الاتفاق التركي البحري يفجر الخلافات داخل معسكر شرق ليبيا

10 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 12:36 (توقيت القدس)
صالح خلال لقائه وزير الخارجية اليوناني في أثينا، 5 ديسمبر 2025 (كوستاس بالتاس/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- زيارة عقيلة صالح إلى أثينا أعادت فتح ملف الاتفاق البحري التركي الليبي، مما أبرز التباينات بينه وبين خليفة حفتر. اللقاءات مع المسؤولين اليونانيين ركزت على الاتفاق البحري، مما أثار ردود فعل في بنغازي.

- الصحافة اليونانية كشفت رفض وزير الخارجية اليوناني لمذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، داعياً البرلمان الليبي لعدم المصادقة عليها. ردود الفعل في بنغازي اعتبرت التصريحات اليونانية استفزازية، مؤكدة على سيادة ليبيا.

- التوترات بين صالح وحفتر تتعلق بحق التفاوض باسم الشرق الليبي. تشكيل لجنة لدراسة الاتفاق التركي الليبي يعتبر خطوة حاسمة لتحديد موقف البرلمان، مما يضع أنقرة وأثينا في حالة ترقب.

أعادت الزيارة التي أجراها رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح إلى العاصمة اليونانية أثينا، وما تلاها من بيانات، فتح ملف الاتفاق البحري التركي الليبي على نحو أعاد إظهار التباينات داخل معسكر الشرق، ولا سيما بين صالح واللواء المتقاعد خليفة حفتر

. والسبت، أنهى صالح زيارة رسمية إلى أثينا بدعوة من البرلمان اليوناني، استمرت يومين، التقى خلالها رئيس مجلس النواب اليوناني ووزير الخارجية جورج جيرابتريتيس، واكتفى الجانبان خلالها ببيانات طبعتها لغة دبلوماسية حول مناقشة الملفات المشتركة و"تنسيق المواقف" بما يخدم مصالح البلدين، غير أن ما نشرته الصحافة اليونانية لاحقاً، وما صدر من ردود في بنغازي، كشفا أن ملف الاتفاق التركي البحري مع ليبيا كان حاضراً في محادثات أثينا.

وفي اليوم التالي لانتهاء الزيارة، نشرت جريدة "كاثمريني" اليونانية، نقلاً عن مصادر دبلوماسية يونانية، أن وزير الخارجية أبلغ صالح رفض بلاده لمذكرة التفاهم البحرية، بدعوى أنها تتداخل مع الجزر اليونانية والمناطق الاقتصادية الخاصة بها، وأنه دعا البرلمان الليبي إلى عدم المصادقة عليها. وعلى الرغم من عدم صدور أي موقف أو تصريح رسمي من الجانب اليوناني يتبنى هذه التفاصيل، تعاملت تصريحات في الشرق الليبي مع التسريب كما لو كان موقفاً معلناً، إذ أصدر النائب الثاني لرئيس مجلس النواب مصباح دومة، المعروف بقربه من حفتر، بياناً عبّر فيه عن استنكاره لما اعتبرها "دعوات صريحة للتدخل في الشأن الداخلي الليبي"، مشدداً على أن الاتفاقيات التي تعقدها الدولة "قرارات سيادية لا تخضع لإملاءات خارجية"، وأن أي خلافات حول ترسيم الحدود البحرية ينبغي أن تُحل ضمن الأطر القانونية الدولية، لا عبر "تصريحات إعلامية تفتقر للدبلوماسية".

وأعقب بيان دومة بيان لرئيس الحكومة المكلفة في بنغازي والخاضعة لسلطة حفتر، أسامة حماد، اعتبر فيه التصريحات اليونانية المنقولة "استفزازية"، مؤكداً أن ليبيا "دولة ذات سيادة راسخة لا تقبل المساس بحقوقها البحرية، أو التشكيك في اتفاقياتها الثنائية المشروعة". وقال حماد إن مثل هذه التصريحات "لا تخدم الاستقرار الإقليمي"، داعياً الجانب اليوناني إلى "اللجوء إلى الآليات القانونية، والجلوس مع لجنة ترسيم الحدود البحرية الليبية بدلاً من التصعيد الإعلامي".

وكانت مصادر برلمانية أفادت "العربي الجديد" بتفاصيل ما دار في أثينا، موضحة أن الجانب اليوناني سعى من خلال دعوة صالح إلى تثبيت موقفه الرافض للمصادقة على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، خاصة أن صالح لم يتجاوب مع طلب رئيس حكومة بنغازي في يونيو/حزيران الماضي للمصادقة على الاتفاقية، واكتفى آنذاك بالدعوة إلى تشكيل لجنة لدراسة الطلب، من دون إبداء موقف صريح من الرفض أو القبول. وتعتبر أثينا الاتفاق البحري تهديداً مباشراً لنطاقها البحري، إذ ترى أنه يقوّض حقها في مناطق واسعة قبالة كريت، وهو ما يجعل موقف البرلمان الليبي عاملاً حاسماً في حساباتها الدبلوماسية، ولا سيما أن الاتفاق الذي وقعته حكومة الوفاق مع تركيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، أثار منذ ذلك الحين اعتراضاً يونانياً واسعاً لأنه، بحسب أثينا، يتجاهل وجود جزرها في شرق المتوسط، ويمنح أنقرة امتداداً بحرياً كبيراً يقتطع من منطقتها الاقتصادية.

ووفقاً للمصادر، فإن مداولات أثينا مع صالح أظهرت خشيتها من أن يتغير موقف مجلس النواب تحت تأثير ضغوط من جانب حفتر الذي دفع حماد إلى تقديم طلبه إلى مجلس النوب، في إطار توسيع حفتر لقنوات التواصل مع أنقرة. وشهدت علاقة حفتر بأنقرة انفتاحاً متدرجاً خلال العامين الماضيين، كان أبرز مظاهرها استقبال أنقرة لصدام حفتر، بصفته العسكرية الرسمية، في زيارتين معلنتين، في خطوة تبدو أنها تعكس رغبة أنقرة في ربط أي ترتيبات مستقبلية بالطرف الذي يسيطر على الساحل الليبي، بما في ذلك تنفيذ أي جزء من الاتفاق البحري.

ووفق المصادر، فإن صالح قدّم نفسه خلال لقاءاته في أثينا بصفته الجهة التي تملك "الشرعية القانونية" للبت في الاتفاقيات الدولية، لكنه لم يقدم أي التزام واضح، لا بالتصديق ولا بالرفض، مؤكداً أن أي قرار سيُحسم وفق آليات مجلس النواب، وهو ما أبقى الباب مفتوحاً أمام مختلف الاحتمالات. وفي ما يتصل بالمواقف الجديدة من جانب دومة وحماد، أوضحت مصادر في المجلس أن جزءاً من التصعيد الأخير جاء نتيجة قراءة داخلية اعتبر فيها حفتر أن صالح أعاد فتح ملف كان يُراد له أن يبقى مجمداً إلى حين استكمال ترتيبات سياسية أوسع بين الأطراف الإقليمية المعنية بالاتفاق.

وأشارت المصادر إلى أن حفتر كان قد أوفد نجله بلقاسم إلى اليونان مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي، لبحث فتح قنوات تعاون مباشرة، شملت مناقشة مشاركة شركات يونانية في مشاريع إعادة الإعمار في مدن الشرق. ومن هذا المنظور، رأت دوائر حفتر أن مجرد قبول صالح مناقشة المذكرة خلال زيارته الأخيرة، يمثل خطوة تمنحه مساحة تفاوض مستقلة قد لا تتسق مع المسار الذي كان حفتر يعمل على تثبيته مع أثينا. وعلى الرغم من ضغوط جانب حفتر، أشارت المصادر نفسها إلى عدم خضوع صالح، الذي أصرّ على ضرورة تشكيل لجنة لدراسة الاتفاق التركي الليبي، وسط تمسكه بأن تكون اللجنة ذات طابع قانوني بحت، تتولى تقييم الاتفاق، في وقت يدفع حفتر، عبر نواب مقربين منه، باتجاه ضم شخصيات تُعرف بتوجهها المؤيد للمصادقة على الاتفاق.

وتكتسب اللجنة أهمية مضاعفة في هذا السياق، إذ إن توصيتها ستحدد للمرة الأولى منذ توقيع المذكرة في 2019، ما إذا كان البرلمان سيتجه نحو المصادقة أو الإرجاء أو الرفض، وهو ما تراقبه أنقرة وأثينا بترقّب كبير. ووفق قراءته، يرى أستاذ العلاقات السياسية الدولية رمضان النفاتي، أن تطور الأوضاع في معسكر شرق ليبيا بات مرتبطاً بتوزيع النفوذ لا بالاتفاق نفسه، معتبراً أن ما يجري هو "جزء من تصعيد واضح" بين صالح وحفتر على من يمثل الشرق أمام القوى الإقليمية والدولية. وفي حديثه مع "العربي الجديد"، يلفت النفاتي إلى مستجد يراه مرتبطاً بالتصعيد الأخير، ويتمثل في زيارة حفتر إلى القاهرة للقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن هذه الزيارة "قد تكون وقعت ضمن سعي حفتر لضبط مسار التفاوض الإقليمي، بما يحدّ من مساحة حركة صالح في ملف الاتفاق البحري، ومن المرجح أن يكون قد استعان بالقاهرة للضغط على صالح".

ويضيف النفاتي أن هذا التنافس اتخذ في ملف الاتفاق شكلاً أوضح، لأن "مصر وتركيا واليونان والاتحاد الأوروبي يتعاملون مع هذا الملف بصفته جزءاً من توازنات شرق المتوسط، ما يمنحه وزناً سياسياً لا يتوافر في ملفات أخرى"، موضحاً أن حفتر يعتمد في موقعه التفاوضي على السيطرة العسكرية على الشريط الساحلي "الذي يمنح الاتفاق قيمته العملية، مما يجعله طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي تفاهم يتعلق بحدود أو مياه اقتصادية". وفي المقابل يتمسك صالح بـ"ورقة المصادقة البرلمانية على الاتفاق، مما يمنحه القدرة على إبقاء الاتفاق معلقاً، أو تمريره أو رفضه وفق ما تفرضه موازين اللحظة السياسية".

ويخلص النفاتي إلى أن مكمن الخلاف بين صالح وحفتر "يتعلق بسؤال من يحتكر حق التفاوض باسم الشرق؟ فالمذكرة لم تعد مجرد وثيقة تتعلق بحدود بحرية، بل تحولت إلى ورقة تستخدمها الأطراف الدولية لقراءة من يملك القرار في الشرق الليبي". ويعتبر أن بيانات دومة وحماد التي جاءت رداً على تسريب صحافي يوناني، "تسلط الضوء على هذا التنافس أكثر مما تعكس خلافاً حول اليونان أو تركيا، لأنها تعكس حساسية الطرفين من أي خطوة يمكن أن تنقل مركز التفاوض من يد جهة إلى أخرى".

المساهمون