التمادي الإسرائيلي في الجنوب السوري: رسائل حربية لدمشق

07 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
جنديان إسرائيليان على حاجز في القنيطرة، 11 يونيو 2025 (إد رام/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد مناطق الجنوب السوري توغلات إسرائيلية شبه يومية، تشمل اعتقالات وتجريف أراضٍ، بهدف ترسيخ النفوذ الإسرائيلي وخلق وقائع جديدة، مما يزيد من معاناة السكان المحليين.
- تهدف إسرائيل من خلال هذه التوغلات إلى الضغط على الحكومة السورية لتوقيع اتفاق أمني جديد، بدلاً من اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، في سياق إعادة ترتيب الأوضاع الأمنية بما يتناسب مع مصالحها.
- تتزامن هذه التحركات مع مفاوضات غير مثمرة بوساطة أمريكية، ومن المتوقع استمرار الضغوط خلال زيارة الرئيس السوري إلى واشنطن لبحث تهدئة التوترات.

لم يكتف جيش الاحتلال الإسرائيلي بالتوغل بشكل شبه يومي في عمق الجنوب السوري مع ما يصاحب ذلك من اعتقال مدنيين وتجريف أراضٍ وإرهاب السكان، بل عمد في الآونة الأخيرة إلى العمل على ترسيخ نفوذه لخلق وقائع ميدانية مختلفة عبر نصب بوابات حديدية على الطرق لخنق القرى وفصلها عن محيطها. كما عمدت قوات الاحتلال إلى تسيير مجموعات قتالية في الأراضي السورية منذ أواخر العام الماضي. وأمس الخميس توغلت مجموعة مؤلفة من أربع آليات عسكرية في قرية رويحينة بريف القنيطرة الجنوبي، وأقامت حاجزاً مؤقتاً وسطها ثم انسحبت من المنطقة. ويوم الأربعاء الماضي توغلت قوة إسرائيلية في ريف القنيطرة الشرقي ومنعت عمال المقالع والكسارات من الوصول إلى مواقع عملهم.

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول الماضي والقنيطرة (67 كيلومتراً جنوبي غربي دمشق) وريفها، مسرح تدخّل واعتداءات إسرائيلية على السيادة السورية، بحيث باتت هذه الاعتداءات مشهداً مألوفاً لدى السكان الذين يتعرضون للتضييق من قبل القوات الإسرائيلية من خلال سرقة مواشيهم، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، خصوصاً القريبة من الشريط الحدودي، أو من النقاط والقواعد العسكرية التي أقامها جيش الاحتلال داخل الأراضي السورية.


عبد الله الأسعد: يبدو أن جيش الاحتلال بصدد تجهيز مسرح عمليات قتالية


وتتصاعد هذه الممارسات التي بدأت منذ احتلال المنطقة العازلة ما بين سورية وهضبة الجولان المحتلة ومن ثم السيطرة على قمة جبل الشيخ الاستراتيجية، ليصبح مألوفاً التوغل في العمق السوري واعتقال أشخاص وإرهاب المدنيين وتجريف أراضٍ وتدمير مئات الدونمات من الغابات. ومنذ أيام أقامت قوات الاحتلال بوابة حديدية على طريق الحميدية - الصمدانية الغربية في ريف القنيطرة الجنوبي، بعد أن نصبت بوابة مماثلة قرب قرية الرواضي، في خطوة تصعيدية، وصفها ناشطون محليون، بأنها تهدف إلى عزل القرى والبلدات عن بعضها وللتضييق أكثر على السكان لدفعهم للنزوح عنها. ولا تقتصر التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري على محافظة القنيطرة، فريف درعا الغربي المتاخم لها هو الآخر عرضة بين وقت وآخر لتدخل، آخره كان قبل عدة أيام، حيث توغلت قوة إسرائيلية مؤلفة من 3 آليات في هذا الريف وصولاً إلى قرية معرية في منطقة حوض اليرموك.

تجهيز مسرح عمليات في الجنوب السوري

وتعليقاً على الخطوة الإسرائيلية بنصب بوابات حديدية في أكثر من مكان في ريف القنيطرة، رأى المحلل العسكري العميد عبد الله الأسعد، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "جيش الاحتلال الإسرائيلي كما يبدو بصدد تجهيز مسرح عمليات قتالية قادمة يتضمن تحديد قطاعات وتقسيم المناطق، وفتح طرق إمداد وإقامة نقاط استناد". وتابع: تقييد حرية المدنيين وإرهابهم من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي مقدمات لتهجيرهم عن مناطقهم وبيوتهم وأراضيهم.

وتشير كل المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن التمادي الإسرائيلي المفرط في انتهاك السيادة السورية بشتى الطرق يندرج في سياق ضغط على الإدارة السورية لتوقيع اتفاق أمني جديد على أنقاض اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 والتي أطاحت بها تل أبيب بعد يوم من سقوط نظام الأسد. وتريد دمشق اتفاقاً شبيهاً بتلك الاتفاقية، أو بتعديلات طفيفة بعيداً عن المطالب الإسرائيلية التي تطاول السيادة السورية على أرضها وأجوائها. لكن حكومة الاحتلال تريد ترتيبات أمنية مختلفة عن تلك التي كانت سائدة قبل الثامن من ديسمبر الماضي، لذا أقامت قواعد ونقاطاً عسكرية جديدة في ريف القنيطرة الجنوبي. وأكدت سورية أكثر من مرة التزامها بتلك الاتفاقية، وأنها لا تشكل أي خطر على دول الجوار بما فيها إسرائيل، التي كانت دمرت القدرات العسكرية السورية بعد سقوط نظام الأسد، وأعلنت عن وجود طويل الأمد في مناطق في الجنوب السوري أبرزها أعلى قمة في جبل الشيخ، يقول مسؤولو حكومة الاحتلال إنهم لن ينسحبوا منها، حتى في ظل ترتيبات جديدة مع الحكومة السورية.


أسعد الزعبي: قوات الاحتلال تضغط على الحكومة السورية لدفعها لتقديم تنازلات


وسبق أن أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع

أن الجيش الإسرائيلي نفذ أكثر من ألف غارة جوية وأكثر من 400 توغل منذ الإطاحة بنظام الأسد في ديسمبر الماضي. وخاض الجانبان السوري والإسرائيلي، عدة جولات تفاوض في أكثر من عاصمة (باكو وباريس ولندن)، بوساطة من المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك، قبل سبتمبر/أيلول الماضي، لم تفض إلى اتفاق أمني جديد. ومن المرجح أن يحضر هذا الملف بقوة أثناء زيارة الشرع إلى واشنطن، حيث سيلتقي الاثنين المقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض. ويُتوقع أن تضغط الإدارة على كل من دمشق وتل أبيب من أجل التوصل لاتفاق أمني يؤدي إلى تهدئة التوترات على الحدود، وقد يمهد الطريق أمام اتفاقيات أخرى تتعلق بمستقبل الجولان السوري المحتل منذ العام 1967، والتطبيع السوري مع إسرائيل.

الضغط على الحكومة السورية

ورأى المحلل العسكري العميد أسعد الزعبي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن ما تفعله قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب سورية له هدف واحد "وهو الضغط على الحكومة السورية لدفعها لتقديم تنازلات يطالب بها الرئيس الأميركي لوضع حل نهائي لمنطقة الجنوب السوري". وتابع: الضغط المستمر على الخاصرة الجنوبية الغربية لسورية من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي رسالة إلى لبنان ودول أخرى مفادها أن إسرائيل أصبحت الجهة المسيطرة والمهيمنة على المنطقة.

ومنذ بدء تدخلها في سورية دأبت قوات الاحتلال على اعتقال شبان ونقلهم إلى الجولان المحتل للتحقيق معهم. وتُطلق عادة هذه القوات سراح المعتقلين بعد أيام، ولكن مؤسسة "جولان" الإعلامية تؤكد اختطاف القوات الإسرائيلية 39 سورياً، منذ بدء عمليات التوغّل المتكررة في الجنوب السوري، بحسب مدير التحرير في المؤسسة، فادي الأصمعي، والذي بيّن لـ"العربي الجديد"، أن عمليات الاعتقال موثقة بالاسم الكامل والتاريخ، مشيراً إلى وجود قُصَّر بين المختطفين.