الأمن العام... عنصر ثالث في استراتيجية الصين لإدارة الحوار مع جيرانها
استمع إلى الملخص
- يهدف حوار "3+3" إلى تعزيز التعاون الأمني بين الصين وفيتنام لمواجهة تحديات مشتركة مثل النزاعات البحرية والتهريب، مما يعكس تداخل المصالح المشتركة.
- إدراج الأمن في الحوار يعكس مخاوف صينية بشأن استقرار النظام السياسي في فيتنام، مع سعي فيتنام لتنويع علاقاتها الخارجية وإدارة نزاعاتها مع الصين بهدوء.
يبدو أن الصين لا تألو جهداً في اجتراح آليات دبلوماسية جديدة للتعامل مع جيرانها، في ظل اتساع نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، والتي دأبت على تعزيز تحالفاتها الأمنية والعسكرية مع غالبية الدول التي لديها نزاعات مع بكين. فقد أثارت استراتيجية الصين بشأن إدراج الأمن العام إلى جانب الدبلوماسية والدفاع في آلية الحوار الجديدة التي انتهجتها الصين مع فيتنام، في وقت سابق من الشهر الحالي، تساؤلات حول النهج الجديد للدبلوماسية الصينية.
وكانت الصين قد أطلقت حوار "3+3" مع فيتنام، في إطار الاجتماع السادس عشر للجنة التوجيهية الصينية الفيتنامية للتعاون الثنائي (لجنة مسؤولة عن إدارة العلاقات الثنائية تأسست في عام 2006 ويرأسها بشكل مشترك وزيرا خارجية البلدين) الذي عقد في العاصمة بكين في العاشر من ديسمبر/كانون الأول الحالي، بحضور وزير الخارجية الصيني وانغ يي، ونظيره الفيتنامي بوي ثانه سون، وممثلين عن وزارتي الدفاع والأمن من كلا البلدين.
آلية جديدة في استراتيجية الصين
تعتبر هذه الآلية الأولى من نوعها بالنسبة إلى استراتيجية الصين في السياسة الخارجية التي اعتمدت تقليدياً على صيغة "2+2" الأكثر بساطة في العلاقات الثنائية. ويأتي الحوار الذي يركز على الدبلوماسية والدفاع والأمن العام في وقت يُنظر فيه إلى جنوب شرق آسيا بشكل متزايد على أنه رقعة شطرنج جيوسياسية للتنافس بين القوى العظمى.
وانغ خه: آلية "3+3" انعكاس لتداخل المصالح بين الصين وفيتنام
في تعليقها على استراتيجية الصين الجديدة، قالت وسائل إعلام صينية، أول من أمس الأحد، إن هذه الخطوة تشير إلى طموح بكين في جذب فيتنام إلى فلكها، في حين تسعى هانوي إلى تأمين رهاناتها من خلال موازنة العلاقات مع القوى العالمية الأخرى. واعتبرت أن هذا الإطار بالغ الأهمية بالنسبة إلى استراتيجية الصين؛ كونه يساعد في تسهيل تحالفها مع فيتنام، وقطع الطريق أمام الولايات المتحدة التي قد تسعى في ولاية دونالد ترامب الثانية إلى الاستفادة من هانوي لمواجهة نفوذ بكين في جنوب شرق آسيا.
وعادة ما تتضمن الآليات الثنائية التي تتبناها بكين صيغة "2+2"، التي تضم وزراء الخارجية والدفاع. وقد أنشأت بكين مثل هذه الآليات في الماضي مع اليابان وكوريا الجنوبية وباكستان وإندونيسيا. وفي الوقت نفسه، تجري فيتنام من جانبها حوارات مماثلة مع الولايات المتحدة وروسيا وأستراليا وفرنسا. ولكن إدراج الأمن العام في الصيغة الجديدة بين الصين وفيتنام أثار تساؤلات بشأن هذه الخطوة والغاية منها.
ضرورة أمنية
اعتبر الباحث في معهد الجنوب للدراسات الدولية الصيني، وانغ خه، في حديث لـ"العربي الجديد"، آلية "3+3" انعكاساً لتداخل المصالح المشتركة بين البلدين. وقال إن إطلاق هذه الآلية ضمن استراتيجية الصين يهدف إلى إدارة العلاقات الثنائية في إطار تعاوني يقوم على مبدأ التفاهم والتنسيق بين كافة الإدارات والوزارات السيادية، لافتاً إلى أن البلدين يشتركان في حدود بحرية وبرية، ولديهما ملفات وقضايا مشتركة تتعلق بالنزاعات البحرية وعمليات التهريب والاحتيال الإلكتروني، وبالتالي فإن إضافة الأمن العام إلى صيغة الحوار الثنائي، الذي كان يقتصر سابقاً على الدبلوماسية والدفاع، مسألة ملحّة تلبي احتياجات الطرفين، وتسهم في رفع كفاءة التعاون في هذه المواضيع المتقاطعة.
ولفت وانغ خه إلى أنه في السنوات الأخيرة، انتقلت العصابات الصينية المتورطة في عمليات الاحتيال والاتجار بالبشر وتهريب المخدرات، إلى دول جنوب شرق آسيا، بما في ذلك فيتنام، مستغلة ضعف القوانين هناك، فضلاً عن الاضطرابات الأمنية والسياسية في تلك الدول، لذلك كانت هناك حاجة ملحة لدى السلطات الصينية من أجل تعزيز التعاون الأمني مع هانوي لضبط المتورطين وجلبهم إلى البر الرئيسي الصيني.
وأشار الباحث الصيني إلى بُعد آخر، يتعلق بمسألة التدخلات الأميركية في المنطقة، وسعي واشنطن إلى تعزيز تحالفاتها الأمنية والعسكرية مع دول مثل الفيليبين وفيتنام إلى جانب اليابان وكوريا الجنوبية. وقال إن بكين تراقب بقلق هذه التحركات وتعتبرها تهديداً لأمنها ومصالحها الاستراتيجية، لذلك لا بد من قطع الطريق أمام الإدارة الأميركية المقبلة، من خلال تفعيل آليات دبلوماسية تتساوق مع متطلبات المرحلة.
شبح التغيير
ليو مينغ: إدراج الأمن يعكس مخاوف صينية تتعلق بسلطة الحزب الشيوعي الفيتنامي
من جانبه، قال أستاذ العلاقات الدولية في معهد وان تشاي للأبحاث والدراسات في هونغ كونغ، ليو مينغ، في حديث مع "العربي الجديد"، إن إدراج الأمن في إطار الحوار الثنائي مع هانوي، يعكس مخاوف صينية تتعلق بسلطة الحزب الشيوعي الفيتنامي الذي كان قد تعرّض لأزمات سياسية في النصف الأول من العام الحالي بسبب صراعات على الحكم، وبالتالي هناك خشية من حالة الفوضى وعدم الاستقرار وتكرار شبح التغيير. ولفت إلى أن إدراج الأمن في أول حوار بين البلدين بعد الاستقرار السياسي في هانوي، يشير إلى أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي يشكل أولوية مشتركة للجانبين، خصوصاً أنهما يمثلان نظامين اشتراكيين يشتركان في الهواجس الأمنية ويتأثران بحساسية مفرطة إزاء رياح التغيير والاحتجاجات الشعبية.
يشار إلى أنه في أغسطس/آب الماضي، زار الأمين العام الجديد للحزب الشيوعي في فيتنام تو لام، العاصمة بكين، والتقى بالرئيس الصيني شي جين بينغ. وتعهد الجانبان، وقتها، بتعزيز التعاون بين البلدين في مكافحة الانفصالية، ومنع "الثورات الملونة"، وحماية الأمن السياسي والنظام العام. وتسعى فيتنام إلى الحفاظ على هامش من المناورة على الساحة العالمية، وقد عملت بنشاط على تنويع علاقاتها الخارجية في السنوات الأخيرة، ونسجت علاقات أوثق مع الولايات المتحدة واليابان وغيرهما من الشركاء الإقليميين، وفي الوقت نفسه حافظت على علاقات وطيدة مع الصين. وقد سمحت هذه الاستراتيجية لهانوي بإدارة نزاعاتها مع بكين في بحر الصين الجنوبي بهدوء، من دون الانخراط في مواجهة مفتوحة على غرار الفيليبين.