استمع إلى الملخص
- تشهد المنطقة المحيطة بالجزائر تقلبات إقليمية تتطلب تبني خطاب يركز على الاستقرار والتعاون الإقليمي لتعزيز الاقتصاد وجذب الاستثمارات الأجنبية.
- يجب على الجزائر إعادة النظر في خطابها الرسمي لتقديم صورة أكثر استقراراً وطمأنة للمستثمرين الأجانب، مما يعزز جاذبيتها كوجهة استثمارية ويشجع التعاون الإقليمي والدولي.
يغلب على حديث المسؤولين في الجزائر، حكوميين وساسة ومن فواعل المجتمع المدني المرتبط بالخطاب الرسمي، والصحافة أيضاً، خطاب عن تهديدات تواجه الجزائر، وعن تعرض البلد لمخاطر تستدعي اليقظة وضرورات الحذر. ليست المشكلة في هذا الخطاب بحد ذاته وحدود واقعيته، لكن المشكلة في كثافته وسيطرته على الخطاب السياسي، دون الانتباه إلى تداعياته، بالنسبة إلى بلد يعيد هيكلة اقتصاده الداخلي، ويحتاج إلى رسم صورة مغايرة، ولخطاب مختلف يقدم للآخر أسباب الاستقرار والطمأنة والاستقطاب الإيجابي، على عوامل القلق.
ليس بمقدور أحد أن ينكر وجود تقلبات إقليمية وتوترات صامتة في المنطقة التي تتصل جغرافياً واستراتيجياً بالجزائر، فهناك تشكّل جديد وظاهر للتوازنات في منطقة شمال أفريقيا والساحل. وفي الواقع، إذا جرى تأمل التاريخ السياسي للمنطقة التي تتمركز الجزائر ضمن جغرافياتها المتعدّدة، فإنّ هذه التقلبات ظلت قائمة، وهي جزء من سياق دولي، مع اختلاف مستوياتها وتقاطعاتها. والأسباب واضحة، وترتبط باستحكام الهشاشة السياسية وبنية الدولة في الجوار في الساحل، والفشل في إقامة إطار تعاون بيني ناجع بالنسبة لما بين الدول المغاربية، ولاحقاً دخول عوامل طارئة وتطور لتحالفات وتغيّر دور بعض الفواعل، بعضها يتناقض تماماً مع طبيعة واحتياجات المنطقة، على غرار دخول إسرائيل ودول أخرى على خط التوازنات في المنطقة.
بيد أنه من اللافت للنظر، وجود كثافة مفرطة في الحديث عن تهديدات وتحديات خارجية تواجه الجزائر. هذا المعنى يسيطر كثيراً ويتمركز منذ فترة عنواناً عريضاً في كل الخطاب الرسمي الحكومي، بشقيه المدني والعسكري، وفي المضامين الإعلامية الموجهة إلى الرأي العام، ولدى كل مخاطب باسم السلطة أو تفرعاتها وأذرعها المدنية والمجتمعية والسياسية والإعلامية. ومثل هذا الخطاب عندما يتجاوز طابعه الموضوعي، يتحول من خطاب تحذير إلى تعطيل، لأنه يفسح المجال لهيمنة كاسحة للقراءة الأمنية في تفسير كل الوقائع والأحداث. هناك معضلات تتولد عن ذلك، وهناك تخوّف من أن يؤدي توجيه الحديث عن التهديدات المتأتية من الخارج، إلى التغافل عن مشكلات داخلية واقعية، وهي كثيرة ومتعدّدة، ويفترض أن تكون أكثر استدعاء للقلق من غيرها، لأنه وبدواعي مناخ القلق من التهديدات الخارجية، يحدث أن يجري الانكفاء الداخلي، أو حظر وتأجيل النقاش العام حول مسائل مجتمعية كالظاهرة الإجرامية المتصاعدة، وعن الخيارات والقرارات الحكومية غير الموفقة مثلاً.
لا تقدّر المستويات الرسمية والسياسية في الجزائر، المخاطر المترتبة عن الصدى السلبي المتأتي عن ذلك على الخارج، لأنه إذا اعتُمِدَ على هذا الخطاب محدداً لقراءة الحالة الجزائرية، خاصة بالنسبة لمجتمع الاقتصاد ورأس المال في الخارج، فإنه مهلكة بالنسبة للدعوات إلى الاستثمار في الجزائر، ومساعي استقطاب رؤوس المال والشركات الأجنبية، ذلك أنه يرسم صورة لبلد مقبل على مواجهة توترات مختلفة، وبصدد تهديدات محيطة، وهذا بحد ذاته لا يشجع رأس المال الأجنبي على الاستثمار في الجزائر، بمعزل عن المشاريع التي تجري باسم الدولة أو في سياق علاقات بينية.
إذا كان بلد بحجم الجزائر، يملك كل مقوّمات الدفاع واستحقاقات الحفاظ على الاستقرار، فإن المطلوب هو إشاعة خطاب الاطمئنان الذي يركز بالأساس على تقديم عوامل على الاستقرار. يتعيّن تغيير الخطاب والتخفيف من كثافة الحديث عن التهديدات التي تصوّر الجزائر على مشارف افتراس إقليمي. المطلوب بالأساس هو هدوء أكثر في الخطاب السياسي.