استمع إلى الملخص
- شهدت العلاقة توترًا مؤخرًا مع انتقادات السلطة لحركة مجتمع السلم وحركة البناء الوطني، مما يعكس عدم التمييز بين الإسلاميين الموالين والمعارضين.
- رغم الضغوط الخارجية، تحتفظ الجزائر باستقلالية في موقفها من الإسلاميين، مما يعزز الاستقرار الداخلي ويعكس نجاح اندماجهم في الدولة ودعمهم لمؤسساتها.
بقدر ما ظلت العلاقة بين السلطة والإسلاميين في الجزائر، ما بعد الأزمة الأمنية، واضحة في خطوطها وتوافقاتها السياسية، بقدر ما ظلت معقدة ومتداخلة، لسببين، الأول أن السلطة نفسها لم ترس على تصور بعينه وبقيت حذرة تجاه هذا التيار، برغم كل ما بذله الإسلاميون من مراجعات لعقلنة وتطوير أدائهم السياسي، والثاني أن الإسلاميين أنفسهم ليسوا على نفس المسافة من السلطة ومؤسسات الحكم.
في الفترة الأخيرة، برز ملمح جديد وتطور لافت في هذه العلاقة، بعد شبه بيان رسمي نشرته وكالة الأنباء الجزائرية، تضمن تقريعاً شديداً للحزبَين الإسلاميَّين البارزين، حركة مجتمع السلم (معارضة)، وحركة البناء الوطني (موالاة)، بسبب مواقف عبر عنها الحزبان تجاه قضايا خارجية (تصويت الجزائر لصالح القرار الأميركي الخاص بغزة) وداخلية (ملاحقة نخب محلية). لم تفرق السلطة هذه المرة بين إسلامي موالٍ داعم للحكومة وخاض حملة انتخابية لصالح الرئيس عبد المجيد تبون في انتخابات سبتمبر/أيلول 2024، وإسلامي في المعارضة يمارس حداً مقبولاً من الاعتراض على السياسات العمومية.
قد يكون جمع السلطة هذه المرة، وعلى غير العادة، (ولو تلميحاً) الإسلاميين في سلة واحدة، وتوصيفهم بانتهاك الدستور والتحامل والمساس بصلاحيات الرئيس، هو ما دفع بعض التقديرات للمبالغة في تقديم قراءات حول هذا التطور في العلاقة بين السلطة والإسلاميين، والاعتقاد بأن القطيعة باتت أقرب من التوافق، خاصة في ظل توجه دولي وإقليمي يدفع بقوة باتجاه التخلص مما تعتبره الدوائر الغربية "العبء الإسلامي". والمقصود هنا ما إذا كان موقف السلطة هذا، له علاقة بتطور الموقف الدولي من التيار الإسلامي. ليس هناك ما يمكن الجزم بشأنه في هذا السياق، لكن الحالة الجزائرية في العلاقة مع التيار الإسلامي كانت دائماً متمايزة وذات خصوصية محلية، تمنعها من الانسياق إلى القراءات والخيارات الإقليمية والدولية، وظلت تحتفظ باستقلالية لافتة في الموقف من التيارات السياسية، وكان هذا عاملاً مساعداً للدولة الجزائرية في تعزيز الاستقرار الداخلي، وتجاوز الكثير من المراحل الصعبة.
وهناك ما يعزز استقلالية الحالة الجزائرية بهذا الشأن عن المؤثر الإقليمي والدولي بالضرورة. ويكشف رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي في حوار نشرته "الخبر" الجزائرية عام 2014، جانباً مهماً من نقاشات جمعته مع الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة، ويقول إن "الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نقل رسالة من قائد عربي إلى بوتفليقة للمساعدة في تصنيف تنظيم الإخوان بالإرهاب، لكن بوتفليقة رفض ذلك وقال للسيسي، إخواننا غير إخوانكم، إخواننا ساعدوا الدولة في عز محنة الإرهاب".
من سوء حظه، فإن التيار الإسلامي هو الوحيد بين كل التيارات السياسية العضوة في المشهد الجزائري، الذي يتأثر حضوره وانكفاؤه، تقدمه وتأخره، بالمعطى الإقليمي والدولي في الغالب. وقد تكون للسلطة في الجزائر أسبابها التي تبقيها متوجسة وغير مطمئنة تماماً للتيار الإسلامي، بغض النظر عن وجاهة هذه الأسباب وموضوعيتها، غير أنه لا يمكن إنكار أن الجزائر ما زالت تمثل أفضل تجربة اندماج للتيار الموصوف "بالإسلام السياسي" في كنف الدولة، والمساهمة الإيجابية في عزل التطرف، وتبني مشروع الدولة الوطنية وإسناد مؤسساتها الحيوية والصلبة، بعيداً عن أسلوب "التمكين"، أو غايات "الهيمنة". ثم إن البلد بوضعه القائم، أكثر احتياجاً للتوافق مع استحقاقات الداخل على حساب ضغوط الخارج.