البابا لاوون الرابع عشر يستكمل جولته في لبنان

بيروت
ريتا الجمّال (العربي الجديد)
ريتا الجمّال
صحافية لبنانية. مراسلة العربي الجديد في بيروت.
01 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 02 ديسمبر 2025 - 13:44 (توقيت القدس)
4564566
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- زار البابا لاوون الرابع عشر دير مار مارون في عنايا، حيث صلى عند ضريح القديس شربل ودعا للسلام والوحدة، وسط استقبال حافل من اللبنانيين رغم الطقس الماطر.
- ترأس لقاءً مع الأساقفة والكهنة في بازيليك سيدة لبنان – حريصا، حيث دعا إلى المحبة والمغفرة، وشهد اللقاء شهادة مؤثرة من سيدة فيليبينية عن تحديات المهاجرين.
- اختتم يومه بلقاء مسكوني في ساحة الشهداء ببيروت، داعياً للسلام في الشرق الأوسط، وسط خروقات إسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني.

بدأ البابا لاوون الرابع عشر محطات يومه الثاني في لبنان بزيارة دير مار مارون، في عنايا، حيث كان في استقباله الرئيس جوزاف عون والسيدة الأولى نعمة عون وشخصيات سياسية ودينية، إلى جانب حشود كبيرة من اللبنانيين الذين رفعوا الأعلام اللبنانية والفاتيكانية، وعمدوا إلى نثر الأرز والورود لحظة مرور موكبه ووصوله إلى المكان.

وصلّى البابا لاوون الرابع عشر عند ضريح القديس شربل، كما جال في الدير، حيث كان في انتظاره أيضاً عدداً من المصلّين والمؤمنين، وألقى كلمة طلب فيها السلام للعالم، مؤكداً "أننا نوكل اليوم احتياجات الكنيسة ولبنان والعالم إلى شفاعة القديس شربل، وللكنيسة نطلب الوحدة، وللعالم نطلب السلام، لا سيما من أجل لبنان ومن أجل المشرق، إذ لا سلام من دون ارتداد القلوب"، مضيفاً "ليساعدنا القديس شربل على التوجّه إلى الله طالبين منه هبة الارتداد".

وأضاف البابا لاوون الرابع عشر "يذكّرنا القديس شربل نحن الأساقفة والخدّام المرسومين بمتطلّبات دعوتنا الإنجيلية. إن اتساقه الجذري والمتواضع هو رسالة لكل المسيحيين. ثم هناك جانب حاسم آخر: فالقديس شربل لم يتوقّف قطّ عن التشفّع لنا لدى الأب السماوي، مصدر كل خير وكل نعمة. فقد كان، حتى أثناء حياته الأرضية، يأتي إليه كثيرون لينالوا من الرب التعزية والمغفرة والمشورة. وبعد موته، تضاعف هذا كلّه وأصبح كجدول من الرحمة. ولهذا أيضاً، يأتي في كل يوم اثنين وعشرين من الشهر آلاف الحجاج من بلدان مختلفة لقضاء يوم في الصلاة وراحة النفس والجسد"، مشيراً إلى "أننا نريد اليوم أن نوكل إلى شفاعة القديس شربل حاجات الكنيسة ولبنان والعالم".

وعلى الرغم من الطقس الماطر، توافد المواطنون منذ ساعات الصباح الأولى إلى دير مار مارون، وسط قرع الأجراس، حاملين الشماسي، منتظرين وصوله، لإلقاء التحية عليه والحصول على بركته، وذلك وسط تدابير أمنية مشددة اتخذت على طول الطريق، إفساحاً في المجال أمام مرور موكب البابا الذي طيلة مساره، كانت طائرات الجيش اللبناني أيضاً تحلّق في الأجواء لمواكبته.

وعبّر اللبنانيون عن سعادتهم الكبيرة بمجيء البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، وتخصيصه بلدهم في أولى زياراته الخارجية، متأملين أن تحمل هذه الزيارة معها الخير لوطنهم، خصوصاً في ظلّ الظروف الصعبة التي يمرّ بها، والتحديات الكبرى، أهمها الأمنية مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية والتهديد بتوسعة العمليات العسكرية، كما الأزمات المادية التي فاقمت معاناتهم، خصوصاً، منذ أواخر عام 2019 إبان الانهيار النقدي.

وترأس البابا لاوون الرابع عشر اللقاء الخاص مع الأساقفة والكهنة والمكرّسين والعاملين في الرعويات في بازيليك سيدة لبنان – حريصا، حيث قدّم له رئيس جمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة الأب الياس سليمان ورئيس المزار الأب خليل علوان تمثالاً من البرونز، كناية عن جسر يرمز إلى العبور والرابط بين لبنان والكرسي الرسولي إضافة إلى أيقونة سيدة لبنان.

وبعد استماعه إلى عددٍ من الشهادات، قال البابا "هنا حيث تعيشون وتعملون، أوجدوا جواً أخوياً، واعرفوا كيف تمنحون الثقة لغيركم، وكونوا مبدعين لكي تنتصر قوة المغفرة والرحمة التي تجدّد الإنسان"، مشيراً إلى أنه "الآن بالتحديد، يجب علينا أن نحتفل بانتصار المحبة على الكراهية والمغفرة على الانتقام والخدمة على السيطرة، والتواضع على الكبرياء، والوحدة على الانقسام، وأن نعرف كيف نحوّل آلامنا إلى صرخة حبّ إلى الله وإلى رحمة للقريب".

وكان لافتاً شهادة لورين، وهي سيدة فيليبينية أجبرت على ترك بلدها ومنزلها والعمل مساعدة منزلية في لبنان منذ 17 سنة، من أجل بناء مستقبل أفضل لعائلتها ومن تحبّ، متحدثة عن صعوبات واجهتها، وشهادات تعرّفت إليها، ومعجزات شهدتها، من دون أن تمنعها كل الظروف من التطوّع خلال الأزمات وضمنها في الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وتقديم المساعدة للآخرين، والإصرار على منح الأمل لمن هم بحاجة ماسّة له، متوقفة عند سلبيات نظام الكفالة في لبنان، وتحديات واجهها المهاجرون خلال الحرب، ومن أرباب المنزل، منهم من احتُجز في المنزل رغم القصف والمخاطر واضطر إلى الهرب للنجاة.

وبالتزامن مع وصول البابا إلى بازيليك سيدة لبنان، نفّذ عدد من الطلاب في حزب القوات اللبنانية (يترأسه سمير جعجع)، المعارض لحزب الله، تجمّعاً على مقربة من الموقع، إذ حملوا لافتات تؤكد الوقوف إلى جانب سيادة لبنان، ودعم مؤسسات الدولة، وتشدد على أن سلاح الدولة فقط هو الأمان للجميع.

وفي إطار محطات البابا لاوون الرابع عشر، لليوم الثاني، عُقد لقاء مسكوني وحواري بين الأديان في ساحة الشهداء في بيروت عصراً. وتحدث بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الارثوذوكس يوحنا العاشر يازجي، عن التعددية والتعايش في لبنان، وأثنى على الزيارة وتخصيص لبنان ليكون واجهة زيارته الخارجية الأولى، معتبراً أنها بمثابة رسالة بأن "مسيحيي الشرق هم في قلب اهتمام الكرسي الرسولي".

من جهته، قال مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان: "في لبنان نؤكد دائماً ثوابتنا الوطنية في قممنا الروحية واحترام الحريات الدينية وحقوق الإنسان كأساس للعيش المشترك في مجتمعنا المتنوّع والمتعدّد، ولا نتدخّل في الخصوصيات فبلدنا يحمي دستوره حق الطوائف في ممارسة شرائعها الدينية". فيما دعا نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، البابا، إلى استغلال سلطاته لمساعدة لبنان بالخلاص من أزماته المتراكمة بما في ذلك العدوان الإسرائيلي وتبعاته على الشعب اللبناني، كما ثمن الخطيب مواقف البابا في "المرحلة الصعبة" التي يمر بها لبنان٬ معرباً عن أمله في أن تثمر الزيارة في "تعزيز الوحدة الوطنية المهتزة، نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر".

أما بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية، مار إغناطيوس أفرام الثاني، فقد تحدث عن الأسباب التي مرّ بها لبنان والتي سرعت في تهجير كثير من اللبنانيين، بما في ذلك العدوان الإسرائيلي والحروب الدامية والحملات التكفيرية الإرهابية.

بدوره، أعرب شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، عن أمنياته بأن تسهم الزيارة في "إغلاق نوافذ التعصّب"، داعياً إلى تغليب السلام على الحروب. كذلك، أعلن رئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ علي قدور، تبني إي مبادرة "تعزز الاستقرار وتشجع اللبنانيين على الحوار والتفاهم وعلى تغليب المصلحة الوطنية العليا على أي اعتبار آخر"، مشدداً على ضرورة الاحترام المتبادل وتجنّب النزاعات والتصادم.

وشدد أيضاً مار اغناطيوس الثالث يونان، بطريرك السريان الكاثوليك، على أن الزيارة تأتي من أجل بناء السلام والاستقرار في المنطقة ولا سيّما لبنان، مؤكداً أن الشعب اللبناني "يتوق إلى الاستقرار السياسي والسلام البنّاء وإلى الأخوة الإنسانية".

بدوره، أعرب البابا لاوون الرابع عشر في كلمته، عن أمله في أن يعمّ السلام في الشرق الأوسط، وأن تسود المصالحة ويتعزز العيش السلمي، وقال "حضوركم في هذا المكان الفريد، حيث تقف المآذن وأجراس الكنائس جنباً إلى جنب، مرتفعة نحو السّماء، يشهد على إيمان هذه الأرض الرّاسخ وعلى إخلاص شعبها". وتابع "منذ سنوات عديدة، ولا سيّما في هذه الأيام، توجهت أنظار العالم إلى الشرق الأوسط، مهد الديانات الإبراهيمية، تنظر إلى المسيرة الشاقة والسعي الدائم لعطية السلام. أحياناً تنظر الإنسانية إلى الشرق الأوسط بقلقٍ وإحباط أمام صراعات معقدة ومتجذرة عبر الزمن. مع ذلك، وسط هذه التحديات، يمكننا أن نجد معنى للرجاء والعزاء عندما نركز على ما يجمعنا"، مضيفاً "الوحدة والشركة والمصالحة والسلام أمرٌ مُمكن".

تواصل الخروقات الإسرائيلية رغم زيارة البابا

على صعيدٍ ثانٍ، تتواصل الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، لكن بوتيرة خفيفة في الجنوب اللبناني، في ظلّ الزيارة التي يقوم بها البابا إلى لبنان، بحيث سجل اليوم، استهداف إسرائيلي لأطراف بلدتي شبعا وكفرشوبا، بالرصاص، إلى جانب إلقاء محلقة إسرائيلية قنبلة صوتية على بلدة كفركلا، كما تعرّضت أطراف بلدة الضهيرة لرشقات رشاشة.

كذلك، سجل استهداف إسرائيلي لمزرعة بسطرة بالرشاشات الثقيلة، إلى جانب إلقاء محلقة إسرائيلية قنبلتين صوتيتين في بلدة الضهيرة.

تجدر الإشارة إلى أن اليوم الثالث والأخير للبابا غداً الثلاثاء يشمل زيارة دير الصليب في بقنايا، حيث يعقد لقاء مع الموظفين والمرضى، ومن ثم زيارة مرفأ بيروت للصلاة من أجل شهداء انفجار المرفأ الذي وقع في 4 أغسطس/آب 2020، والاحتفال بالقداس الإلهي في الواجهة البحرية لبيروت، والذي يُتوقّع أن يشارك به أكثر من 120 ألف شخص، قبل أن تُقام له مراسم وداع رسمي في المطار ويغادر بعدها إلى روما.

ذات صلة

الصورة
يشهد سجن رومية اكتظاظاً وظروفاً مأساوية، لبنان، 12 يناير 2015 (بلال جاويش/ الأناضول)

مجتمع

تؤشر حوادث الوفاة والانتحار في سجن رومية إلى أن السجون اللبنانية على شفير الانفجار إذا استمر الإهمال الطبي والغذائي، وسط انعدام أفق المعالجة.
الصورة
من أجواء الميلاد في شارع الحمرا، بيروت، 15 ديسمبر 2025 (أنور عمرو/ فرانس برس)

مجتمع

تختلف مظاهر الميلاد في لبنان بين المناطق الآمنة وتلك التي تقاسي الاستهدافات الإسرائيلية، غير أن اللبنانيين يجمعون على أن زيارة البابا أحيت الأمل بالسلام.