الاحتلال يعمّق أزمة الفلسطينيين الإنسانية بسحب تراخيص عمل منظمات دولية

31 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:57 (توقيت القدس)
نشاط لمنظمة كير الدولية في أحد مراكز إيواء النازحين بقطاع غزة، مارس 2025 (موقع المنظمة)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- قررت السلطات الإسرائيلية عدم تجديد تراخيص 37 منظمة إنسانية في غزة والضفة الغربية، بما في ذلك منظمات دولية مثل أطباء بلا حدود وأوكسفام، مما يهدد بشل العمل الإنساني في المنطقة.
- القرار سيؤدي إلى تعميق الأزمة الإنسانية في غزة، حيث ستُمنع المنظمات من تقديم الخدمات الأساسية، مما يؤثر على آلاف الموظفين المحليين والدوليين ويزيد من تدهور الأوضاع المعيشية.
- تتذرع إسرائيل بعدم استكمال إجراءات التسجيل وتزعم تورط بعض العاملين في أنشطة "إرهابية"، ضمن حملة أوسع لعزل غزة وفرض سيطرة على المساعدات الإنسانية.

يرفض الاحتلال الإسرائيلي تجديد تراخيص 37 منظمة إنسانية وأهلية غير حكومية تعمل في قطاع غزة والضفة الغربية، تحت ذرائع أمنية مختلَقة، وذلك بعد إعلان ما تسمى وزارة الشتات الإسرائيلية و"مكافحة معاداة السامية"، أمس الثلاثاء، تعليق عمل هذه المنظمات، بزعم عدم امتثالها للقواعد الجديدة الخاصة بفحص المنظمات الدولية، والتي تتضمن مشاركة بيانات موظفيها وتمويلها وعملياتها وطبيعة الأنشطة التي تنفذها. 

ومن بين المؤسسات التي قرر الاحتلال الإسرائيلي عدم تجديد تراخيصها منظمة العون الطبي للفلسطينيين، وأوكسفام، وأطباء بلا حدود، وكير، إضافة إلى منظمات محسوبة على دول أوروبية، بينها فرنسا وسويسرا وبلجيكا والدنمارك. ويُعد القرار الإسرائيلي سابقة في تاريخ العمل الأهلي الدولي، من خلال منع هذا العدد الكبير من المنظمات من العمل تحت ذرائع أمنية، ووقف تقديم التسهيلات اللازمة لها على صعيد التراخيص ودخول الطواقم.

ويتزامن القرار الإسرائيلي مع سلسلة من القرارات التي سبق أن طاولت شخصيات ومنظمات دولية وأممية، لعل من أبرزها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، التي تتعرض منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية لقرارات وقوانين وصلت إلى حد استصدار قانون يمنع تزويدها بالكهرباء والمياه، إلى جانب منعها من العمل في الأراضي الفلسطينية.

ومنذ بداية حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يعتمد 2.4 مليون نسمة بدرجة أساسية على المساعدات التي تقدمها المنظمات الأممية والإغاثية الناشطة في الأراضي الفلسطينية، في ظل انعدام مصادر الدخل لمئات الآلاف من الأسر. وأسهمت هذه المؤسسات، التي يماطل الاحتلال ويرفض إصدار التراخيص اللازمة لها، في بناء عيادات متنقلة ومستشفيات ميدانية، إلى جانب توزيع المساعدات الإغاثية والغذائية على السكان في القطاع على مدار عامين، لا سيما مع انهيار المنظومة الصحية.

خطوة بلا أساس قانوني

وفي السياق، أكدت مسؤولة طبية في إحدى المؤسسات الصحية الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية أنّ قرار سلطات الاحتلال عدم تجديد تراخيص عمل 37 مؤسسة إنسانية ودولية يُعد خرقاً واضحاً للقوانين والمواثيق الدولية، ويمثل سابقة خطيرة تهدف إلى شل العمل الإنساني في قطاع غزة. وأشارت المسؤولة، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها، لـ"العربي الجديد"، إلى أن هذا القرار لا يستند إلى أي أساس قانوني أو مبرر موضوعي، وإنما يندرج في إطار سياسات السيطرة والعقاب الجماعي المفروضة على السكان المدنيين. وأضافت أن عدم تجديد التراخيص يأتي ضمن سياسة ممنهجة ينتهجها الاحتلال لمعاقبة أهالي غزة، إذ تلعب هذه المؤسسات دوراً محورياً في توفير الدعم الإنساني والإغاثي للسكان في ظل الأوضاع الكارثية.

وأوضحت أن الاحتلال كان قد أوقف فعلياً إدخال المساعدات منذ شهر مارس/ آذار الماضي، بذريعة ما يسميه "تعاون المؤسسات مع حركة حماس"، وهي اتهامات وصفتها بأنها "واهية ولا تمت للواقع بصلة". ولفتت المسؤولة إلى أنّ "الهدف الحقيقي من هذه الإجراءات هو إقصاء المؤسسات الإنسانية الشرعية ومنعها من العمل ضمن الأطر الدولية المعترف بها، بما فيها منظومة الأمم المتحدة، مقابل فرض آلية مساعدات خاضعة لسيطرة الاحتلال، بعيداً عن المعايير الإنسانية والقانونية المتعارف عليها".

وفيما يتعلق بتداعيات القرار على الأرض، لفتت إلى أن آثاره العملية لا تزال غير واضحة حتى الآن، إلا أن المؤسسة، بصفتها مؤسسة صحية، ستواصل تقديم الدعم للمستشفيات في قطاع غزة والضفة الغربية قدر الإمكان. وشددت المسؤولة الطبية على أن المؤسسات الفلسطينية مرخّصة أصولاً من السلطة الفلسطينية، التي تُعد الجهة القانونية المسؤولة عن الأراضي الفلسطينية، في حين يقتصر دور دولة الاحتلال، بموجب القانون الدولي، على تسهيل وصول المؤسسات الإنسانية، لا منعها من العمل أو عرقلة نشاطها.

خطوة تعمّق الأزمة الإنسانية في غزة

بدوره، حذر المدير التنفيذي لشبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، أمجد الشوا، من التداعيات المترتبة على القرار الإسرائيلي بشأن عدم تجديد تراخيص المنظمات الأهلية العاملة في الأراضي الفلسطينية. وقال في مقابلة مع "العربي الجديد" إنّ "القطاع يقف أمام واقع إنساني خطير جداً، في وقت تهدف فيه الخطوات الإسرائيلية الأخيرة تجاه المنظمات الدولية، بشكل واضح، إلى تعميق الأزمة الإنسانية، ومنع هذه المؤسسات من الوجود على الأرض لفضح انتهاكات الاحتلال عبر تقاريرها المهنية".

وأوضح الشوا أنّ "هذا القرار الخطير سيطاول العشرات من المنظمات الدولية التي يعمل بها آلاف الموظفين المحليين والدوليين، حيث سيمنع الاحتلال لاحقاً دخول الطواقم الأجنبية، بمن فيهم الأطباء والمتخصصون في العمل الإنساني، وهو ما سيزيد من تدهور المشهد على مختلف المستويات، لا سيما أن هذه المنظمات تعمل في الأراضي الفلسطينية منذ عشرات السنين".

وذكّر بأنّ "هذه المنظمات قدّمت خدمات أساسية وحيوية خلال فترة العدوان، خاصة في القطاع الصحي، حيث تقوم بإدارة العديد من المستشفيات الميدانية والعيادات والمراكز الطبية، إضافة إلى دورها المحوري في قطاعات المياه والإيواء ومكافحة سوء التغذية، في حين أن تغييبها سيكون له تأثير كارثي على الواقع المعيشي للسكان". ووفقاً للمدير التنفيذي لشبكة المنظمات الأهلية، فإن هذا القرار يترافق مع ما تعرضت له وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" من حظر ومنع لإدخال المساعدات، تحت ذرائع وحجج واهية من قبل الحكومة الإسرائيلية.

ولفت إلى عدم وجود أي بدائل لعمل "أونروا" ولا لهذه المنظمات غير الحكومية الدولية، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن المنظمات الأهلية الفلسطينية تتعرض هي الأخرى لحملة تحريض إسرائيلية متواصلة وضغوط على الممولين لوقف دعمها. وتابع الشوا: "نحن أمام خطوات إسرائيلية غير مسبوقة تستهدف المنظومة الإنسانية برمتها، بهدف تعميق الأزمة أولاً، وإسكات صوت هذه المنظمات وعزل قطاع غزة عن العالم ثانياً، ما يضع المواطن الفلسطيني أمام كارثة إنسانية ممتدة ومعقدة".

ذرائع إسرائيلية مختلقة

وكانت حكومة الاحتلال الإسرائيلي قد بدأت باتخاذ إجراءات لسحب تراخيص عمل منظمات دولية تنشط في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، بذريعة عدم استكمال هذه المنظمات إجراءات التسجيل وفق ما يقتضيه القانون الإسرائيلي، إضافة إلى مزاعم بتورط بعض العاملين فيها في أنشطة "إرهابية". وبحسب تقرير أوردته صحيفة يديعوت أحرونوت، أمس الثلاثاء، فإن هذه الخطوة تقودها هيئة مشتركة بين عدة وزارات، برئاسة ما تسمى وزارة الشتات و"مكافحة معاداة السامية".

وتشمل الخطوة الإسرائيلية إرسال رسائل رسمية إلى أكثر من عشر منظمات دولية، من بينها أطباء بلا حدود، لإبلاغها بسحب تراخيص عملها في إسرائيل ابتداءً من الأول من يناير/ كانون الثاني المقبل، مع إلزامها بإنهاء نشاطها بالكامل حتى الأول من مارس/ آذار. وفي 22 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، حذرت منظمة أطباء بلا حدود من أن القواعد الإسرائيلية الجديدة الخاصة بتسجيل المنظمات الدولية غير الحكومية قد تحرم مئات الآلاف من الأشخاص في قطاع غزة من الوصول إلى الرعاية الصحية المنقذة للحياة بحلول عام 2026. وأوضحت المنظمة أن هذه المتطلبات تهدد بسحب تسجيل المنظمات اعتباراً من الأول من يناير المقبل، ما من شأنه أن يحول دون قدرة منظمات إنسانية، من بينها "أطباء بلا حدود"، على تقديم الخدمات الأساسية للسكان في غزة والضفة الغربية.