الإشارات المحيّرة بين واشنطن وطهران

23 سبتمبر 2020
الصورة
خلا خطاب الوزراء والسفيرة وردودهم على الأسئلة من لغة التهويل أو التلويح بالعصا (فرانس برس)
+ الخط -

نشط الحديث الأميركي في الآونة الأخيرة بصورة ملحوظة عن إيران. حيث بدأ بتحريك "آلية الزناد" أو "سناب باك" لتجديد عقوبات ما قبل صفقة النووي ضدها، وجلسة مجلس الأمن الأخيرة بهذا الخصوص، ثم انتقل إلى التركيز على دور طهران الإقليمي "الشرير" وخاصة في لبنان والعراق، وذلك بحسب وزارة الخارجية.

وقد تجلّى ذلك بأوضح صورة يوم الإثنين في المؤتمر الصحافي الذي عقده خمسة مسؤولين هم وزراء (الخارجية والدفاع والمالية والتجارة ومستشار الأمن القومي وسفيرة واشنطن في الأمم المتحدة) في مقر وزارة الخارجية، للإعلان عن الخطوات المزمع اتخاذها ضد كل من لا يلتزم بالعقوبات المتجددة، سواء من الدول أو الجهات أو الأفراد.

وكان هذا الملف محور ندوات ومتابعات في مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام التي لمحت أكثر من مرة إلى "مفاجأة أكتوبر" إيرانية محتملة، تقوم بها إدارة دونالد ترامب عشية انتخابات الرئاسة.

أوحت العودة إلى الملف الإيراني بهذا الزخم، وهو موضوع لم تفارقه السخونة أصلاً، بأن ثمة طبخة يجري إعدادها لتوظيفها في الانتخابات

وقد أوحت العودة بهذا الزخم إلى موضوع لم تفارقه السخونة أصلاً، بأنّ ثمة طبخة يجري إعدادها لتوظيفها في الانتخابات. قد تكون سلمية على شكل حوار، وقد تكون صدامية. ولكن رغم تردي العلاقات؛ فإنّ كفة استبعاد الصدام تبقى هي الأرجح في ضوء السوابق التاريخية.

فمنذ رونالد ريغان وحتى دونالد ترامب، نأى الرؤساء عن خيار القوة ضد إيران حتى في أوقات التوتر العالي. إذ ذهب ريغان إلى حد التعامل المخفي معها في ما عرف بفضيحة "إيران-غيت"، والتي كاد انكشافها أن يطيح برئاسته. أما الرئيس بيل كلينتون فقد صرف النظر عن الرد على تفجير اتهمت به إيران لثكنة الخُبر الأميركية في السعودية سنة 1996. واكتفى جورج بوش الابن بتصنيف طهران في خانة دول "محور الشر"، رداً على دورها في العمليات العسكرية ضد القوات الأميركية في العراق. في حين آثر الرئيس باراك أوباما التوصل مع إيران إلى اتفاق نووي يوصف بـ"الرخو" على القيام بعمل عسكري لضرب المنشآت النووية الإيرانية.

وكذلك فضّل الرئيس ترامب تجاهل إسقاط الطائرة الأميركية المسيرة في مياه مدخل الخليج في يونيو/ حزيران 2019، بذريعة أنّ الرد على إيران قد يودي بحياة حوالي 150 شخصاً وأنّ ذلك غير مقبول.

وفي السياق نفسه يُذكر أنّ واشنطن اكتفت برد محدود على محاولة إيرانية لإغراق فرقاطة أميركية بلغم بحري في الخليج عام 1988.

كل ذلك معطوفاً على تجربة احتلال العراق، خلق نوعاً من ضعف القابلية الأميركية للدخول في مواجهة قد تؤدي إلى حرب مع إيران. ويسري ذلك على المحافظين التقليديين وعلى الكونغرس إجمالاً، كما على البنتاغون حسب ما يتردد. لذلك كانت الاحتكاكات كلها محسوبة لتقليل فرص الانفلات فيها، وبما لا يجرّ إلى التورط المديد غير المرغوب.

ولهذا اختار الرئيس ترامب سلاح "الضغط" الاقتصادي بدلاً من الخيار العسكري. حيث عملت إدارته بمن فيها من صقور، على تجديد حظر بيع الأسلحة لإيران بعد انتهاء موعده في 18 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل. واستحضرت آلية الزناد "سناب باك" المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن 2231 بشأن الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، رغم انسحابها من الاتفاق، والذي كان سبباً في فشلها، الشهر الماضي، باستصدار قرار من المجلس لتمديد الحظر، لترد على الفشل بتحريك هذه الآلية من طرف واحد، رغم الاعتراض الدولي الواسع، وأصرت على إدخاله حيز التنفيذ ابتداء من السبت الماضي.

وقد حرصت الإدارة، يوم الإثنين، على عقد مؤتمر صحافي لافت بحضور الوزراء والسفيرة، للتأكيد على عزمها وجديتها بشأن إعادة فرض العقوبات على إيران، والتحذير من معاقبة كل جهة "كائناً من كانت لو خالفت حظر بيع السلاح لإيران".

خاطب الوزير جواد ظريف الأميركيين بلغة شبيهة من حيث ليونتها الظاهرة، وأبدى استعداد بلاده للتفاوض "الذي لم تتردد مرة بشأنه"

ولكن في مقابل التشدد في فرض العقوبات؛ خلا خطاب الوزراء وردودهم على الأسئلة من لغة التهويل أو التلويح بالعصا. وأقصى ما ذهب إليه وزير الدفاع مارك إسبر، كان التشديد على استعداد القوات العسكرية الأميركية في المنطقة "للرد على الاعتداءات الإيرانية". بل إنّ مستشار الرئيس روبرت أوبراين، رحّب بإيران "والسير إلى جانبها عندما تختار طريق السلام".

في المقابل، خاطب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الأميركيين بلغة شبيهة من حيث ليونتها الظاهرة. ففي شبه ندوة نظمها له بالفيديو، يوم الإثنين، "مجلس العلاقات الخارجية"، أبدى استعداد بلاده للتفاوض "الذي لم تتردد مرة بشأنه"، ولو أنه سارع مستدركاً بالقول أنها "لا تتفاوض على ما سبق وتفاوضت عليه".

ولكنه مع ذلك، ترك فسحة للتفسير والمرونة، بابتعاده عن الجزم برفض إعادة التفاوض، حيث حرص على إبقاء الاحتمال معلّقاً. وزيادة في التلميح، قال إنّ "على الولايات المتحدة العودة إلى تنفيذ التزاماتها، ثم بعد ذلك يمكنها الكلام عن الباقي من الصفقة". وكأنه بذلك يشير إلى وجوب تراجع الإدارة أولاً عن العقوبات، ثم يصبح لكل حادث حديث.

وإذ قال إنّ ملف اغتيال الجنرال قاسم سليماني "لم يقفل بعد"؛ فإنه كان حريصاً على التوضيح بأنه لا يقصد "التهديد". وفي إشارة أخرى عن الاستعداد للانفتاح على الأخذ والرد، قال إنّ إيران "تدعم الحوار الأفغاني وتتابع مجرياته في الدوحة... وستعمل قدر المستطاع للمساعدة" في الحل السياسي، رغم إعرابه عن التشاؤم من العملية بسبب "أخطاء واشنطن".

والحال أنّ لغة الجانبين في أحسن أحوالها مبطّنة، وبالتالي محيّرة. وبهذا هي مفتوحة على التغيير في ضوء المستجدات وظروف اللحظة. وخاصة خلال الأسابيع المتبقية للانتخابات الأميركية التي تحكم وتتحكم الآن بكل المواقف والسياسات.

وإذا كانت إيران تنتظر الانتخابات قبل أن تحدد تحركاتها التالية؛ فإنّ إدارة ترامب قد لا تتردد في اتخاذ أي خطوة، ترى أنها قد ترجح كفة الميزان، وإن كانت من صنف "مفاجأة أكتوبر" إيرانية أو غيرها.