استمع إلى الملخص
- يعتبر الاجتياح تحديًا لنظام الأسد، حيث أظهر تدهور جاهزية قواته، وامتد إلى إدلب وحماة، مما زاد الضغط على النظام وحلفائه في موسكو وطهران، الذين يواجهون تحديات أخرى.
- تثير العملية تساؤلات حول الأهداف المتعددة، بما في ذلك الضغط على نظام الأسد وإرباك حلفائه، مما يعكس ضعف حصانة النظام السوري ويؤثر على خياراته.
الاقتحام المفاجئ والسريع الذي قامت به قوات "هيئة تحرير الشام" وفصائل معارضة لمدينة حلب السورية والتراجع الأسرع للجيش السوري من مواقعه في المدينة، كان يمكن أن يمرّ بدون الضجة التي أثارها لولا تزامنه مع الوضع الملتهب أصلاً في المنطقة. توقيته فرض ربطه بحروب غزة ولبنان ومتفرعاتها كأحد تداعياتها، وإن كانت غير مباشرة، أو ربما فرصة جرى اغتنامها لشنّ الهجوم في لحظة مواتية لاستئناف الحرب في سورية بعد ثماني سنوات من الهدوء. ولاذت الإدارة الأميركية بالصمت حتى أمس السبت، قبل أن تعلن عدم علاقتها بالهجوم، ولكن تعليقها المقتضب والمتأخر ترك علامة استفهام، وربما كان كذلك لأنها تحرص على حفظ خط الرجعة. فالوضع السوري بحسب المداولات في المدة الأخيرة مرشح لتحولات في علاقات دمشق الإقليمية، وهذا مرتبط في أحد جوانبه بنجاح صفقة وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، والتي أشرفت واشنطن على ترتيبها، وتوفير الضمانات لانجاحها بحيث تتحول إلى حل مستديم.
وتجمع القراءات لهذا التطور على الاعتقاد بأن اجتياح مدينة حلب يُشكل "نقلة نوعية من التحدّي الجاد لنظام الأسد"، فهو جاء ليكشف عن "تدهور" ملحوظ في جاهزية قوات النظام السوري التي سارعت إلى الانسحاب، بل أصيبت بـ"الانهيار" وفق بعض التقارير. والأخطر في العملية أنها لم تقتصر على حلب، إذ شملت منطقة إدلب واتجهت نحو مدينة حماة.
وفي تقدير بعض المحللين أن هذا الزحف لا يشكل تحدياً فقط للنظام بل أيضاً لموسكو وطهران المنشغلتين في حروب أوكرانيا ولبنان، وانعكس ذلك في الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مع نظيره الإيراني، عباس عراقجي، وزيارة هذا الأخير لدمشق المنتظرة اليوم الأحد. كما جرى التوقف عند الاتصال الذي أجراه لافروف مع نظيره التركي، حقان فيدان، الذي غمزت بعض التقارير من زاوية بلاده بأنها شاركت في الهجوم عبر بعض القوى المعارضة في منطقة إدلب المحسوبة على تركيا. وحملت التحركات الروسية على الاعتقاد بأن موسكو ستعود على الأرجح للزج بقوتها الجوية في حلب، على غرار ما سبق وفعلته في 2015 لاستعادة المدينة وتمكين النظام السوري من السيطرة عليها مرة ثانية، وإلا "فإن القوات التي دخلتها سيكون بإمكانها توسيع دائرة سيطرتها".
وهنا يطرح سؤال عما إذا كانت الجهة أو الجهات التي شاركت وأشرفت على هندسة اقتحام حلب في هذا التوقيت قد أرادت ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، بحيث تزيد من جهة ضغوطها على نظام بات في حالة أشبه "بحالة انعدام الوزن"، ومن جهة ثانية تزيد من إرباك حلفائه الذين يقال إن أجواء العلاقات بينهم ليس صافية، وفي أحسن الحالات ليسوا في الوضع المناسب لتعويم الأسد وبالأخص إيران، التي يتردد أن روابطها مع دمشق لم تعد كما كانت عليه بعد حرب لبنان التي أدت إلى مطالبة سورية بلعب دور حارس البوابة الحدودية لمنع الإمدادات الإيرانية من الوصول إلى لبنان. ومن هنا القول بأن التحدي في حلب وغيرها أصبح مسألة "جدّية" يواجهها النظام السوري، في ظل ضعف ومحدودية الحصانة الإيرانية والروسية التي كان يتمتع بها، إضافة إلى التهديدات الإسرائيلية التي تطارده لفك العلاقة مع طهران.
عملية الفصائل السورية المباغتة في حلب كانت محسوبة ومفتوحة على إضافات نوعية محتملة. ومع ذلك لم تكن لتحظى بمثل هذا الاهتمام في واشنطن -ولو الفاتر في ظاهره من جانب الإدارة- لولا الظروف التي تحيط بها، وبالتحديد ظروف النظام السوري الذي يبدو أنه دخل مرحلة استحقاقات قد تكون حاسمة وبخيارات محدودة جداً في الداخل والخارج الإقليمي بشكل خاص.