استمع إلى الملخص
- تختلف الانتخابات الحالية بزيادة عدد المرشحين وصياغة قانونية جديدة، مع مقاطعة التيار الوطني الشيعي بقيادة مقتدى الصدر بسبب اتهامات بالفساد، ومقاطعة غير منظمة من ملايين العراقيين.
- تتميز الانتخابات بصعوبة التزوير بفضل نظام البصمة، رغم الإنفاق العالي في الترويج للأحزاب، ووجه مقتدى الصدر أنصاره بإيقاف الاحتجاجات خلال الانتخابات.
دخل العراق، بعموم محافظاته، أمس السبت، مرحلة الصمت الانتخابي، إذ يحظر على القوى السياسية ممارسة أي أنشطة إعلانية لغاية انتهاء الاقتراع العام بعد غد الثلاثاء، فيما تفتح اليوم الأحد صناديق الاقتراع للتصويت الخاص الذي سيشمل أكثر من مليون و300 ألف ناخب، وهم من قوات الجيش والأمن وعناصر "الحشد الشعبي"، إلى جانب نزلاء السجون والمستشفيات. وأعلنت المفوضية بدء الصمت الانتخابي فجر أمس، في حين دخلت قوات الأمن العراقية حالة "الإنذار ج"، في إطار تأمين الانتخابات العراقية المرتقبة، وهي أعلى درجات التأهب في القانون العراقي، وتعني إلغاء الإجازات لقوات الأمن والاستعداد والانتشار في عموم المدن والمحافظات.
تختلف الانتخابات العراقية التشريعية المقرر إجراؤها بعد غد الثلاثاء، عن سابقاتها من ناحية الصياغة القانونية والآليات الحسابية، فضلاً عن أعداد المرشحين فيها، بالمقارنة مع العمليات الانتخابية السابقة، بالإضافة إلى حجم المقاطعة الكبير في هذه الانتخابات. ولعل أبرز الجهات المقاطعة هي التيار الوطني الشيعي (التيار الصدري) بزعامة مقتدى الصدر، الذي يتمسك بموقفه الرافض للمشاركة في الانتخابات العراقية (بسبب اتهام العملية الانتخابية بالفساد)، فضلاً عن ملايين العراقيين الذين يقاطعون الانتخابات بطريقة غير منظمة، لكنها تعبر عن وجهة نظر سياسية ناقمة على الوضع السياسي واستخدام الأحزاب للمال مجهول المصدر في الترويج لنفسها ولمرشحيها.
من جهتها، أكدت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية، أنها تراقب عمل وسائل الإعلام العراقية، داعية إياها إلى الالتزام التام بموعد الصمت الانتخابي. وقبيل ساعات من بدء مرحلة الصمت الانتخابي، أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الذي يخوض التنافس الانتخابي على رأس قائمة كبيرة، أهمية اختيار الأصلح للمرحلة المقبلة. وقال في تدوينة له على منصة إكس أول من أمس: "أيام قلائل تفصلنا عن أداء واجبنا الانتخابي، واختيار الأصلح والأكفأ، ونحن على يقين أن الشعب العراقي سيختار العمل والمثابرة والإنجاز، سيختار طريق الإصلاح ومواجهة تحدّيات الفقر والبطالة والفساد". وأضاف: "معاً من أجل العراق؛ لأنه في برامجنا وانشغالاتنا وهمومنا، دائماً يأتي أولاً".
وستُفتح الثلاثاء أبواب مراكز الاقتراع، من الساعة السابعة صباحاً وحتى السادسة مساءً، ليتم نقل صناديق الاقتراع إلى محطات عدّ الأصوات في مكاتب مفوضية الانتخابات، الجهة المسؤولة عن حساب الأصوات بالطرق الإلكترونية، ثم الإعلان عن النتائج بعد مضي 24 ساعة فقط، وفق قانون الانتخابات العراقي النافذ. وتُجرى هذه الانتخابات بمشاركة مراقبين وممثلين دوليين من سفارات أجنبية وعربية ومنظمات دولية مختلفة، إلى جانب مراقبي المنظمات المحلية. لكن المراقبين الذين يقدر عددهم بنحو 340 مراقباً، غير مسموح لهم بالتدخل أو الدخول على خط التصحيح والملاحظات الملزمة للسلطات الانتخابية العراقية، إنما يقتصر دورهم على تقديم انطباعات على سير العملية الانتخابية.
فروق الانتخابات العراقية
وتتضح الفروق بالمقارنة بين الانتخابات المرتقبة وانتخابات عام 2021، إذ بلغ عدد المرشحين في الانتخابات السابقة حوالي 3244 مرشحاً، بينهم أكثر من 950 امرأة، بسبب اعتماد قانون انتخابات يقضي بتقسيم كل محافظة (18) إلى دوائر انتخابية صغيرة، وجرى تقسيم العراق إلى 83 دائرة انتخابية بدلاً من دائرة واحدة لكل محافظة. أما في الانتخابات الحالية فقد ترشح 7744 مرشحاً بينهم 2248 امراة، بسبب اعتماد قانون الانتخابات "سانت ليغو المُعدل" (يجعل المحافظة دائرة انتخابية واحدة)، والذي يجعل الفوز بالمقاعد أصعب على الأحزاب الصغيرة أو المرشحين المستقلين ويعطي أفضلية للأحزاب الكبرى والتحالفات التقليدية. وتم إقرار 18 دائرة انتخابية في هذه الانتخابات (دائرة لكل محافظة)، واستبعاد 848 مرشحاً للتنافس على المقاعد.
ويحق لأكثر من 20 مليون عراقي من أصل 46 مليون نسمة الإدلاء بأصواتهم لاختيار ممثليهم في مجلس النواب الجديد، مع العلم أن نحو سبعة ملايين لم يقدموا طلبات للحصول على بطاقات انتخابية، أو لم يُحدثوا بياناتهم. والثابت في الانتخابات العراقية المرتقبة مع السابقة، هو الإبقاء على عدد مقاعد البرلمان بواقع 329 مقعداً، منها 83 مقعداً مخصصة للنساء. كما يستمر حرمان عراقيي المهجر من التصويت، وذلك بناء على توافق سياسي بين القوى الرئيسة في العراق عام 2021، وتحت عنوان التقليل من النفقات، ووجود عمليات تلاعب بالأصوات في الخارج.
ووفقاً لأرقام المفوضية العليا للانتخابات في العراق، فإن هناك 8703 مراكز للاقتراع تستعدّ لاستقبال الناخبين، كما يشترك أكثر من 400 حزب في الانتخابات العراقية، فيما بلغت التحالفات السياسية نحو 140 تحالفاً. وستعلن الحكومة منع التنقل بين المدن والمحافظات وإغلاق الحركة بالمنافذ البرية وكذلك المطارات عشية عملية الاقتراع ولغاية انتهاء نقل صناديق الانتخابات إلى مراكز العد والفرز الرئيسة في بغداد. كما أعلنت وزارة الداخلية العراقية أن أكثر من 185 ألف عنصر من مختلف صنوف الأجهزة الأمنية سيشاركون في حماية مراكز الاقتراع ومحيطها في أكبر انتشار أمني من نوعه منذ أعوام.
صعوبة التزوير
في هذا الصدد قال عضو الفريق الإعلامي للمفوضية، عماد جميل، لـ"العربي الجديد"، إن "أهم ما يميز الانتخابات العراقية المرتقبة هي صعوبة الاحتيال أو التزوير في الأصوات"، موضحاً أن "حتى الذين حاولوا شراء البطاقات الانتخابية أو حصلوا عليها، فإنهم لن يستفيدوا منها لأن النظام الانتخابي تطوّر كثيراً، وصار يعتمد على البصمة". بالتالي بيّن جميل أنّ "الناخب صاحب البطاقة وحده يحق له التصويت ولا يمكن لغيره أن يستخدم بطاقته، وهو إنجاز كبير يدعم ويضمن الشفافية تحقق في هذه الانتخابات".
عماد جميل: جميع المراحل الفنية والرقابية للانتخابات لا يمكن اختراقها
وتابع: "جميع المراحل الفنية والرقابية التي تبدأ بالتصويت مروراً بعمليات العد والفرز الإلكتروني واليدوي ثم تدقيق البيانات وإرسالها عبر شبكات مؤمنة ومغلقة بالكامل، لا يمكن اختراقها ولا يمكن التأثير عليها والتلاعب بالأصوات". من جهة أخرى فإن ما يؤشر على اختلاف هذه الانتخابات، هو مستويات الإنفاق العالية في الترويج للأحزاب وقادتها ومرشحيها، من دون معرفة مصادر هذه الأموال، والتي تتوزع على الدعايات والإعلام والإعلانات والولائم والهدايا. وقد بلغت الخلافات حول هذه الأموال إلى حد شمولها الائتلاف الواحد، كما حصل مع "ائتلاف الإعمار والتنمية" الذي يتزعمه رئيس الحكومة محمد شياع السوداني
، إذ تقدم النائب والمرشح حسين عرب، قبل نحو أسبوع، ببلاغ ضد رئيس الحكومة، باعتبار أن "الأخير خالف الأنظمة والتعليمات الصادرة عنها". ولجأ عرب إلى القضاء لـ"تنفيذ استبعاد السوداني" من السباق الانتخابي، بسبب الإنفاق المالي الكبير على الانتخابات العراقية، لكن الشكوى رُدت من المفوضية.وجّه مقتدى الصدر أنصاره بإيقاف أي وقفات احتجاجية خلال الانتخابات التي يقاطعها تياره
وخلال الأسابيع الماضية برزت مخاوف سياسية وحزبية من احتمالات محاولة أنصار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر للنزول إلى الشوارع قبيل وأثناء الانتخابات، إلا أن الصدر قطع الطريق أمام هذه المخاوف، عبر توجيهه أنصاره بإيقاف أية "وقفات احتجاجية". وذكر الصدر في بيان الخميس الماضي، أنه "من الآن فصاعداً - أعني حتى يوم الانتخابات - لا داعي لأي وقفات رجاءً". وفي السياق، قال الباحث في الشأن السياسي والقريب من التيار الصدري، مناف الموسوي، لـ"العربي الجديد"، إن "الصدر لا يريد تعطيل الحياة الديمقراطية أو إسقاط النظام الحالي، إنما يريد الإصلاح"، مبيناً أن "الانتخابات واحدة من أهم وأبرز مظاهر الديمقراطية في أي بلد، لكن لا بد أن تكون نزيهة وتحاسب الفاسدين وتطردهم من السباق، ونحن نسجل ملاحظات ورفضاً لهذه الانتخابات، إلا أن التيار الصدري لا يريد أن يخرق القوانين".
وشهد العراق منذ الغزو الأميركي
في عام 2003 خمسة انتخابات، أولها في 2005 (قبلها أجريت انتخابات الجمعية الوطنية التي دام عملها أقلّ من عام)، فيما جرت الأخيرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، واعتُمد قانون الدائرة الواحدة لكل محافظة في النسخ الأربع الأولى. وأجريت انتخابات 2021 وفق الدوائر المتعدّدة، بعد ضغط قوي من الشارع والتيار الصدري لإجراء هذا التعديل، الذي كان يعارضه "الإطار التنسيقي" الحاكم. وفي مارس/ آذار 2023، صوّت البرلمان على التعديل الثالث لقانون الانتخابات البرلمانية العراقية الذي أعاد اعتماد نظام الدائرة الواحدة لكل محافظة.