التدخل الروسي في سورية: 5 سنوات من الهيمنة بلا حسم

30 سبتمبر 2020
الصورة
شكل التدخل العسكري في سورية نقطة تحوّل مهمة لروسيا (سامر عويد/الأناضول)

بعد خمس سنوات على تدخلها العسكري في سورية، وعلى الرغم من نجاحها في تغيير ميزان القوة العسكرية لمصلحة النظام، بما في ذلك إعلان وزير الخارجية سيرغي لافروف أخيراً عن انتهاء مرحلة المواجهات العسكرية في سورية، فضلاً عن فرض أجندتها في ما خصّ المسار السياسي لحل الأزمة، وتفريغ القرارات الأممية والاتفاقات من مضمونها وتحويرها بما يخدم مصالحها ومصالح النظام، إلا أنّ روسيا غير قادرة حتى اليوم على إعلان "النصر النهائي". ومع نجاحها في فرض وصايتها على معظم الأراضي السورية، والتي تحولت إلى حقل تجارب لبعض أسلحتها طوال سنوات المعارك، ما تزال روسيا في حاجة ماسة إلى التوافق مع الأطراف الإقليمية والدولية على خريطة لتسوية تجمع بين الحفاظ على مصالحها الجيو-استراتيجية والاقتصادية في سورية كقاعدة لوجود دائم في المياه الدافئة شرق المتوسط وشمال أفريقيا، والبدء بالخطوة الأهم وهي ضمان الخروج الآمن بعد إطلاق ورشة إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد السوري، مع نيل حصة وازنة من "الكعكة" السورية تلبي طموحات النخب الاقتصادية الروسية، وتعوّض تكاليف الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري المتواصل لنظام بشار الأسد. وتدرك روسيا جيداً أنّ ما حققته في الميدان لن يكون ممكناً بلوغه على نفس القدر في السياسة، خصوصاً في ظلّ الضغط الأميركي المباشر؛ سواء من خلال الإصرار على عدم الانسحاب من شمال شرق سورية، أو من خلال إقرار قانون قيصر (يفرض عقوبات على النظام والمتعاونين معه)، الذي ترى فيه واشنطن أنه "يقوي الأدوات المتاحة للولايات المتحدة لإيجاد حل سياسي للصراع السوري". كما تحضر تباينات موسكو مع أنقرة حول عدد من الملفات في سورية، فيما تواجه علاقتها بطهران تحديات متراكمة لا سيما مع تجاهل روسيا للغارات الإسرائيلية على مواقع إيران ومليشياتها.
أما في الاقتصاد، فلم توفر موسكو فرصة لقبض ثمن تدخلها من خلال "الاتفاقات" والعقود التي أبرمت على مدى السنوات الماضية. ويشكل منح روسيا عقد استثمار ميناء طرطوس لمدة 49 عاماً يمدد بشكل تلقائي لـ25 عاماً آخر، وإعطاء شركات روسية حق التنقيب عن النفط، عينة عن القضم الروسي التدريجي على مدى السنوات الماضية لأهم المرافق والموارد السورية.
وشكل التدخل العسكري غير المسبوق في سورية خريف 2015، نقطة تحوّل مهمة في تاريخ روسيا، وسُجل كأول تدخل عسكري للجيش الروسي خارج حدود الاتحاد السوفييتي البائد. ومهّد التدخل لمرحلة انخراط مباشر في الأزمة السورية، وانتهاء مرحلة إدارتها عبر الدعم الدبلوماسي بتعطيل مجلس الأمن والمنظمات الدولية، والسياسي والاقتصادي، وتزويد النظام بحاجته من الأسلحة، ومنحه وقتاً لحسم الموقف مع حلفائه على الأرض، وإنهاء الثورة.

لا يخفي مسؤولو روسيا أن سورية كانت ساحة لتجريب الأسلحة

إنقاذ النظام
وبعد فقدان النظام السيطرة على معظم الأراضي السورية، وإثر مناشدات من إيران، قررت روسيا التدخل لحماية النظام الآيل للسقوط والذي بات قصر رئيسه تحت مرمى صواريخ المعارضة في الغوطة الشرقية لدمشق، وخسر محافظة إدلب بالكامل، مع ما يعنيه ذلك من تهديد على خزان النظام البشري في جبال الساحل، وفصل العاصمة الاقتصادية حلب بالكامل عن دمشق وحمص. وبدأت روسيا بشنّ غاراتها الجوية لتثبيت النظام ضمن ما اصطلح على تسميته "سورية المفيدة"، كهدف أولي، غربي الطريق الدولي الواصل بين درعا جنوباً وباب الهوى شمالاً، مروراً بدمشق والقلمون وحمص وحماة، وكان واضحاً أنّ الغارات الروسية الكثيفة ركزت على المعارضة المعتدلة أساساً مع استهداف محدود لجبهة "النصرة" (هيئة تحرير الشام لاحقاً) وتنظيم "داعش" الإرهابيين.

حرب استباقية
وبحسب التصريحات الرسمية، فإنّ التدخل مثّل "حرباً استباقية على الإرهاب"، فقبل أيام على التدخل، كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صراحة، في تصريحات لمحطتي "سي بي أس" و"بي بي أس" الأميركيتين، أنّ ما يدفع بلاده إلى دعم بقاء الأسد يتمثّل في أنّ "هناك في سورية أكثر من ألفي مقاتل من الاتحاد السوفييتي السابق". وزاد أنّ "ثمة خطورة في أن يعودوا إلى بلادنا، والأفضل أن نساعد الأسد على قتالهم هناك في الأراضي السورية، ولا ننتظر لحين عودتهم إلينا، هذا هو أهم دافع لمساندة الأسد". وفي خطابه خلال الدورة السنوية للأمم المتحدة في 28 سبتمبر/أيلول 2015، أي قبل يومين من التدخل، مهّد بوتين لانتقال موسكو من الدعم السياسي والعسكري اللوجستي لنظام بشار الأسد، إلى المشاركة بقوة في الحرب إلى جانب جيش النظام وحلفائه الإقليميين. وبدا واضحاً أنّ بوتين أراد إيصال الرسالة بأنه سوف يتدخل، خصوصاً مع توجيهه انتقادات لاذعة للأمم المتحدة "عديمة الفعالية"، وتشديده على ضرورة مراعاة مبدأ "سيادة الدولة" في وجه محاولات "تصدير التجارب الاجتماعية وتشجيع التغيّرات في بلدان ما انطلاقاً من مبادئ أيديولوجية" في انتقاد ضمني لخطاب الرئيس السابق باراك أوباما وقتها، إضافة إلى تجاهله دعوة الأخير إلى مرحلة انتقالية في سورية كمدخل لحل الأزمة. وكان لافتاً أنّ بوتين في خطابه المذكور، وضع كل المعارضة السورية في سلة واحدة (داعش) بادعاء أنّ "المعارضة المعتدلة إلى جانب داعش"، وتأكيده أنّ التدخل العسكري يندرج في إطار حرب يجب على روسيا أن تخوضها، وعبَّر عن ذلك بالقول إنه "في الدولة الإسلامية ومعسكراتها يمرّ مسلحون من مختلف دول العالم، ومنها روسيا، ولا يمكن السماح لهؤلاء قاطعي الرؤوس بالعودة إلى روسيا". عملياً، فإنّ خطاب بوتين أعلن بوضوح عدم صلاحية بيان "جنيف 1" المتوافق عليه في 30 يونيو/حزيران 2012 كأساس للحل، وكشف أنّ موسكو ترمي إلى التغيير واشتقاق مسارات تفاوضية برزت لاحقاً بعد إعادة السيطرة على حلب نهاية 2016، عبر مسار أستانة، ولاحقاً عبر مؤتمر سوتشي في يناير/كانون الثاني 2018.

حقل تجارب
ومع استمرار العملية العسكرية، وعلى مبدأ المثل الروسي "الشهية تأتي مع الطعام"، وسعت روسيا أهدافها لتشمل إعادة جميع الأراضي إلى سيطرة النظام عبر اتفاقات "مصالحة" (تسويات مع فصائل سابقة في المعارضة) بعد عمليات عسكرية، وصفقات مع الأطراف الاقليمية الفاعلة على الأرض. وبرزت أهداف المؤسسة العسكرية بتجريب مختلف صنوف الأسلحة في "حقل الرماية السورية"، ولا يخفي المسؤولون الروس أنّ سورية كانت ساحة لتجريب الأسلحة الحديثة وتطويرها في ظروف حرب حقيقية، ما أسهم في زيادة مبيعات الأسلحة تحت وسم "جُرّب في سورية".
وفي إبريل/نيسان من العام الحالي، أشار بوتين أثناء اجتماع لجنة التعاون العسكري-التقني مع الدول الأجنبية، إلى أنّ "الزيادة الحاصلة في تصدير الأسلحة الروسية إلى دول العالم، على الرغم من المنافسة الشديدة في هذا المجال، يقف وراءها الاختبار العملي لهذه الأسلحة في سورية"، مؤكداً أنّ "الاختبار العملي الناجح للسلاح الروسي في الخارج، وخصوصاً في سورية أكد فعاليته". وكشف بوتين حينها أنّ بلاده نفّذت خططها لتصدير السلاح في عام 2019 بنسبة بلغت 102 في المائة، وذكر أنّ روسيا "تمكنت من بيع معدات عسكرية بقيمة تتجاوز الـ15 مليار دولار، كما أنّ لديها طلبات حالية تزيد عن 55 مليار دولار".

بات من الصعب على روسيا المحافظة على العلاقات المتوازنة بين جميع الأطراف المنخرطة و"المستثمرة" في الأزمة السورية

ورقة في الصراع مع الغرب
ولا يمكن فصل التدخل العسكري في سورية عن الظروف الدولية التي نشأت بعد الحرب في شرقي أوكرانيا، وضم شبه جزيرة القرم ربيع 2014، وما تلا ذلك من عقوبات غربية موجعة أدت إلى انكماش كبير في الاقتصاد الروسي وتراجع دخل المواطنين في شكل ملموس. ويبدو أنّ النخبة السياسية قررت الهروب إلى الأمام من مشكلاتها الداخلية، عبر تسويق التدخل على أنه عودة لروسيا كقوة عالمية عظمى لا يمكن تجاهلها في جميع النزاعات الاقليمية، وتستطيع الدفاع عن مصالحها في أي مكان، مستغلةً تردّد إدارة أوباما وانكفاءها عن الملف السوري. ومن المؤكد أنّ الكرملين قرر التسلح بالورقة السورية في مواجهة الغرب، وإشهارها في أي صفقة شاملة معه.
ومن الواضح أنّ إسراع روسيا لمنع سقوط النظام ينطلق أساساً من موقفها الرافض لحركات "الربيع العربي" وتصنيفها على أنها ضمن إطار "الثورات الملونة"، وخوفها من انتقال الاحتجاجات إلى "حديقتها الخلفية" في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، واندلاع موجة جديدة ضدّ حكام المنطقة المتشابهة في ظروفها مع أوضاع البلدان العربية من الحكم الدكتاتوري إلى الفساد المستشري وغياب الحريات الأساسية. وفي محاضرة ألقاها في مارس/آذار 2017 بموسكو، قال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، إنّ التدخل الروسي في سورية مكّن من كسر ما وصفها بـ"سلسلة الثورات الملونة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". ولفت إلى أنّ "العمليات الروسية في سورية أدت إلى حلّ قضية جيوسياسية، فضلاً عن وضع حدّ للثورات التي اجتاحت المنطقة".

النصر المؤجل
لا يمكن تجاهل نجاح روسيا بإدارة الأزمة، دبلوماسياً وسياسياً، في منع معاقبة النظام ومنحه هامشاً زمنياً طويلاً لكسر إرادة السوريين، ويُسجل أنها انتقلت في الوقت المناسب إلى الانخراط المباشر في الأزمة عسكرياً، ولكن استراتيجية الخروج وقطف الثمار دونها عقبات كثيرة تدركها موسكو، ولهذا فإنها عمدت إلى "تبريد" الصراع عبر رسم خطوط تماس بين القوى الباقية على الأرض بانتظار "صفقة كبرى" لتسوية سياسية تكون مدخلاً لعملية إعادة الإعمار. وفي حين استطاعت موسكو باستخدام "القوة المفرطة" إعادة معظم المساحات إلى سيطرة النظام، فإنّ أيّ تقدم في شمال غربي سورية يعني صداماً مباشراً مع تركيا وهو ما تتجنبه موسكو. كما أنّها لا تستطيع التقدم في مناطق شرق الفرات بسبب الوجود الأميركي، ما يحرمها مع النظام من امكانية التخفيف من تبعات قانون "قيصر"، والمساعدة في دعم الاقتصاد شبه المنهار باستخدام موارد النفط والغاز والمحصولات الزراعية الاستراتيجية في المنطقة التي تشكل نحو ثلث مساحة سورية. وبات من الصعب على روسيا المحافظة على العلاقات المتوازنة بين جميع الأطراف المنخرطة و"المستثمرة" في الأزمة السورية. في بداية تدخلها، استطاعت موسكو ضمان صمت بلدان الخليج العربي انطلاقاً من أنّ أجندة التدخل الروسي ذات الطموح العالمي وغير المبنية على أساس طائفي، أفضل كثيراً من أجندة إيران في المنطقة. كما عملت على إشراك تركيا وإيران في مسار أستانة على الرغم من اختلاف اصطفافاتهما مع نظام الأسد وضده، وحافظت على علاقات جيدة مع إسرائيل وراعت مصالحها، على الرغم من أنّ بعض "عتاة" الممانعة يصنفونها في محور واحد من بيروت إلى الصين مروراً بدمشق وبغداد وطهران وموسكو.
ولا يبدو أنّ التكتيكات الروسية سوف تنجح في المرحلة المقبلة من المحافظة على هذه التوازنات. ومن الواضح أنّ علاقات موسكو وطهران في سورية أمام امتحان صعب بسبب موقف روسيا "غير المبالي" من الغارات الإسرائيلية على مواقع إيران ومليشياتها في سورية، إضافة إلى تنافس الطرفين على تحقيق مكاسب اقتصادية لإعادة ما قدمتاه من دعم للنظام. ولا شكّ في أنّ بلداناً خليجية، وعلى رأسها الإمارات والسعودية، لن تقبل ضخّ أي استثمارات في سورية لإنقاذ النظام من دون تلبية طلب خروج إيران، ولعل الأخطر أن تتحوّل سورية مرة أخرى إلى ساحة حرب بالوكالة بين الطرفين.

استراتيجية الخروج وقطف الثمار دونها عقبات تدركها موسكو

ومن المؤكد أنّ التدخل العسكري الروسي غيّر بشكل كبير المعادلتين العسكرية والسياسية، واستطاعت موسكو بالفعل أن تفرض أجندات مختلفة على المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، واحتواء كل ردود الفعل الإقليمية والدولية، وتهميش دور الأمم المتحدة، ومن ثمّ إلحاقها بعجلة مشاريع المطبخ السياسي الروسي، إن صح التعبير، بعد أن أفرغت بيان مؤتمر "جنيف 1" من مضمونه، بتبني تفسيرات خاصة لما ورد في البيان، لا سيما في ما يتعلق بـ"إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها تهيئة بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية". إذ أصرّت روسيا على أن يبقى بشار الأسد على رأس الهيئة المقترحة. كما عطلت تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة وخصوصاً القرار 2254.
وفي المقابل، لا يمكن الحديث عن نصر روسي بائن بقطف ثمار سياسية استراتيجية، من دون تسوية سياسية شاملة للأزمة السورية لم تنضج بعد. وفي مقابل الاستعجال الروسي، يبدو أنّ الولايات المتحدة غير مستعدة لدفع أي ثمن لروسيا، ومع إقرارها قانون قيصر، وعدم انسحابها من شمال شرق سورية، تمسك موسكو بأهم ملف وهو إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد السوري، وهو الملف الحاسم للوصول إلى الاستقرار في سورية وضمان استراتيجية الخروج بنجاح وإعلان النصر النهائي. ومن المؤكد أنّ موسكو وحلفاء النظام ليسوا قادرين على تغطية خسائر الاقتصاد السوري منذ 2011، والمقدرة حسب تقرير أممي حديث بنحو 442 مليار دولار، وعلى العكس يسعى كل طرف منهم إلى استعادة ما قدّمه للنظام وتحقيق أرباح إن أمكن.