الجزائر تستعيد تدريجياً علاقاتها مع دول الساحل الأفريقي بعد أزمة الطائرة المالية
استمع إلى الملخص
- أبدى الرئيس الجزائري تفاؤله بتحسين العلاقات مع بوركينا فاسو، معتمدًا على الروابط الدينية التقليدية لتعزيز العلاقات، حيث زار الخليفة العام للطريقة التجانية بوركينا فاسو.
- رغم الفتور مع مالي، تواصل الجزائر تعزيز التعاون عبر الدبلوماسية الدينية، مما يعكس رغبتها في بناء علاقات تعاون إقليمي وليس الهيمنة.
بدأت الجزائر سلسلة خطوات لاستعادة تدريجية لعلاقات طبيعية مع دول الساحل الأفريقي بعد عام من أزمة "الطائرة المالية"، التي كانت قد تفجرت في أعقاب إسقاط الجيش الجزائري في إبريل/ نيسان 2025، طائرة مسيرة تتبع الجيش المالي على الحدود، ما دفع كلا من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حينها، إلى الاحتجاج ضد الجزائر واستدعاء سفرائها للتشاور، لكن جملة من التطورات سمحت بالتهدئة وإعادة بناء العلاقات مجدداً.
وفي أحدث هذه التطورات الإيجابية، كشف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أنه وجه رسميا دعوة إلى رئيس السلطة الانتقالية في النيجر، لزيارة الجزائر. وقال تبون في حوار بثه التلفزيون الرسمي، الليلة الماضية: "لن أذيع سرا، إذا قلت إنني أمضيت منذ يوم، رسالة دعوة رسمية إلى رئيس النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني، لزيارة الجزائر"، ثم أضاف: "كان لا بد للسحابة أن تمر، والنيجر بلد شقيق وقريب منا جدا".
وتأتي هذه الخطوة بعد استقبال الرئيس النيجري الفريق أول عبد الرحمن تياني، للمرة الأولى منذ إبريل/نيسان 2025، مسؤولا جزائريا، بمناسبة زيارة وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب الذي كان قد وصل إلى نيامي في 26 يناير/ كانون الثاني المنصرم، حيث نقل رسالة ودية من تبون إلى تياني، أكد فيها "حرصه على توطيد الروابط وتعزيز علاقات التعاون الثنائية مع الجزائر".
وفي نفس السياق، أبدى الرئيس الجزائري خلال نفس الحوار التلفزيوني، تفاؤله بالعلاقات مع بوركينا فاسو. وفي هذا الإطار، قال تبون: "نحن مستعدون للعمل معا على تحسين العلاقات مع بوركينا فاسو، حيث لدينا علاقات طيبة وتاريخ ونضال مشترك ضد الاستعمار". وقبل ذلك، كان الخليفة العام للطريقة التجانية، ومقرها اللامركزي في الجزائر، الشيخ سيدي علي بلعرابي قد زار بوركينا فاسو للعمل وفقا لتصريحاته "على دعم التآخي بين البلدين والشعبين"، والتقى أبوبكر دوكوري مستشار الرئيس في بوركينا فاسو الجنرال إبراهيم طراوري، حيث تعتمد الجزائر على المراجع الدينية التقليدية لتعزيز علاقاتها مع دول الساحل.
بيد أن العلاقات بين الجزائر ومالي ما زالت فاترة نسبيا. وعن العلاقات مع باماكو، قال تبون الليلة الماضية، إن "الجزائر يجمعها تاريخ مشترك مع مالي، حذرناهم من الدول والأطراف التي تقوم بإغرائهم بالسلاح بينما تعمل على تحقيق مصالحها". وتابع: "نحن حاولنا مساعدتهم لكننا لا نتدخل في شؤونهم"، مضيفا أن الجزائر مستعدة لمساعدة الماليين متى طلبوا ذلك.
ويفهم من هذا التصريح أن الاتصالات السياسية بين الجزائر وباماكو ما زالت ضعيفة، لكن ذلك لم يمنع الأخيرة من إيفاد عضو رابطة علماء الساحل، الشيخ ألفا داهيان، في 21 يناير/كانون الثاني الماضي، للمشاركة في مؤتمر حول "الدبلوماسية الدينية في الساحل الأفريقي" نظمته هيئة دينية تتبع الرئاسة الجزائرية، المجلس الإسلامي الأعلى، وقدم مداخلة حول سعي دول الساحل للاستفادة من التجربة الجزائرية في مجال مكافحة الخطاب المتطرف والإرهاب.
ويعلق الباحث في الشؤون الأفريقية وقضايا الساحل عابد خلاف، عن العودة التدريجية للعلاقات الطبيعية بين الجزائر ودول الساحل، بأنها تعبر عن رغبة مشتركة فرضتها عوامل مختلفة. وقال خلاف، لـ"العربي الجديد"، "في الواقع هناك بعض الإكراهات ذات الصلة بالجغرافيا، تجعل من دول الساحل لا تستطيع الاستمرار في حالة الأزمة مع الجزائر، ولا الجزائر أيضا كون الساحل انشغالا مركزيا بالنسبة للأمن القومي الجزائري".
وأوضح الباحث الجزائري: "يمكن أن نفسر الأزمة السابقة بأنها محاولة من دول الساحل لإثبات حضورها الإقليمي اتجاه قوة مهمة مثل الجزائر، وأعتقد أن الأخيرة تفهمت ذلك بشكل ما وليس لديها عقدة في هذا المجال، كون الجزائر تبني تصوراتها في علاقاتها الإقليمية مع دول الساحل على قاعدة تعاون وليس الهيمنة، وأرى أن هذا الأمر من بين العوامل التي سهلت عودة سريعة للعلاقات مع النيجر وبوركينا فاسو، ومحاولات أولى حثيثة لتجاوز الأزمة مع مالي".
وختم بالقول: "أتوقع في غضون الفترة المقبلة أن نشهد تطورات إيجابية في العلاقة بين دول الساحل والجزائر، خاصة وأن هذه الدول تظل بحاجة إلى إسناد إقليمي لمواجهة بعض المشكلات المعقدة، اقتصاديا وأمنيا، خاصة مع عودة نشاط الجماعات المسلحة في الساحل".