الجزائر... إصلاح أم تغيير؟

23 سبتمبر 2020
الصورة
الجزائريون مقتنعون بضرورة التغيير (بلال بن سالم/ Getty)
+ الخط -

طالب الجزائريون خلال الحراك الشعبي بالتغيير، واختارت السلطة الإصلاح، على الرغم من اقتناع المواطنين بأن النظام السياسي القائم لم تبق في ثوبه رقعٌ للإصلاح، بسبب توالي مشاريع الإصلاح الفاشلة منذ عام 1989 على الأقل، والتي كانت تصل دائماً إلى حلقةٍ مفرغة، ولقناعةٍ مشتركة لديهم بأن الدولة في مأزق، وتحتاج إلى تغييرٍ جذري لقواعد الحكم وهيكلة المؤسسات ومنظومات تدبير الشأن العام. الفرق كبير بين المسارين، التغيير والإصلاح، من الناحية النظرية، أو من ناحية الأدوات والفاعل المؤسس لكليهما. يمثل خيار الإصلاح بالنسبة للنظام الجزائري، في الغالب، عملية هروب إلى الأمام من الأزمة ومواجهة المشكلات السياسية القائمة. يحدث الإصلاح من داخل النظام أساساً، وبأدواته التي تكون صدئة في حدّ ذاتها. ويمكن ملاحظة أن محتوى مشروع الإصلاح السياسي المطروح حالياً صاغته السلطة منفردة، وأقصى دور للمجتمع السياسي كان تقديم مقترحات غير ملزمة. بينما يفرض مطلب التغيير أن تكون المكونات السياسية الملتزمة بالمسألة الديمقراطية، الطرف الرئيسي، ومشارك فاعل في هندسة التحول الديمقراطي.
أثبتت التجربة الجزائرية أن الإصلاح يُهدر الوقت، ويطيل من عمر الأزمة، قبل أن ينتهي إلى إعادة إنتاجها مجدداً، إذ لم تخرج الجزائر من أزماتها السياسية المتتالية منذ عقود، على الرغم من تنفيذ عشرات خطط الإصلاح. من جهته، يكون مشروع التغيير أكثر احتراماً لعامل الزمن واستشرافاً للأفق ومقتضياته، ويشتغل على تفكيك عوامل الأزمة وعوارضها. الإصلاح يستثمر في الهوامش والشكل العام، بينما يذهب التغيير إلى العمق والمضمون السياسي والثقافي. الإصلاح يكتفي بتغيير المسميات (من مجلس دستوري إلى محكمة دستورية مثلاً)، أما التغيير فيستبدل القواعد المؤسسة للحكامة وتدبير الشأن العام. يطرح الإصلاح مقاربات بيروقراطية للمأزق السياسي، كاستحداث وتضخم المؤسسات الوسيطة، بينما يرتكز التغيير على حلول ديمقراطية يكون فيها معنى المؤسسة مرتبطاً بالكلفة والنجاعة. ينطلق الإصلاح من داخل مربع الخوف ونوازع المؤامراتية (كما يجري الآن تحديداً) ويتجنب معالجة الأسئلة الجادة، بينما يعتمد التغيير على تحرير المبادرة ويطرح الأسئلة الضرورية بكل جرأة ومسؤولية.
عند إجراء المقارنات الضرورية بين العناوين الكبرى لمطالب التغيير السياسي المعلنة في حراك فبراير، والمتغيرات المتضمنة في مسودة الدستور المعروضة للاستفتاء، يظهر أن الدستور يمثل "لائحة" التنازلات الممكنة التي تعرضها السلطة على الجزائريين. هذه التنازلات قد توسع بعض الهوامش، لكنها لن تحدث تغييرات عميقة في البنية السياسية وطبيعة العلاقة بين المؤسسات. السلطة نفسها ترغب في أن يؤدي ذلك إلى "إصلاح مُراقب" ومحدود، لا يفقدها القدرة المركزية على التحكم في سيرورة ومخرجات هذه الإصلاحات.
هذه حدود تنازلات النظام، أكثر من أنها تمثل أفكار الرئيس عبد المجيد تبون نفسه. على سبيل المثال لا الحصر، الرئيس تبون كان قد تعهّد بإلغاء الغرفة الثانية للبرلمان، لكنه لم يتمكن من إلغائها في الدستور الجديد بنفس تركيبته المتضمنة الثلث المعطل، للسيطرة على المخرجات التشريعية للبرلمان المنتخب مستقبلاً. في مقابل قناعة الجزائريين بضرورات التغيير، هناك أذن صمّاء لدى السلطة والمؤسسة الحاكمة.