"التشيك أولاً": بابيش وتحالف اليمين المتطرف يغيّران وجه براغ الأوروبي
استمع إلى الملخص
- تتجه الحكومة الجديدة لتقليص الدعم العسكري لأوكرانيا ومعارضة الصفقة الخضراء الأوروبية، معتبرة أن سياسات الاتحاد في التحول المناخي تضر بالاقتصاد الوطني، مما يعكس تمرداً على التوجه الأوروبي نحو التحول الأخضر.
- يضم التحالف شخصيات مثيرة للجدل مثل توميو أوكامورا، ويسعى بابيش للظهور كزعيم براغماتي معتدل، مؤكداً على تحالف بلاده مع الناتو، مع التركيز على مصالح التشيك أولاً.
تشهد جمهورية التشيك تحولاً سياسياً لافتاً مع عودة الملياردير الشعبوي أندريه بابيش (71 عاماً) إلى رئاسة الحكومة، بعد فوزه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ليقود ائتلافاً يمينياً جديداً يُتوقع أن يعيد صياغة علاقة براغ مع الاتحاد الأوروبي. بابيش، الذي شغل المنصب ذاته بين عامي 2017 و2021، وقّع أمس الاثنين اتفاقاً حكومياً مع حزبي الحرية والديمقراطية المباشرة (SPD) القومي اليميني المناهض للهجرة، وسائقي السيارات، وهو حزب يميني متطرف نشأ حركة احتجاجية ضد سياسات المناخ الأوروبية وضد "التمييز ضد سائقي السيارات".
ويُعدّ هذا التحالف، الذي تشكل بعد شهر فقط من الانتخابات، تحولاً واضحاً نحو القومية المحافظة والشعبوية المتشددة في بلدٍ كان يُعتبر من ركائز الإجماع الأوروبي خلال العقدين الماضيين. وينصّ البرنامج الحكومي الجديد على رؤية مغايرة للاتحاد الأوروبي، تقوم على فكرة "أوروبا مختلفة"، أي مجتمع من الدول القومية ذات السيادة التي تتعاون "حيثما كان ذلك منطقياً"، مع الحفاظ على حرية القرار الوطني في الشؤون الداخلية. ويعكس هذا التوجه، بحسب المراقبين، رغبة الحكومة الجديدة في إعادة تعريف موقع التشيك داخل الاتحاد الأوروبي، على نحو يشبه الخطاب الذي يتبناه رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، ورئيس الحكومة السلوفاكي، روبرت فيكو.
تقليص الدعم لأوكرانيا ومعارضة الصفقة الخضراء
وتتجه الحكومة الجديدة إلى خفض المساعدات العسكرية لأوكرانيا، مع اعتماد مقاربة أكثر تحفظاً تجاه العقوبات الأوروبية المفروضة على موسكو. كذلك أعلن الائتلاف رفضه القاطع لما تُعرف بـ"الصفقة الخضراء الأوروبية"، معتبراً أن سياسات الاتحاد في مجال التحول المناخي تضر بالاقتصاد الوطني وتحدّ من حرية الأفراد في استخدام السيارات والطاقة الأحفورية.
ويرفع حزب سائقي السيارات شعاراً مثيراً للجدل يدعو إلى إلغاء مسارات الدراجات الهوائية في المدن التشيكية، باعتبارها "رمزاً لهيمنة السياسات الخضراء"، مؤكداً أن ازديادها "يقيد حق الناس في امتلاك سيارات واستخدام الوقود التقليدي (الأحفوري)". ويقول محللون إن هذه المواقف تعكس تمرداً صريحاً على التوجه الأوروبي نحو التحول الأخضر، واسترضاءً للناخبين الساخطين على ارتفاع تكاليف الطاقة وفرض القيود البيئية.
ويرى مراقبون في بروكسل أن صعود هذا الائتلاف الشعبوي قد يُضعف الجبهة الأوروبية المؤيدة لكييف، ويعزز محور التعاون بين براغ، وبودابست، وبراتيسلافا، وربما بولندا إذا عاد إليها حزب القانون اليميني المتشدد، أي دول مجموعة فيشيغراد، التي يقودها سياسيون قوميون متحفظون تجاه الاتحاد الأوروبي. ويخشى مسؤولو الاتحاد من أن يؤدي هذا الاصطفاف إلى عرقلة قرارات المناخ والهجرة داخل المجلس الأوروبي، ولا سيما إذا انضمت التشيك بفاعلية إلى الخط السياسي الذي يقوده أوربان.
وجوه مثيرة للجدل في التشيك: فاشية جديدة وشعبوية متشددة
ويضم التحالف شخصيات مثيرة للجدل، أبرزها توميو أوكامورا، زعيم حزب الحرية والديمقراطية المباشرة، المولود في اليابان لأم تشيكية وأب ياباني، والذي يُوصف بأنه قومي فاشي جديد. أوكامورا يدعو صراحة إلى انسحاب التشيك من الاتحاد الأوروبي، ووقف الهجرة بشكل كامل، وفرض رقابة على الإعلام.
أما شريكه في الائتلاف، زعيم حزب "سائقي السيارات" فيليب توريك، فهو سائق سباقات سابق يواجه اتهامات بالعنف الأسري وإطلاق تصريحات عنصرية وجندرية معادية للنساء وللمهاجرين والمثليين. ورغم هذا الطابع المتطرف لشركائه، يسعى بابيش للظهور بمظهر الزعيم البراغماتي المعتدل، مؤكداً أن بلاده "ستبقى حليفاً موثوقاً في حلف الناتو"، لكنها ستضع مصالح "التشيك أولاً"، وهو شعارٌ يذكّر بخطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب "أميركا أولاً".
ويختلف موقف بابيش عن المجري فيكتور أوربان والسلوفاكي روبرت فيكو في نظرته إلى موسكو. فبينما يُظهر الأخيران تعاطفاً مع الكرملين، يرى بابيش روسيا عدواً استراتيجياً، لكنه يرفض الانخراط في دعم أوكرانيا بالسلاح، معتبراً أن الأولوية يجب أن تُمنح لـ"الشعب التشيكي واقتصاده"، وسط معاناة مالية واقتصادية، وخصوصاً مع ارتفاع نسب التضخم. ويأمل بعض محللي بروكسل أن يعكس هذا الموقف قومية واقعية أكثر منها ولاءً لروسيا، إذ يسعى بابيش لتقليل التوتر مع موسكو دون كسر الإجماع الأوروبي كلياً.
نفخ الحياة في مجموعة فيشيغراد
وقبل توقيع الاتفاق الحكومي، أعلن بابيش رغبته في "إحياء التعاون الإقليمي مع المجر وبولندا وسلوفاكيا"، ما اعتبرته الأوساط الأوروبية إشارة إلى محاولة إعادة تنشيط محور فيشيغراد بكونه قوة ضغط داخل الاتحاد. لكن الانقسام داخل المجموعة حول الحرب في أوكرانيا قد يُضعف هذا المسار، إذ تواصل بولندا، رغم قوميتها، تقديم دعم قوي لكييف، على عكس المجر وسلوفاكيا اللتين تميلان إلى الحوار مع موسكو.
وفي الداخل، يواجه الائتلاف الجديد احتجاجات متزايدة، حيث خرج الآلاف إلى شوارع براغ الأسبوع الماضي رفضاً لمشاركة حزب الحرية والديمقراطية المباشرة في الحكومة، معتبرين أن ذلك "يمثل انحرافاً نحو الفاشية الجديدة". ويخشى البعض من أن يقود هذا التحالف إلى مزيد من الاستقطاب السياسي والمجتمعي في البلاد، على غرار ما شهدته سلوفاكيا والمجر خلال السنوات الماضية.
وبينما تستعد المفوضية الأوروبية للتعامل مع "شريك غير متوقّع" جديد، يُجمع المحللون على أن براغ اليوم ليست كما كانت بالأمس، لا في عهد الاشتراكية القديمة ضمن تشيكوسلوفاكيا، ولا في مرحلة الاندماج الأوروبي التي تلت سقوط الكتلة الشرقية.