التيار الصدري... إعادة بناء الحضور بعيداً عن السياسة
استمع إلى الملخص
- انسحاب التيار من البرلمان أتاح لتحالف الإطار التنسيقي تشكيل حكومة جديدة، بينما استمر التيار في التأثير الاجتماعي والديني، مما يعكس قدرته على تعبئة الشارع عند الضرورة.
- مستقبل التيار الصدري السياسي غير مؤكد، لكنه يظل قوة اجتماعية ودينية مؤثرة، مما يشير إلى إمكانية عودته للساحة السياسية بشروط أفضل.
منذ إعلان زعيم التيار الوطني الشيعي (التيار الصدري سابقاً) في العراق، مقتدى الصدر، اعتزاله العمل السياسي، منتصف يونيو/حزيران 2022، تشهد الساحة العراقية مساراً مختلفاً في تموضع أحد أبرز القوى الشيعية التي أثرت في مسار الأحداث خلال العقدين الماضيين.
التيار الصدري الذي اعتاد أن يكون رقماً صعباً في تشكيل الحكومات وصناعة القرارات، يظهر اليوم أكثر حضوراً في الفعاليات الدينية والجماهيرية، إلى جانب التشديد على البعد العقائدي وتعزيز الروابط التنظيمية والاجتماعية داخل قواعده الشعبية. هذا التحول لا يأتي بمعزل عن إرث طويل من المشاركة السياسية، اتسم تارة بالمواجهة وتارة أخرى بالتحالفات، قبل أن يصل إلى قرار الانسحاب من سباق السلطة وما يرتبط بها من صراعات. ومع ذلك، فإن عودة التيار الصدري إلى "العمق الشعبي" باتت تقرأ من قبل مراقبين على أنها ليست مجرد انعزال، بل إعادة تموضع محسوبة قد تحمل رسائل متعددة، سواء تجاه الخصوم السياسيين، أو الرأي العام الذي ظل يمثل ركيزة نفوذه الأساسية.
لماذا انسحب التيار الصدري من السياسة؟
ومع تراكم التحديات الداخلية، من تعثر استكمال استحقاقات ما بعد الانتخابات البرلمانية في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، واستمرار التوتر بين القوى المتنافسة، إلى جانب المتغيرات الإقليمية ذات التأثير المباشر على العراق، تتصاعد التساؤلات، هل يُمثّل هذا الانسحاب مرحلة انتقالية لالتقاط الأنفاس؟ أم أنه فصل جديد في استراتيجية تعتمد الصبر والانتظار لحين توفر لحظة سياسية أكثر ملاءمة؟ وهل يمكن للتيار أن يبقى طويلاً خارج دائرة التأثير في ظل ديناميات متغيرة قد تستدعيه إلى الساحة مجدداً؟
مجاشع التميمي: التيار الصدري تاريخياً يجيد توظيف العمل الديني والشعبي رافعةً سياسية
وكان الصدر انسحب، في 15 يونيو 2022، من العملية السياسية في البلاد، مؤكداً عدم المشاركة في أي انتخابات مقبلة حتى لا يشترك مع الساسة "الفاسدين". وجاء ذلك خلال اجتماعه في النجف وقتها بنواب الكتلة الصدرية الذين قدموا استقالاتهم من البرلمان بعد 8 أشهر على إجراء الانتخابات التشريعية. وعقب ذلك، تمكن تحالف الإطار التنسيقي، من تشكيل حكومة محمد شياع السوداني، بالاتفاق مع الأحزاب السنية والكردية. ونظّم الصدريون خلال الأشهر الأخيرة، مجموعة كبيرة من الفعاليات الاجتماعية الشعبية والدينية، في مناطق مختلفة من جنوب البلاد ووسطها وبغداد، كان أبرزها برامج تبرع شعبية لمرضى وفقراء ومحتاجين، ضمن حملات تكافل اجتماعية، لاقت قبولاً واسعاً في البلاد.
مجاشع التميمي، الناشط السياسي المقرب من التيار الوطني الشيعي، تحدث لـ"العربي الجديد"، عما بعد إعلان التيار الصدري اعتزاله العمل السياسي، بالقول إنه "اتجه بشكل واضح إلى تكثيف حضوره في الفضاءين الديني والشعبي، وهو تحول لا يمكن قراءته بوصفه انسحاباً، بقدر ما هو إعادة تموضع محسوبة". وبين أن "هذا الانغماس في الأنشطة الدينية والخدمات الاجتماعية يعكس حرص التيار الحفاظ على قاعدته الجماهيرية وتنظيمه المجتمعي، بعيداً عن كلفة الاشتباك السياسي المباشر وما يرافقه من استنزاف وصدامات داخلية".
وأضاف التميمي: "من حيث الدلالات، يمكن اعتبار هذا السلوك جزءاً من رسائل سياسية غير معلنة، مفادها أن التيار ما زال حاضراً ومؤثراً وقادراً على تعبئة الشارع عند الحاجة، لكنه يختار التوقيت والأدوات. التيار الصدري تاريخياً يجيد توظيف العمل الديني والشعبي رافعةً سياسية، حتى في فترات الإقصاء أو المقاطعة. لذلك فإن الصمت السياسي الحالي لا يعني فقدان القدرة على العودة أو التأثير". وتابع: "أما بخصوص مستقبل الاعتزال، فمن الصعب الجزم باستمراره على المديين المتوسط أو البعيد، فطبيعة النظام السياسي العراقي، والتحولات الداخلية داخل البيت الشيعي، إضافة إلى المتغيرات الإقليمية والدولية، قد تفرض لحظة يرى فيها التيار أن العودة ضرورة لحماية جمهوره أو إعادة التوازن داخل المعادلة السياسية، وعليه، فإن التيار الصدري قد يكون معتزلاً شكلياً، لكنه عملياً في حالة ترقب استراتيجي، يراقب المشهد من الخارج بانتظار اللحظة التي تضمن له عودة فاعلة وبكلفة أقل وشروط أفضل".
هل يعود الصدر عن اعتزال السياسة؟
من جهته، قال السياسي المستقل نبيل العزاوي، لـ"العربي الجديد"، إن انغماس التيار الصدري بالأنشطة الدينية الشعبية بالفترة الأخيرة "لا يعني بتاتاً أنه قد ترك العملية السياسية، والتي يعد من أحد مؤسسيها وداعميها ومن أهم دعائمها وركائزها من 2005 إلى أن غادرها وهو يملك العدد الأكبر من المقاعد بها (البرلمان)، لكنه وإن قاطعها فإنه لا يزال مراقباً لكل ما يجري الآن من مفاوضات وغيرها". وبين العزاوي أن الأطراف السياسية الشيعية الأخرى "تراقب ردات فعل مقتدى الصدر باهتمام كبير، لكن كل المؤشرات تذهب الى أن التيار الصدري لن يبقى معتزلاً الى ما لا نهاية للعمل السياسي، لأنه مؤمن بالعملية السياسية وبكل مخرجاتها، لكن وفق معادلات التغيير وليس معادلات التدوير الحالية".
محمد علي الحكيم: مستقبل اعتزال التيار مرتبط بمجموعة من المتغيرات الداخلية والإقليمية
بالمقابل قال الباحث في الشأن السياسي محمد علي الحكيم، لـ"العربي الجديد"، إن "توجه التيار الصدري نحو تكثيف نشاطه الديني والشعبي بعد إعلان اعتزاله العملية السياسية يمثل تحولاً مدروساً في أسلوب حضوره داخل المجتمع العراقي". وبين أن "هذا النشاط، رغم طابعه غير السياسي، لا يخلو من رسائل غير مباشرة تعكس رغبة التيار في الحفاظ على تأثيره الجماهيري وتهيئة قنوات بديلة للتواصل مع قواعده". وأضاف الحكيم أن "التيار الصدري يمتلك بنية اجتماعية واسعة، ما يجعل الأنشطة الدينية والشعبية إحدى أدواته الطبيعية للحفاظ على تماسكه وتنظيمه الداخلي، واستمراره في هذا المسار قد يشير إلى محاولة ترسيخ الاعتزال خياراً مرحلياً دون خسارة موقعه في المشهد العراقي". وأكد أن "مستقبل هذا الاعتزال يبقى مرتبطاً بمجموعة من المتغيرات الداخلية والإقليمية، والتي قد تدفع التيار إما إلى مواصلة الابتعاد عن السياسة أو إعادة النظر في موقعه حسب طبيعة التطورات المقبلة".
ورغم انسحاب التيار الصدري من المؤسسات التشريعية والتنفيذية، فإن وزنه الاجتماعي والديني والتنظيمي ما زال حاضراً بقوة على الأرض، خصوصاً في مناطق جنوب العراق ووسطه، الأمر الذي يبقي حضوره السياسي غير المباشر عاملاً لا يمكن تجاهله في أي حسابات تخص الحكومة المقبلة. جمهور التيار الصدري، الذي اعتاد في مراحل سابقة لعب دور "الفاعل الميداني" في الضغط على الحكومات، كما حدث خلال ولايات نوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي، لا يزال يحتفظ ببنية تنظيمية قادرة على التعبئة السريعة والتأثير في الشارع، خصوصاً في لحظات الأزمات.
ويعتبر التيار الصدري من أبرز الحركات السياسية والدينية في العراق منذ العام 2003، ويتميز بقاعدته الشعبية الكبيرة والمرنة، التي تمتد بين المدن الكبرى والقرى، خاصة في بغداد، النجف، كربلاء، والبصرة. وأسس هذه الحركة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر الذي جمع بين الخطاب الديني والاجتماعي والسياسي، وقدرته على التأثير في الشارع، ما جعل من التيار لاعباً مؤثراً على مدى العقدين الماضيين. ودخل التيار الصدري العملية السياسية منذ أول انتخابات برلمانية بعد سقوط نظام صدام حسين، وحقق نجاحات متتالية في البرلمان، كما تولى بعض وزرائه مناصب تنفيذية في الحكومات المتعاقبة. ومع ذلك، فإن تاريخه السياسي شهد تقلبات حادة بين الانخراط الكامل في الحكم والمقاطعة أو الانسحاب.