البرلمان العراقي يتقصّى الحقائق بملف قصف مقرات الفصائل

15 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 17:36 (توقيت القدس)
عناصر من الحشد الشعبي في تلعفر غربي الموصل، أغسطس 2017 (فرانس برس)

قالت مصادر عراقية إن ملابسات القصف الأميركي السعودي لمقار فصائل عراقية، الذي وقع نهاية الشهر الفائت، ما تزال مثار شكوك، بعد تداول تصريحات عن معلومات مسبقة وصلت إلى قيادات عراقية بارزة قبيل عملية القصف، وهو ما دفع لجنة الأمن والدفاع البرلمانية في العراق إلى السعي للتحقيق في تلك الملابسات، واستضافة قيادات الصف الأول في "الحشد الشعبي" وقيادات أمنية بارزة، لتقصي الحقائق والوقوف على التفاصيل. ويأتي ذلك في ظل تداعيات متصاعدة بشأن الملف، وشكوك وتساؤلات أثيرت في الأيام الأخيرة، تتعلق بالإجراءات الأمنية الاحترازية التي سبقت استهداف مقرات الفصائل، وما إذا كان هناك تقصير معين.

ووجهت اللجنة، التي يترأسها النائب خالد العبيدي، كتاباً رسمياً تضمن توجيه دعوات إلى استضافة قيادات أمنية وعسكرية من الصف الأول، بينهم رئيس هيئة "الحشد الشعبي" فالح الفياض، ورئيس أركان "الحشد" عبد العزيز المحمداوي، المعروف بـ"أبو فدك"، إلى جانب مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة عبد الأمير الشمري، ورئيس أركان الجيش عبد الأمير يارالله، والوكيل الأقدم لوزارة الداخلية حسين العوادي. وبيّن الكتاب أن الحضور سيكون بعد غد الاثنين في مقر اللجنة بمبنى البرلمان، للوقوف على أسباب عدم اتخاذ إجراءات الحيطة والحذر وإخلاء المقرات قبل الهجوم.

ووفقاً لعضو في اللجنة البرلمانية، فإنّ "طلب تقصي الحقائق وحضور القيادات المطلوبة جاء على إثر اتهامات وتصريحات بوجود معلومات مسبقة قبل الهجوم، وإن هناك تقصيراً في أداء الواجب وعدم إخلاء مقار الفصائل"، مبيناً لـ"العربي الجديد"، مشترطاً عدم ذكر اسمه، أن "اللجنة تركز بصورة أساسية على معرفة ما إذا كانت هناك معلومات مسبقة بشأن القصف قد وصلت إلى الأجهزة المختصة، والجهات التي كانت تمتلكها، ولماذا لم تتخذ إجراءات عاجلة وحاسمة لتدارك الموقف قبل وقوع الضربات الجوية".

وأضاف أنّ "اللجنة تعمل بدقة على متابعة تسلسل المعلومات الاستخبارية المتوافرة، والإجراءات الأمنية التي سبقت القصف، بُغية تحديد المسؤوليات ومعرفة ما إذا كانت هناك ثغرات أمنية معينة في تبادل المعلومات والتحقق منها استخبارياً، وتحديد الجهات أو الأشخاص المسؤولين عن هذا الخلل"، مشيراً إلى أن "استضافة القيادات والمسؤولين الأمنيين ستوفر للجنة فرصة لمطابقة الإفادات مع المعلومات المتوافرة لديها". وشدد المصدر على أن "الاستضافات تأتي في إطار تحقيق لا يقتصر على تحديد ملابسات الضربة فحسب، وإنما تتبع المعلومات والكشف عما إذا كان بالإمكان اتخاذ إجراءات احترازية مسبقة كان من الممكن أن تمنع وقوع الخسائر أو تحدّ منها".

ونفت الحكومة العراقية مرات عدة علمها المسبق بالقصف، إلّا أن نواباً وسياسيين وجهوا اتهامات إلى قيادات في "الحشد" بامتلاك معلومات مسبقة عن الاستهداف وعدم اتخاذ الاحتياطات الكافية، وهو ما دفع الملف إلى مساحة سياسية حساسة تتجاوز الجانب الأمني المباشر.

في المقابل، رفضت هيئة "الحشد الشعبي"، التي تضم الفصائل التي تعرضت للقصف، الاتهامات التي طاولت رئيس الهيئة فالح الفياض، والادعاء بامتلاكه معلومات مسبقة عن استهداف مقرات الحشد وعدم إبلاغ الوحدات العسكرية، واصفة تلك الاتهامات بأنها "ادعاءات عارية من الصحة ولا تستند إلى أي دليل أو حقيقة". وأوضحت الهيئة، في بيان سابق، أنها "منذ بدء الأحداث في المنطقة قبل أشهر ولغاية اليوم، وضعت جميع قواتها في حالة إنذار، كما أنه جرى قبل يومين من القصف إبلاغ جميع الوحدات بضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر، وهو ما أسهم في حقن الكثير من الدماء وتقليل حجم الخسائر"، مشيرة إلى أن "الفوج الرابع في اللواء 30 من الحشد لم يتخذ جميع الإجراءات الوقائية المتبعة، ما أدى إلى مقتل العدد الأكبر من منتسبيه خلال الهجمات".

ملف حساس

من جهته، رأى المختص بالشأن السياسي العراقي، الأكاديمي باسم العزاوي، أن الملف حساس للغاية، وأن التصريحات المتضاربة بين الاتهام والنفي لا تخلو من تداخلات سياسية، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن "بعض الأطراف قد تسعى إلى توظيف ملف القصف لتحقيق مكاسب سياسية، خصوصاً في ظل حساسية الملف وتأثيراته". وأضاف أن "أهمية التحقيق تكمن في قدرته على الفصل بين المعلومة الأمنية والمسؤولية السياسية، وتحديد ما إذا كان الإخفاق، إن ثبت، ناجماً عن ضعف في منظومة الإنذار وتبادل المعلومات، أم عن تقصير فردي من قبل شخصيات معينة، أم عن خلل أوسع في إدارة الملف الأمني".

مسؤول عراقي: "الحشد الشعبي" جزء من القوات المسلحة

وفي ملف حصر السلاح بيد الدولة، أكد رئيس خلية الإعلام الأمني العراقية الفريق سعد معن، السبت، أن "الحشد الشعبي" جزء من القوات المسلحة، وأن قرار حصر السلاح بيد الدولة يستهدف الجهات الواقعة خارج إطار المؤسسات الأمنية. جاء ذلك في تصريحات أدلى بها معن لوكالة الأنباء العراقية الرسمية "واع".

وقال معن إن "الحشد الشعبي يعد جزءاً من القوات المسلحة العراقية، ويخضع منتسبوه للقوانين العسكرية النافذة"، وأوضح أن "الجهات المشمولة بحصر السلاح هي التي تقع خارج إطار المؤسسات الأمنية للدولة"، وأضاف أن "الحشد الشعبي جزء من القوات المسلحة العراقية، وبحسب قانون رقم 40 لسنة 2016، يخضع جميع منتسبيه للقوانين العسكرية النافذة"، وأشار إلى أن "قرار حصر السلاح بيد الدولة يأتي لتأكيد عدم وجود قيادة موازية أو قيادة أخرى تستخدم السلاح خارج إطار الدولة".

وكانت مصادر وازنة داخل هيئة "الحشد الشعبي" في العراق، قد كشفت الأربعاء، بأن تغييرات جوهرية مرتقبة ستحصل داخل الهيئة، من ضمنها استبدال رئيسها فالح الفياض الذي لم يغادر منصبه منذ تعيينه رسمياً عام 2020، ورئيس أركان هيئة "الحشد الشعبي" عبد العزيز المحمداوي المعروف باسم "أبو فدك"، والذي ظهر للعلن وتسلّم منصبه بعد اغتيال سلفه جمال جعفر المعروف باسم "أبو مهدي المهندس" في يناير/ كانون الثاني 2020، بغارة أميركية.

وأشارت المصادر لـ"العربي الجديد"، إلى تغييرات أخرى مرتقبة كذلك، تمثل أولى خطوات دمج الحشد أكثر بالمنظومة الأمنية والعسكرية النظامية في العراق، تحت ضغوط الولايات المتحدة التي تطالب بتنظيم أوضاعه، وحصر سلاح الفصائل الموالية لإيران، المنضوية والممولة من هيئة "الحشد الشعبي" ذاتها.