الجزائر... "الطراباندو"

20 يناير 2021
الصورة
فهمت السلطة مطالب الجزائريين بطريقة خاطئة (ناصر الدين زيبار/Getty)
+ الخط -

في ثمانينيات القرن الماضي، شاع في الجزائر مصطلح "طراباندو"، وتعني هذه الكلمة الاقتصاد الموازي للاقتصاد الرسمي، وهو مسلكٌ اقتصادي مخفي، كان يرافق منظومة حكم سياسي مبني على المؤسسات المخفية النافذة، والموازية أيضاً للمؤسسة الرسمية، وكان يوفر للجزائريين السلع والبضائع خارج السياق الرسمي. على الصعيد السياسي، لا تزال إدارة الشأن العام في الجزائر تخضع لـ"طراباندو" لا يتوافق مع أصول الحكامة ومكافحة الفساد، ومع تعهدات "الجزائر الجديدة".

عندما خرج الجزائريون في حراك شعبي سلمي في 22 فبراير/ شباط 2019، وقبلها في مسار طويل من النضالية السياسية، طالبوا بالتداول الديمقراطي للسلطة. للأسف، فهمت السلطة الأمر بطريقة خاطئة، واختارت أن تتوجه رأساً نحو إحداث التداول على الثروات الوطنية والريع. ليس هناك تفسير آخر يمكن أن يعطى لكثيرٍ من الوقائع في الفترة الأخيرة، آخرها إعلان الحكومة في الجزائر عن توزيع رخصٍ على وكلاء لتوريد السيارات الجديدة من الخارج، حيث سيبلغ إجمالي قيمة التوريد ملياري دولار. هذا المبلغ هو مبلغ كبير ومثير للشهية ولأشياء أخرى، لكن الحكومة رفضت بصريح العبارة إبلاغ الرأي العام بأسماء من تحصلوا على الرخص، واعتبرت في بيان رسمي، أن "الإخطار بقرارات منح الرخص تكون موجهة للمعنيين فقط، ولا يتم إبلاغها للعامة".

لماذا ترفض الحكومة الكشف للجزائريين عمن استفادوا من رخص التوريد، مع أن الأمر ليس سرّاً، بل ضرورة تفرضها موجبات الحكامة والشفافية ومكافحة الفساد؟ هل لأن السلطة بصدد إعادة توزيع الريع على منتفعين جدد، وتغذية حزام من البرجوازيات الجديدة؟ ثمّة كثير من الأسئلة والوقائع التي بدأت تستدعي في الفترة الأخيرة نفس مناخات تشكل الكارتل المالي والسياسي في العهد السابق، وهذا اتجاه مقلق وغير سليم، وممارسات بالية تؤسس بشكل أو بآخر للفساد، وهي نفسها التي أفرزت كلّ هذا الكم الهائل المطروح في المحاكم من قضايا الفساد ونهب المال العام - أحياناً باستخدام القانون - وصولاً إلى "سبائك أويحيى".

هذه الخيارات الحكومية تضاف إلى ممارسات سياسية وقرارات كثيرة، من قبيل استمرار منع السلطة لأحزاب معتمدة وممثلة في البرلمان، من عقد اجتماعاتها، في مقابل السماح لائتلافات مدنية وأحزاب غير معتمدة أصلاً بعقد تجمعاتها، على قاعدة الموالاة والمعارضة. كما تحرص الحكومة على إبقاء القنوات التلفزيونية الخاصة في "وضع غير قانوني"، بعد أزيد من عام من تعهدات الرئيس عبد المجيد تبون بتسوية هذا الوضع المثير للغرابة، بالإضافة إلى الغموض الذي يلف عمل القضاء إزاء بعض القضايا الجدلية وقضايا معتقلي الرأي. هذه الأمور والممارسات كلّها، عندما تُجمع، يفهم منها أن السلطة لم تخرج بعد من منطق "السوق الموازي" في السياسة كما في الاقتصاد. 

منذ فترة، يمكن رصد بروز شعور في الجزائر لدى "مجموعات الظلّ" السياسية والاقتصادية، أنها في وضع يتيح لها التكيف مع المرحلة الجديدة، خصوصاً أن السلطة السياسية الجديدة لا تظهر في صورة السلطة الحازمة المالكة لمشروع إنقاذ وطني والمتصالحة مع الشفافية. كما أن حكومة الأيدي المرتعشة التي قال عنها الرئيس تبون نفسه قبل أيام إنها "حكومة فيها (لها) وعليها"، لم تبد خلال عام ما يدفع الى الاعتقاد بأنها حكومة إصلاح وإنجاز. وفي الحقيقة، هذا هو الوضع المثالي الذي تفضله مجموعات الظلّ لعرض التحالف مع السلطة وإسنادها في مشروع "طراباندو" جديد.

المساهمون