الانتخابات العراقية: اختبار الثقة الشعبية بالعملية الديمقراطية

بغداد
صورة
محمد عماد
محمد عماد صحافي عراقي متخصص بالشأن السياسي والأمني، عمل سابقاً في وكالات إخبارية أجنبية مراسلاً معتمداً في النجف والبصرة وكربلاء، ويعمل منذ عام 2018، مراسلاً متعاوناً مع "العربي الجديد". حاصل على عدة جوائز تقديرية عن فئة الصحافة المحلية.
بغداد

زيد سالم

avata
زيد سالم
11 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 15 نوفمبر 2025 - 09:26 (توقيت القدس)
انتخابات عراقية استثنائية: غياب الصدر وتحديات جديدة للمشهد السياسي
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تمثل الانتخابات العراقية اختبارًا لثقة الشارع في الديمقراطية وسط تحديات سياسية وأمنية واقتصادية، مع غياب التيار الصدري وتأثيره المحتمل على نتائج الانتخابات وتوزيع القوى في البرلمان.
- يشارك أكثر من 20 مليون عراقي في الانتخابات، مع تنافس 7744 مرشحًا على 329 مقعدًا، وتنوع التحالفات السياسية بين 140 تحالفًا و400 حزب، مع التركيز على قضايا مثل الخدمات العامة والاقتصاد والعلاقات الخارجية.
- رغم الآمال في التغيير، يظل القلق من تكرار سيناريوهات سابقة، مع أهمية الشفافية والنزاهة واحترام نتائج الاقتراع لتجنب التوترات، وتوقع تغييرات في توازن القوى البرلمانية.

تمثّل الانتخابات العراقية التي تجرى اليوم الثلاثاء، اختباراً لثقة الشارع العراقي بالعملية الديمقراطية، وبإمكانية الإصلاح عبر صناديق الاقتراع، بعد سنوات من الاحتقان السياسي والتدهور الاقتصادي وتراجع نسب المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، فيما تأتي هذه الانتخابات البرلمانية في ظل ظروف سياسية شديدة التعقيد، مع استمرار الدعوات الشعبية المطالبة بالإصلاح وتحسين الواقع الاقتصادي ومعالجة ملفات الفساد، إلى جانب تحديات وضغوط تواجهها الدولة العراقية فيما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، المتمثل بأسلحة الفصائل المسلحة الحليفة لإيران والضغوط الأميركية وحتى التهديدات الإسرائيلية، كما تتزامن مع إجراءات أمنية واسعة لضمان انسيابية عملية الاقتراع ومنع أي خروقات قد تعيق العملية الانتخابية.

وتعد هذه الدورة الانتخابية استثنائية من حيث طبيعة المشاركة السياسية، إذ يغيب عنها للمرة الأولى التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، بعد إعلانه مقاطعة الانتخابات واعتزال العمل السياسي، تاركاً فراغاً كبيراً في المشهد الانتخابي نظراً للثقل الشعبي والسياسي الذي يمثله داخل الوسط الشيعي وفي العملية السياسية ككل. وهذا الغياب يُثير تساؤلات واسعة حول حجم التأثير المتوقع على نتائج الانتخابات وتوزيع القوى داخل البرلمان المقبل.

وهذه الانتخابات التي يحق لأكثر من 20 مليون عراقي المشاركة بها، تجرى وسط انتشار أمني مكثف لمحاولة ضمان انسيابية العملية الانتخابية ومنع أي تهديدات محتملة قد تستهدف سلامة المشاركين أو سير الانتخابات. علماً أنها الانتخابات البرلمانية السادسة منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 والإطاحة بنظام صدام حسين، وسط آمال معلّقة على قدرة البرلمان المقبل في إحداث تغيير ملموس في بنية الدولة وإدارة الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية المتراكمة.

الأنظار نحو نسب المشاركة في الانتخابات العراقية

وتتجه الأنظار نحو نسب المشاركة الشعبية في الانتخابات العراقية ومآلات العملية الانتخابية، وما قد تحمله النتائج من تحولات في موازين القوى ورسم ملامح المرحلة السياسية الجديدة في العراق، علماً أن نسبة المشاركة في التصويت بالمرحلة الأولى الخاصة بأفراد الأمن ونزلاء السجون والمستشفيات، التي جرت أمس الأول الأحد، بلغت أكثر من 82%، من بين مليون و313 ألف ناخب. ويتنافس في الانتخابات 7744 مرشحاً بينهم 2248 امرأة، على 329 مقعداً برلمانياً تم احتسابها على عدد سكان المحافظات، بواقع مقعد لكل 100 ألف عراقي، من دون اعتماد النسبة السكانية الجديدة التي أوضحتها عملية التعداد السكاني لعام 2024 وهي 46 مليون نسمة.

يشترك أكثر من 400 حزب في الانتخابات، فيما بلغت التحالفات السياسية نحو 140 تحالفاً

ويحق لأكثر من 20 مليون مواطن الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات العراقية مع العلم أن نحو سبعة ملايين لم يقدموا طلبات للحصول على بطاقات انتخابية، أو لم يُحدّثوا بياناتهم. كما يستمر حرمان عراقيي المهجر من التصويت، وذلك بناء على توافق سياسي بين القوى الرئيسة في العراق عام 2021، وتحت عنوان التقليل من النفقات، ووجود عمليات تلاعب بالأصوات في الخارج. ووفقاً لأرقام المفوضية العليا للانتخابات في العراق، وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن تنفيذ وإدارة الانتخابات العراقية، فإن 8703 مراكز اقتراع تستقبل منذ صباح اليوم الثلاثاء الناخبين، كما يشترك أكثر من 400 حزب في الانتخابات العراقية، فيما بلغت التحالفات السياسية نحو 140 تحالفاً.

وتبرز في هذه الانتخابات قضايا محورية ترتبط بالسياسات العامة للحكومة المقبلة، من بينها ملف الخدمات العامة والكهرباء، فرص العمل، استرداد الأموال المنهوبة، وتقليص نفوذ السلاح خارج إطار الدولة. كما يشكل ملف العلاقات الخارجية وتوازن العراق الإقليمي والدولي أحد أبرز التحديات التي سيواجهها البرلمان الجديد والحكومة التي ستنبثق عنه. ومع غياب التيار الصدري عن المشهد الانتخابي، فإن قوى سياسية أخرى تسعى لاستثمار هذه الفرصة لتعزيز حضورها داخل البرلمان المقبل.

وتدخل القوى السياسية العربية السنّية والشيعية في تكتلات وأحزاب متعددة، بما فيها الحزبان الكرديان الرئيسان (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني)، وسط تصريحات متفرقة صدرت في الأيام الماضية، على أن تحالف "الإطار التنسيقي" الحاكم حالياً في العراق، سيعود ويتشكل مجدداً بالآلية نفسها بعد اعلان النتائج، لتكوين الكتلة البرلمانية الأكبر التي منحها الدستور حق تشكيل الحكومة. في المقابل يشتد التنافس بين القوى العربية السنّية، وسط حملات استهداف إعلامية، خصوصاً بين حزبي "تقدم" بزعامة محمد الحلبوسي، و"عزم" بزعامة مثنى السامرائي، بينما يسعى تحالف "السيادة"، وهو أكبر الكتل العربية السنّية حضوراً في البرلمان المنتهية ولايته، إلى الحفاظ على موقعه بوصفه عاملاً لحل الخلافات وتوحيد تلك القوى في مظلة واحدة.

وفي حين يأمل مواطنون بتغيير حقيقي يضع حداً للأزمات التي مرت بها البلاد، يظل القلق حاضراً من تكرار سيناريوهات الانتخابات السابقة، سواء على مستوى الطعون السياسية أو النزاعات التي قد تنشأ بعد إعلان النتائج. ورغم العدد الكبير من المرشحين، فإن التوقعات تفيد بأن نسبة المشاركة في الانتخابات العراقية لن تكون واسعة، وهذا ما بدا من آراء عدد من المواطنين الذين استطلعت "العربي الجديد" آراءهم، بسبب تخييم شعور بعدم إمكانية التوصل إلى تغيير فعلي في المشهدين السياسي والاقتصادي. وقال عمران الهاشمي، وهو عراقي يسكن في بغداد، لـ"العربي الجديد" إنه لن يشارك في الانتخابات، ليس انسجاماً مع دعوات المقاطعة للتيار الصدري أو بعض الجماعات المدنية، بل لأن المشاركة في الانتخابات السابقة أسفرت عن تحديات جديدة للعراق لا عن حلول للمشكلات. وأضاف لـ"العربي الجديد"، أنه "غير مهتم بالانتخابات"، وأن الاهتمام الأكبر هو من "الشرائح التي تنتمي أو القريبة من الأحزاب، أما المدنيون والمستقلون من العراقيين فهم غير مكترثين أو متابعين لتطورات الانتخابات".

إجراءات أمنية مشددة

وقال عضو الفريق الإعلامي لمفوضية الانتخابات، عماد جميل، لـ"العربي الجديد"، إن "مراكز الاقتراع ستبقى مفتوحة من السابعة صباحاً، وحتى السادسة مساء، وسط إجراءات تنظيمية وأمنية مشددة، وبإشراف فرق ميدانية من موظفي المفوضية، بالإضافة إلى مراقبين محليين ودوليين لضمان نزاهة وشفافية العملية الانتخابية". وبيّن جميل أن "المفوضية عملت خلال الأشهر الماضية على استكمال جميع المتطلبات الفنية واللوجستية، وتوزيع المواد الحساسة والبطاقات الانتخابية، إلى جانب تدريب الكوادر العاملة على إجراءات العد والفرز الإلكتروني، ما يعزز ثقة الناخبين بنتائج الاقتراع". وأضاف أن "المفوضية تتابع عن كثب سير العملية في جميع المراكز، وتتلقى تقارير دورية عن نسب المشاركة والالتزام بالإرشادات القانونية، ويتم معالجة أي معوقات فوراً وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والجهات الرقابية المساندة". ودعا "جميع أبناء الشعب العراقي إلى ممارسة حقهم الدستوري والمشاركة الفاعلة في اختيار ممثليهم في البرلمان، فصوت المواطن هو الأساس في بناء مستقبل سياسي مستقر، ومؤسسات دولة قادرة على تلبية تطلعاته".

طلال الجبوري: المشاركة الواسعة للناخبين تمثل رسالة واضحة بأن الشعب ما زال يؤمن بإمكانية الإصلاح عبر الوسائل الديمقراطية

من جهته، قال السياسي والناشط المدني في مدينة النجف، طلال الجبوري، إن العراق "يقف أمام منعطف سياسي جديد مع توجّه ملايين المواطنين إلى صناديق الاقتراع أملاً في إحداث تغيير حقيقي ينهي سنوات طويلة من الاحتقان السياسي والتدهور الاقتصادي، والمشاركة الواسعة للناخبين تمثل رسالة واضحة بأن الشعب ما زال يؤمن بإمكانية الإصلاح عبر الوسائل الديمقراطية". وأضاف الجبوري في حديثٍ مع "العربي الجديد"، أن "هذه الانتخابات تختلف جذرياً عن سابقاتها، لما تحمله من معطيات ومؤشرات لمرحلة سياسية جديدة، خصوصاً مع غياب التيار الصدري لأول مرة عن العملية الانتخابية، وهو ما سيؤدي إلى إعادة رسم خريطة القوى داخل البرلمان المقبل، ويضع مسؤولية أكبر على الأحزاب المشاركة في ملء الفراغ الذي قد يتركه هذا الغياب".

ولفت الجبوري إلى أنه "من الضروري أن تكون نتائج هذه الانتخابات منسجمة مع إرادة الشعب، وعلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الالتزام بأعلى درجات الشفافية والمهنية، وضمان عدم منح أي طرف سياسي القدرة على التأثير في مسار العد والفرز، كما على القوائم السياسية المختلفة احترام نتائج صناديق الاقتراع، وعدم دفع الشارع إلى التوتر أو العنف، لأن العراق لم يعد يحتمل أي أزمة جديدة". وشدد على أن "العراقيين يطلبون برلماناً قادراً على اتخاذ قرارات جريئة في الملفات الخدمية والاقتصادية ومحاربة الفساد، وبرنامجاً حكومياً واضحاً يضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبارات حزبية أو فئوية، فالعراقيون سيقولون كلمتهم، وعلى السياسيين أن ينصتوا جيداً لهذه الكلمة".

التوازنات السياسية

أما المختص في الشأن السياسي والانتخابي أحمد المياحي، فقال لـ"العربي الجديد"، إن "الانتخابات البرلمانية اليوم تمثل اختباراً حقيقياً لثقة الشارع العراقي بالعملية الديمقراطية، بعد سنوات من التراجع في نسب المشاركة والشعور المتزايد بالإحباط من الأداء الحكومي، كما أن تفاعل الناخبين مع عملية الاقتراع سيوفر مؤشراً واضحاً على اتجاهات الرأي العام وقدرته على فرض إرادته في المعادلة السياسية".
وأضاف المياحي أن "غياب التيار الصدري عن هذه الدورة الانتخابية سيغيّر توازن القوى داخل البرلمان المقبل بشكل ملحوظ، ما قد يدفع بعض القوى الأخرى إلى محاولة استثمار هذا الغياب لتعزيز نفوذها داخل مؤسسات الدولة، لكن هذا التحوّل قد يجلب أيضاً تحديات في تشكيل الحكومة المقبلة، وربما يزيد من احتمالات التفاوض الطويل بين الكتل الفائزة للوصول إلى توافق سياسي". ولفت إلى أن "الشفافية والنزاهة هما العاملان الحاسمان في الحفاظ على استقرار العملية الانتخابية وتجنّب الطعون الواسعة التي عرفتها تجارب سابقة، فمن الضروري تمكين المراقبين الدوليين والمنظمات المحلية من أداء دورهم بحرية كاملة لضمان توثيق أي خروقات قد تؤثر على نتيجة الاقتراع". وختم بالقول إن "العراق يقف أمام فرصة جديدة لاستعادة ثقة مواطنيه بمؤسسات الدولة، لكن نجاح هذه الفرصة مشروط بقدرة القوى السياسية على استثمار نتائج الانتخابات في بناء مرحلة إصلاح حقيقي، لا في إعادة إنتاج الأزمات التي أنهكت البلاد".

أحمد المياحي: غياب التيار الصدري عن هذه الدورة الانتخابية سيغيّر توازن القوى داخل البرلمان المقبل بشكل ملحوظ

بدوره، رأى رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري، أن هذه الانتخابات "مهمة جداً، لأنها تمثل تحوّلاً يرتبط بمتغيرات خارجية وليس فقط داخلية، لا سيما مع مشروع الشرق الأوسط الجديدة الذي يمر بالعراق، بالإضافة إلى التحديات التي ما تزال مستمرة فيما يرتبط بموازين العلاقة مع إيران والولايات المتحدة الأميركية". وأضاف في حديث مع "العربي الجديد"، أن "العراق لا يزال في دائرة الخطر إقليمياً ودولياً، لأنه لم يتقدّم كثيراً في التعامل مع المطلب الدولي الخاص بنزع أسلحة الفصائل والمليشيات، بالتالي فإن القوى الشيعية وتحديداً الإطار التنسيقي أمام التحدي الأكبر وهو اختيار حكومة قادرة على التعامل مع التحديات الخارجية".

وشهد العراق منذ الغزو الأميركي في عام 2003 خمس دورات انتخابية، أولها في 2005 (قبلها أجريت انتخابات الجمعية الوطنية التي دام عملها أقلّ من عام)، فيما جرت الأخيرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، واعتُمد قانون الدائرة الواحدة لكل محافظة في النسخ الأربع الأولى. وأجريت انتخابات 2021 وفق الدوائر المتعدّدة، بعد ضغط قوي من الشارع والتيار الصدري لإجراء هذا التعديل، الذي كان يعارضه "الإطار التنسيقي" الحاكم. وفي مارس/آذار 2023، صوّت البرلمان على التعديل الثالث لقانون الانتخابات البرلمانية العراقية الذي أعاد اعتماد نظام الدائرة الواحدة لكل محافظة.

المساهمون