الجزائر: مسار وخلفيات انزلاق حركة ماك إلى خطاب الانفصال

06 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:24 (توقيت القدس)
رئيس حركة ماك فرحات مهني (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعتزم حركة "ماك" إعلان استقلال منطقة القبائل في حفل بباريس، رغم عدم دعمها داخلياً في الجزائر واتهامها بالانخراط في مشروع يستهدف البلاد. تأسست الحركة في 2001 بعد أحداث الربيع الأمازيغي، وتطورت للمطالبة بالانفصال.

- صنفت السلطات الجزائرية "ماك" كتنظيم إرهابي في 2021، متهمة إياها بالتخطيط لتفجيرات وتلقي تدريبات قتالية بدعم أجنبي. دعا رئيس الحركة لتشكيل شرطة محلية، مما أدى لاعتقالات واتهامات بتهديد الوحدة الوطنية.

- تتهم الجزائر الحركة بالتورط في حرائق 2021 وتلقي دعم من إسرائيل والمغرب. مسجلة كجمعية في فرنسا، يثير ذلك تساؤلات حول دور باريس في العلاقات الجزائرية الفرنسية.

في 14 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، تعتزم حركة "ماك" التي تتبنى مطلبَ انفصال منطقة القبائل عن الجزائر، الإعلان عن استقلال المنطقة، في حفل يقام في باريس. ولا تحظى الحركة بدعم في الداخل الجزائري إزاء مطلبها الانفصالي في منطقة القبائل، خاصة بعد معالجة سياسية هادئة لمشكلة الهوية واللغة الأمازيغية وتضمينها في الدستور الجزائري، لكنها تمثل شكلاً جديداً من الحركات المتطرفة في خيارها، وتعمل على مناكفة سياسية وإعلامية للدولة الجزائرية، بينما توجه إليها السلطات الجزائرية اتهامات بالانخراط في مشروع استهداف الجزائر، وتعد إحدى الملفات العالقة في الأزمة بين الجزائر وباريس التي تحتضن الحركة.

وتشير الوثائق الرسمية الفرنسية إلى أن حركة "ماك" مسجلة جمعيةً معتمدةً في فرنسا باسم "الحركة من أجل تقرير مصير القبائل"، وبوصل اعتماد تحت رقم 1236، مؤرخ في 24 أغسطس/آب 2024، وقبل أن تطور الحركة خطابها ومشروعها السياسي إلى ما تزعم أنه انفصال، كانت تتبنى خيار المطالبة بالحكم الذاتي لمنطقة القبائل، وهو تطور لافت لا بدَّ أن يستدعي التوقف لفهم دوافعه وخلفياته والأطراف التي تقف وراء تغذيته، وتحولها إلى جزء من ديناميكية الأقليات التي تستغلها المخابر الغربية.

وبدأ بروز الحركة التي أسّسها المغني فرحات مهني وعدد من النشطاء، منذ الربيع الأمازيغي في يونيو/حزيران 2001، والذي راح ضحيته أكثر من 160 شخصاً في منطقة القبائل. وتوصلت السلطة وهيئة تنسيق شعبية للسكان المحليين إلى توافقات تتضمن خروج وسحب جهاز الدرك من المنطقة، وأحدث ذلك فراغاً أمنياً استغلته الحركة على نحو كبير، وبدأت في طرح فكرة الحكم الذاتي، وكانت تعمد في مجموع الاستحقاقات الانتخابية التي جرت بعد ذلك بين عامَي 2002 حتى 2019، إلى منع إجراء الانتخابات ومهاجمة مراكز الاقتراع وتحطيم الصناديق والضغط على السكان لعدم التصويت، بهدف إيجاد انطباع بوجود خصوصية لهذه المنطقة.

وفي 2013، بدأت الحركة تتخذ منحى وخطاباً أكثر تطرفاً نحو المطالبة بالانفصال، في خضم الحراك الشعبي في فبراير/شباط 2019، وحالة الغليان في الشارع الجزائري، نتيجة الرفض الشعبي لمحاولة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الترشح لولاية رئاسية خامسة، وحاولت الحركة استغلال هذا الوضع، للتغلغل في الشارع، وتوجيه الحراك نحو بعض الغايات، لكن السلطة كانت أكثر صرامة في التصدي لذلك، وصدر قرار بمنع رفع الراية الأمازيغية، حتى وإن كانت مختلفة عن راية حركة "ماك"، في المظاهرات الشعبية.

وفي إبريل/نيسان 2021، هاجم منتمون إلى الحركة الانفصالية كانوا يرفعون رايتها، في منطقة تيزي وزو قرب العاصمة الجزائرية، بالحجارة والعصي، قوات الأمن التي كانت تراقب مظاهرات الحراك الشعبي، ما خلف عدداً من الإصابات في صفوف قوات الشرطة، واضطرها للانسحاب من المكان، وعدم الرد على هذه الاستفزازات، تجنباً لتطورها إلى مواجهات.

على لائحة الإرهاب

في نفس الفترة، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية أن أجهزة الاستخبارات أحبطت مخططاً لتنفيذ سلسلة تفجيرات تستهدف مظاهرات الحراك الشعبي، من تدبير حركة "ماك"، وذكرت أن تحريات الأجهزة الأمنية واعترافات ناشطين سابقين في الحركة "كشفت عن الإعداد لمؤامرة خطيرة تستهدف البلاد من طرف هذه الحركة، إذ اتّضح من خلال الاعترافات الخطيرة التي أدلى بها العضو السابق في حركة "ماك" التخريبية، المدعو ح. نور الدين، للمصالح الأمنية عن "وجود مخطط إجرامي خبيث يعتمد على تنفيذ هذه التفجيرات ومن ثم استغلال صور تلك العمليات في حملاتها المغرضة والهدامة ذريعةً لاستجداء التدخل الخارجي في شؤون بلادنا الداخلية"، وذكر البيان الرسمي حينها أن هذه الاعترافات، دلت على أن عناصر منتمية للحركة الانفصالية تلقت تدريبات قتالية في الخارج وبتمويل ودعم من دول أجنبية، متورطة في هذا المخطط.

وكان رئيس هذه الحركة فرحات مهني، قد دعا السكان المحليين في منطقة القبائل إلى تشكيل شرطة محلية وفرق للدفاع الذاتي في القرى بمنطقة القبائل، كشكل من أشكال التمرد على السلطة. ودفعت هذه التطورات والوقائع السلطات الجزائرية إلى حسم الموقف واتخاذ قرار أكثر راديكالية تجاه الحركة، في 18 مايو/أيار 2021، فقد صدر قانون يجيز للسلطات تصنيف الأفراد على لائحة وطنية للإرهاب، وصدرت أول لائحة ضمت حركة "ماك" ورئيسها فرحات مهني، وبات التعامل معها على هذا الأساس في الجزائر، أي على أساس أنها تنظيم إرهابي.

وفي يونيو/حزيران من نفس العام، أعلنت السلطات الجزائرية اعتقال عدد من عناصر الحركة الذين هددوا السكان المحليين بتهديدهم بالقتل، كان من ضمنهم أربعة من القيادات المحلية للحركة مكلفة بتوزيع وبنشر بيانات ومحتويات إعلامية، والدعوة إلى العنف من خلال بثّ صور لأشخاص ملثمين وأسلحة نارية".

وتتهم السلطات الجزائرية حركة "ماك" بالوقوف وراء حرائق المهولة بمنطقة القبائل في أغسطس/آب 2021، وفي جريمة إحراق الشاب جمال بن إسماعيل. وحتى يناير/كانون الثاني 2024، كان القضاء الجزائري قد أصدر أربعة أحكام غيابية بالسجن بين 15 إلى 20 عاماً والمؤبد، في حق رئيس هذه الحركة فرحات مهني، في قضايا تخص تهديد الوحدة الوطنية والمس بسلامة التراب الوطني، كان آخرها حكم رفقة 26 من عناصر الحركة، وجهت لهم تهمة الانتماء إلى تنظيم إرهابي وارتكاب أفعال إرهابية وتخريبية تستهدف أمن الدولة والوحدة الوطنية، بعد العثور لديهم على ذخيرة حربية.

ولا تخفي الحركة عبر رئيسها فرحات مهني أو نائبه بلعباسي أكسل وغيرهم من القيادات، دعمها لإسرائيل، واعتبارها نموذجاً بالنسبة للحركة ومشروعها في الجزائر. وتزور قيادات الحركة إسرائيل باستمرار، وتلتقي شخصيات ومسؤولين في تل أبيب، وتحصل منها على دعم مادي وسياسي وإعلامي لافت، كما تُتهم الحركة بالحصول على دعم من المغرب وجهات أخرى، وهو ما اعترف به العضو البارز السابق في الحركة إيدير جودر. وقبل فترة، وجه فرحات مهني خطاب شكر للإمارات، ما ألمح إلى وجود صلة بين الطرفَين في ظل تأزم العلاقة بين الجزائر وأبوظبي.

وبما أن هذه الحركة مسجلة في إطار القانون الفرنسي، وعلى لائحة الجمعيات الفرنسية، فإنّ ذلك يضع مسؤولية سياسية على عاتق باريس في سياق علاقتها مع الجزائر، ويثير تساؤلاً عن سماح السلطات الفرنسية لجمعية فرنسية ذات غايات سياسية تمسّ قضايا سيادية لدولة أخرى، وهو ما يعني أن هذا الملف مرشح أن يتصدر حزمة الملفات والقضايا المحورية التي تحدد طبيعة العلاقات الجزائرية الفرنسية في الأفق القريب.