البعثة الأممية تستوضح عن خريطة طريق المجالس الليبية الثلاثة

17 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 20:00 (توقيت القدس)
مسعد بولس في أنطاليا، 18 إبريل 2026 (بركان ستين/الأناضول)

في تطور جديد بشأن العملية السياسية في ليبيا، طلبت البعثة الأممية في البلاد من المجلس الأعلى للدولة توضيحات بشأن خريطة الطريق التي أعلنتها مجالس ليبيا الثلاثة، وهي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، في وقت تشهد فيه الخريطة الأممية تعثراً منذ أسابيع.

وكانت رئاسات المجالس الليبية الثلاثة قد أعلنت، في 18 يونيو/ حزيران الماضي، "خريطة طريق لإنهاء المرحلة التمهيدية"، تقضي بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في موعد أقصاه فبراير/ شباط 2027. وتتضمن الخريطة تشكيل "لجنة سيادية عليا" تتولى الإشراف على العملية الانتخابية، وتضم شخصيات من المؤسسات السيادية وشاغلي الوظائف العليا من طرفي البلاد، إلى جانب تفعيل لجنة 6+6 التي صاغت القوانين الانتخابية، لتعديلها بالاسترشاد بتوصيات اللجنة الاستشارية ومسارات الحوار المجتمعي التي شكلتها البعثة الأممية.

وعلى الرغم من أن البعثة لم تعلن موقفاً من المبادرة منذ طرحها، كشف رد،نشرته رئاسة المجلس الأعلى للدولة اليوم، عن تلقيها خطاباً من البعثة يتضمن مجموعة من الاستفسارات بشأن الخريطة الثلاثية. وطلبت البعثة توضيح ما إذا كانت الخريطة تمثل الصيغة النهائية للمشاورات أم لا تزال بحاجة إلى التفاوض مع مؤسسات أخرى، كما استفسرت عن طبيعة عمل "اللجنة السيادية" في ظل استمرار الحكومتين، وآلية تعاون مجلسي النواب والدولة لتعديل الإطار القانوني، والإجراءات المقترحة لإصدار خريطة الطريق واعتمادها رسمياً في كلا المجلسين.

لم يصدر عن رئاستي مجلس النواب والمجلس الرئاسي رد على مراسلات البعثة حتى الآن، فيما لم يتضح ما إذا كان طلبها تقديم توضيحات يمثل تراجعاً عن موقفها السابق القائم على استبعاد مجلسي النواب والدولة من المسار الذي تقوده الأمم المتحدة

وفي رده، قال رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة إن الخريطة تمثل "صيغة توافقية" تخضع لاستكمال إجراءاتها المؤسسية داخل كل مجلس، وتهدف إلى إنهاء المرحلة الانتقالية عبر آليات مؤسسية وقانونية، وليست "مساراً موازياً أو تجاوزاً للأطر المرجعية المعتمدة". وأكد تكالة أن "اللجنة السيادية" لا يقصد بها، بأي حال من الأحوال، تكريس استمرار حالة الانقسام المؤسسي أو الإقرار بازدواج السلطة التنفيذية، وإنما يقتصر دورها على الإشراف وتسهيل الأمور اللوجستية للانتخابات. وأوضح أن تعديل القوانين سيجرى عبر تفعيل لجنة 6+6 وإحالة تعديلاتها إلى مجلس النواب لإصدارها، مؤكداً أن المبادرة تستهدف "إعادة تفعيل المؤسسات الليبية المنبثقة عن الاتفاق السياسي"، بما ينسجم مع ولاية البعثة التي تقوم على "دعم المؤسسات الوطنية وتيسير الحوار بينها، لا الحلول محلها أو استبدالها".

ولم يصدر عن رئاستي مجلس النواب والمجلس الرئاسي رد على مراسلات البعثة حتى الآن، فيما لم يتضح ما إذا كان طلبها تقديم توضيحات يمثل تراجعاً عن موقفها السابق القائم على استبعاد مجلسي النواب والدولة من المسار الذي تقوده الأمم المتحدة. وكان إعلان الرئاسات الثلاث خريطة الطريق قد جاء بالتزامن مع أول إعلان عن مبادرة أميركية للحل في ليبيا، وهو ما اعتبره مراقبون رفضاً ضمنياً لها. ففي 17 يونيو/ حزيران، أدلى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي والمشرف على المبادرة، بتصريحات لصحيفة "فاينانشال تايمز"، أكد فيها وجود مبادرة أميركية للحل في ليبيا تقوم على تشكيل "حكومة موحدة واحدة وتوحيد جميع المؤسسات".

وانخرط بولس في الملف الليبي منذ يوليو/ تموز من العام الماضي، إذ أجرى زيارات عدة إلى طرابلس وبنغازي، ورعى خلالها لقاءات بين ممثلي حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس و"القيادة العامة" في بنغازي، بهدف بناء تفاهمات تدريجية لتشكيل سلطة تنفيذية مشتركة.

وفي مقابل هذا الانخراط الأميركي، تباينت المواقف الليبية، إذ عارضه مجلس الدولة والمجلس الرئاسي، بينما أبدت قيادة حفتر موافقتها واستعدادها للانخراط فيه، في حين التزمت حكومة طرابلس ومجلس النواب الصمت. واعتبر مراقبون قرب رئاسة مجلس الدولة من سياسات الحكومة، وانخراط رئاسة مجلس النواب في المبادرة الثلاثية، رفضاً ضمنياً للمبادرة الأميركية.

وفي ظل الانخراط الأميركي، أعادت البعثة الأممية تشكيل مسار خريطة الطريق التي أعلنتها في أغسطس/ آب من العام الماضي. فبعد فشل مجلسي النواب والدولة في تنفيذ ما كلفا به، وهو إعادة تأهيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية، أنشأت لجنة "4+4"، تضم ممثلين اثنين عن حكومة طرابلس ومثلهما عن القيادة العامة في بنغازي، إلى جانب ممثلين اثنين عن كل من مجلسي النواب والدولة، وأوكلت إلى هذه اللجنة تنفيذ ما فشل فيه المجلسان.

ومنذ فشل اجتماع مالطا مطلع يوليو/ تموز، الذي أشرف عليه بولس، بين ممثلي طرابلس وبنغازي، تراجع حضور المبادرة الأميركية بصورة لافتة. لكن الأكثر لفتاً للانتباه هو تراجع نشاط مسار لجنة "4+4" بالتزامن مع تراجع تحركات بولس. فبعد إعلان البعثة نجاح أعضاء اللجنة في إنجاز أغلب ما يتعلق بإعادة تأهيل مجلس المفوضية وتعديل القوانين الانتخابية، واستعدادهم لتوقيع الاتفاق النهائي مطلع يوليو/ تموز، عادت لاحقاً إلى الحديث عن استمرار المشاورات من دون تحديد موعد جديد للتوقيع أو توضيح مصير ما سبق الاتفاق عليه، وهو ما دفع مراقبين إلى اعتبار تزامن التراجعين مؤشراً على تقاطع جزئي بين المسارين الأممي والأميركي.

وبعد غياب قارب شهراً ونصف شهر، أدلى بولس، أمس، بتصريحات جديدة أكد خلالها أن تفاصيل الاتفاقات المتعلقة بتوحيد المؤسسات تعود إلى الليبيين أنفسهم، وأن واشنطن تبقي قنوات التواصل مفتوحة لتسهيل جهود التوحيد وتشجيعها. كما أكد بولس، في مقابلة مع قناة "الحرة" الأميركية، أن الولايات المتحدة لا تضع تفاصيل الترتيبات نيابة عن الأطراف الليبية، وإنما تدعم المسار الذي يقوده الليبيون، مشيراً إلى أن واشنطن تعمل بصورة وثيقة مع المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيته وشركائها الدوليين، للبناء على ما وصفه بالتقدم المحقق حتى الآن.