحرية الصينية أحرزت في العام الماضي تقدماً كبيراً في بناء السفن وقدرات إسقاط القوة، بما في ذلك تشغيل حاملة الطائرات الأكثر تقدماً لديها، فوجيان.
ياو بين: الجيش الصيني استطاع بالفعل أن يُقلّص الفجوة مع نظيره الأميركي لا سيما في حجم الأسطول البحري وفي تحديث معدات الطيران
في السياق، يرى ليو وانغ، الباحث في العلاقات الصينية الأميركية في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الصين أكبر المستفيدين من التورط الأميركي من منطقة الشرق الأوسط، معتبراً أن خوض الولايات المتحدة حرباً بالوكالة ضد إيران، يخفف الأعباء عن الصين. ويلفت إلى سحب قطع عسكرية أميركية من شرق آسيا باتجاه الشرق الأوسط لحماية حلفاء الولايات المتحدة، ويرى في ذلك مؤشراً على تراجع الاهتمام الأميركي بمسألة تايوان، ودعم خصوم الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويضيف ليو، أن استراتيجية واشنطن لاحتواء بكين، باتت على المحك، فهناك أزمة ثقة بالنسبة لدول المنطقة بالمظلة الأمنية الأميركية. ويقول إن جميع هذه العوامل تعطي المزيد من المرونة للصين من أجل التركيز أكثر على تحسين كفاءة جيشها وقدراته، وتعزيز ترسانتها العسكرية. ومن شأن ذلك أن يعزز حالة الردع في منطقة تشهد العديد من النزاعات البحرية، سواء في بحر الصين الجنوبي أو الشرقي، فضلاً عن النزاعات الحدودية البرية مع الهند، وكذلك الصدام المتكرر في الفيليبين في الشعاب المرجانية المتنازع عليها.
هل قلّص الجيش الصيني الفجوة مع الأميركيين؟
في قراءته للتحديث العسكري الصيني، يوضح أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنوب الصين، ياو بين، في حديث مع "العربي الجديد"، أن الجيش الصيني استطاع بالفعل أن يُقلّص الفجوة مع نظيره الأميركي في عدة مجالات، لا سيما في حجم الأسطول البحري، وكذلك تحديث معدات الطيران. ويلفت إلى أن التقييمات الدفاعية الدولية تتفق عموماً على أن هذا التحول قد غيّر الهيمنة المطلقة السابقة للجيش الأميركي في غرب المحيط الهادئ. كما يشير ياو، إلى نجاح الصين في تطوير الصواريخ الباليستية متوسطة المدى وبعيدة المدى، والأسلحة فرط الصوتية، والقدرات المضادة للسفن البحرية. ويقول إن بكين قامت ببناء درع قوي في سلسلة الجزر الأولى والمناطق المحيطة بها، مما زاد من التكلفة والمخاطر بالنسبة للقطع العسكرية الأميركية الكبيرة العاملة في المياه الساحلية، بالإضافة إلى نشر المقاتلات الشبحية من الجيل الخامس مثل J-20، كما تواصل تعزيز البحث والتطوير للنماذج المقاتلة الجديدة، مما أدى إلى تقليص الفجوة بشكل كبير بين بكين وواشنطن في المعدات الجوية المتقدمة. يذكر أنه حسب تقديرات محلية، فإن الجيش الصيني يضم نحو مليوني جندي في الخدمة الفعلية، وهو يمتلك ثلاث حاملات طائرات ونحو 80 غواصة، إضافة إلى نحو خمسة آلاف دبابة، و175 ألف مركبة مدرعة، وحوالي 1250 طائرة مقاتلة.