الأزمات تخيم على ليبيا: أسئلة بشأن التزامن وتعقيدات المشهد

12 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 04:15 (توقيت القدس)
حريق في خزان بمصفاة الزاوية، 10 أغسطس 2026 (رويترز)

في غضون أيام قليلة، وجدت ليبيا نفسها وسط مشهد متوتر تتقاطع فيه احتجاجات الشارع مع اضطرابات أمنية استهدفت منشآت حيوية، وأزمة مفاجئة في رأس المؤسسة النقدية، وصولاً إلى اغتيال مسؤول أمني رفيع في بنغازي. وعلى الرغم من عدم وجود ما يثبت وجود رابط بين هذه الوقائع، فإن تقاربها الزمني طرح أسئلة حول طبيعة المرحلة التي يمكن أن تدخلها البلاد وتأثيرها المحتمل في المسارات السياسية.

وبدأ الأمر منذ نحو أسبوعين عندما خرج مئات المواطنين في طرابلس احتجاجاً على تصاعد أزمة الكهرباء، قبل أن تتوسع مطالبهم لتشمل إصلاحاً شاملاً وتغيير الحكومة وإنهاء الانقسام بين مؤسسات الدولة، كما أقدم بعض المحتجين على إغلاق مؤسسات ومقار حكومية في منطقة سوق الجمعة، حيث تركزت الاحتجاجات. وما إن خفتت الاحتجاجات بصورة مفاجئة في مطلع أغسطس/ آب الحالي، بالتزامن مع اتفاق الحكومة على تسوية خلافات دامت عاماً بينها وبين جهاز الردع، الذي يمثل إحدى أكبر المجموعات المسلحة في العاصمة طرابلس والذي توجد مقراته الرئيسية في سوق الجمعة، حتى أثار هذا التزامن تساؤلات، خصوصاً أن أزمة الكهرباء لم تكن قد انتهت. لكن مع تراجع احتجاجات طرابلس، انتقل الاضطراب إلى غرب العاصمة، ويومي السبت والاثنين الماضيين تعرضت منشآت في مجمع الزاوية النفطي لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة استهدفت خزانين في المصفاة، وتسبّبت في اندلاع نيران وأضرار واسعة، وسط متابعة المؤسسة الوطنية للنفط تداعيات الهجمات، وتلويحها بإعلان القوة القاهرة ووقف الإنتاج في المجمّع، محذرة من تداعيات ذلك على شبكة الكهرباء التي تتزود بالوقود منهما، وعلى مستوى الإنتاج النفطي في البلاد.

وأضفى تكرار الهجمات طابعاً مختلفاً على الاضطرابات في مدن غرب البلاد، التي تشهد صراعات متكررة بين مجموعات مسلحة على النفوذ، خصوصاً في الزاوية وصرمان، حيث تنتشر أنشطة تهريب الوقود والمهاجرين غير النظاميين، فقد فتح امتداد الاستهداف إلى منشآت حيوية الباب أمام فرضيات بشأن ارتباطه بالصراع بين هذه المجموعات ومحاولة بعضها حرمان الأخرى من الاستفادة منها.

تطورات متسارعة في ليبيا

ووسط هذا التصعيد، تقدّم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، صباح الاثنين الماضي، بطلب إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لإعفائه من منصبه، من دون كشف الأسباب، وسط ارتفاع حاد ومفاجئ في الأسعار. وفيما طالبه المجلس الأعلى للدولة بمواصلة مهامه ووعد بتشكيل لجنة مشتركة مع المصرف لمواجهة التحديات، لم يعلن مجلس النواب موقفاً، بل برز موقف مغاير، إذ قدّم نائب المحافظ مرعي البرعصي، ممثل معسكر شرق ليبيا في إدارة المصرف، استقالته من منصبه من دون ذكر أسبابها.

ثم جاءت ليلة الاثنين بتطور أمني، بعد تداول أنباء عن مقتل اللواء فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في بنغازي، إثر انفجار استهدف سيارته بعبوة ناسفة، قبل أن تنعاه "القيادة العامة" لقوات خليفة حفتر، مرجعة الاغتيال إلى "عملية إرهابية"، ومتعهدة بملاحقة الجناة.

تقدّم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى بطلب إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لإعفائه من منصبه، من دون كشف الأسباب

ولا تبدو هذه المشاهد الأربعة مختلفة كثيراً عن أزمات سابقة، رغم أنها نقلت البلاد إلى مستوى جديد من التوتر السياسي والاقتصادي والأمني، فتزامن اختفاء الاحتجاجات مع تسوية الخلاف بين الحكومة وجهاز الردع يذكّر بالتوظيف الذي شهدته أحداث طرابلس أكثر من مرة، ففي منتصف مايو/ أيار الماضي، وإثر توسع شغب رياضي بين أنصار ناديين من طرابلس، اقتحم محتجون مقر الحكومة وأضرموا النار فيه، وسط هتافات بإسقاطها، بذريعة عدم دعمها للأندية.

وبالتزامن مع الاحتجاجات الأخيرة، أطلقت وسائل إعلام مقربة من حفتر في شرق البلاد حملات لتثوير الشارع في العاصمة وتحميل الحكومة مسؤولية أزمة الكهرباء، رغم أن مناطق شرق البلاد كانت تعاني بدورها من انقطاعات حادة، وصلت في بنغازي إلى أيام أحياناً. كما أن أزمة مصرف ليبيا المركزي ليست جديدة، فقد اندلعت لأسابيع في صيف 2024 عندما تحرك المجلس الرئاسي لإقالة المحافظ السابق الصديق الكبير، في خطوة رفضها معسكر شرق البلاد، ما أدخل البلاد في أزمة حول الجهة صاحبة الحق في إقالة وتعيين شاغلي المناصب السيادية، قبل أن تتدخّل البعثة الأممية لتسوية الخلاف والاتفاق على المحافظ الحالي، فيما عاش الليبيون أزمة معيشية خانقة وسط اشتعال الأسعار وغياب السيولة. ووسط ذلك استخدم معسكر حفتر ورقة النفط للضغط من أجل إشراكه في اختيار المحافظ، مهدداً بإغلاق المنشآت النفطية الواقعة تحت سيطرته في جنوب البلاد، وهي ورقة لطالما استخدمها للحفاظ على موقعه طرفاً رئيسياً في الصراع.

ولم يتجاوز تعاطي السلطات مع الأحداث الأخيرة إعلان فتح تحقيقات بشأنها، بالتزامن مع اجتماع عقده رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة مع قادة الأجهزة الأمنية والمجموعات المسلحة في طرابلس، لمناقشة "مستجدات الأوضاع الأمنية، وسبل رفع مستوى الجاهزية والتنسيق بين مختلف الأجهزة والمؤسسات العسكرية والأمنية"، بحسب المكتب الإعلامي للحكومة، الذي نقل عن الدبيبة تأكيده "ضرورة التعامل بحزم مع أي تعديات أو أعمال من شأنها تهديد الأمن أو المساس بالمنشآت والمرافق الحيوية". في المقابل، أعلنت قيادة حفتر أن قتلة المنصوري "لن يفلتوا من العقاب"، متعهدة بملاحقتهم وتقديمهم للعدالة.

تحوّلات جديدة أم تمدد الأزمة؟

وبينما تبدو الحوادث الأخيرة منفصلة، فإن وقوعها خلال فترة زمنية قصيرة يطرح تساؤلات تتجاوز ملابساتها: فهل تمثل امتداداً لمشهد الأزمة الذي عرفته البلاد خلال السنوات الماضية، أم أنها تكشف عن تحولات جديدة في سياق الأزمة الليبية؟

ويقول الخبير الأمني الصيد عبد الحفيظ، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن الحديث عن هذه الأحداث وتحليلها من الناحية الأمنية "لا يزال صعباً، لعدم توفر نتائج واضحة للتحقيقات بشأنها، لكن ما يمكن قوله حتى الآن هو أنها تكشف عن تغير في طبيعة توظيف أدوات الضغط"، لافتاً إلى أنه في السابق كانت الأطراف تعتمد على الاشتباك المسلح أو قطع الطرق وإغلاق الحقول والموانئ "وهي أدوات أمن رصد أطرافها بالنظر إلى موقعها الجغرافي والجهة التي تقع تحت سيطرتها".

الصيد عبد الحفيظ: اغتيال المنصوري يتجاوز الخرق الأمني إلى ما هو أكبر، باعتباره تهديداً لسلطة حفتر في معقله الرئيسي في بنغازي

ويرى عبد الحفيظ أن الصورة الحالية التي ظهرت في شكل هجمات بالمسيّرات على منشآت الزاوية، تؤشر إلى "انتقال محتمل إلى نمط من الاستهداف عن بعد للبنية التحتية الحيوية، وبمعنى آخر لم يعد الهدف السيطرة الميدانية المباشرة، بما يمنح الجهة المنفذة قدرة أكبر على إرباك خصمها في موقع محدد، من دون أن يطاول كل المؤسسة النفطية، كما كان يفعل حفتر في الجنوب، إذ كان يوقف الإنتاج كلياً". ويضيف "هذا الشكل من الضغط لم يظهر إلا في مناطق التوتر في غرب البلاد، حيث لا تملك الحكومة نفوذاً حقيقياً، ما يعني أن تلك المنطقة صارت خاصرة رخوة وبؤرة توتر سوف تستنزف الكثير من جهد الحكومة إذا أرادت القضاء عليها وإثبات سيطرتها، أو تبقى دليلاً صارخاً على ضعف الحكومة حتى في محيط العاصمة، ما يقلل نفوذها السياسي بشكل كبير".

والأمر نفسه يراه عبد الحفيظ في جانب القيادة العامة في بنغازي، من خلال اغتيال المنصوري، الذي يعد من أبرز أركان حفتر الذين اعتمد عليهم لوقت طويل، قائلاً: "اغتيال المنصوري يتجاوز الخرق الأمني إلى ما هو أكبر، باعتباره تهديداً لسلطة حفتر في معقله الرئيسي في بنغازي، وبيان حفتر في نعي المنصوري احتوى على اعتراف ضمني عندما أرجع السبب للإرهاب، فمكافحة الإرهاب التي لطالما رفعها شعاراً لوجوده في المشهد من الأصل أقر الآن باستمرار وجودها داخل بنغازي نفسها".

وبالمجمل، يرى عبد الحفيظ تحولاً في مشهد الأزمة الليبية، موضحاً أن "الكلام انتقل من توترات كنا نرصدها وتمرّ، إلى مستوى آخر يستهدف المؤسسات بشكل مباشر، المؤسسة النقدية والمؤسسة النفطية والمؤسسة الأمنية، وهذا أمر قد لا ينذر بخير إذا لم يدرك جميع الفرقاء أهمية تجاوز الخلافات والذهاب مباشرة إلى توافقات لتوحيد جميع المؤسسات، خصوصاً أننا نتحدث الآن عن تغير نوعي حتى في الأسلحة، فالمليشيات تستخدم الآن المسيّرات التي يمكنها الوصول إلى أي مكان قد تعتقد الأطراف أنه بمنأى عن الاستهداف".

من جهته، لا يرى الناشط السياسي ارحومة الطبال رابطاً مباشراً بين الأحداث الأربعة الأخيرة، وسط أقاويل ترجح إمكانية وقوف أطراف وراء هذا التصعيد في أكثر من مكان. ويلفت في حديث لـ"العربي الجديد" إلى أن المشهد في شرق البلاد كان يتركز في اتجاه التغاضي عما يحدث في المصرف المركزي، وكأن مجلس النواب وراء هذا التصعيد، لكن الأحداث "انتقلت فجأة إلى داخل بنغازي وكأن الاغتيال هز كل شيء".

ارحومة الطبال: عندما تصبح الحكومة في طرابلس غير قادرة على توفير مقدرات المعيشة الأساسية للمواطن وعلى حماية المنشآت، فهذا يطعن في شرعية وجودها

وفيما يلفت الطبال إلى أن الأحداث في بنغازي في السابق كان يمكن أن تشير إلى تورط معسكر حفتر فيها، فإنه يرى أن المستهدف هذه المرة هو معسكر حفتر نفسه. ويضيف: "عندما تصبح الحكومة في طرابلس غير قادرة على توفير مقدرات المعيشة الأساسية للمواطن وعلى حماية المنشآت، فهذا يطعن في شرعية وجودها من أساسه، والأمر نفسه بالنسبة إلى معسكر حفتر الذي لطالما تغنى بالأمن واستتبابه في الشرق، خصوصاً أن من اغتيل ليس ضابطاً عادياً، وإنما رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية، المفترض أنه يعلم بدقائق الأمور، وهو حدث هز عرش حفتر في عيون الناس بكل تأكيد". ويتابع: "الأخطر سياسياً ليس في طبيعة الأحداث، فكل منها له سابقاته التي يمكن التمثيل بها، أما الآن فالخطر في البيئة التي صارت تسمح لأي طرف بأن يفرض نفسه مهما كان حجمه ليشل الحياة ويعطلها. وبشكل أكثر وضوحاً، فإن هذه الأحداث قد تُعدّد الأطراف التي انحصرت إلى وقت قريب في طاولة 4+4 الأممية أو طاولة ثنائية كالتي تسيرها المبادرة الأميركية".

ويلفت الطبال إلى أن تأثيرات أزمة محافظ المصرف المركزي تشير إلى عدم قدرة الأطراف الرئيسية على حماية تفاهماتها، فالمحافظ الحالي لم يمض على التوافق عليه أقل من عامين "والمعنى أن التوافق لم يتحوّل إلى قاعدة يمكن البناء عليها، فكيف يمكن الوثوق بحمايتها لتسوية مقبلة؟". ويختم بأن الأحداث الأخيرة "أرجعت الأوضاع إلى مستوى الضعف لدى الأطراف الأساسية، بحيث صارت لا تواجه بعضها بعضاً، بل تعالج أزماتها الداخلية"، مضيفاً: "السؤال الذي طفا إلى السطح وقد يزيد من التأزيم، تجاوز سؤال من يسيطر على المصرف والنفط والأجهزة الأمنية، إلى: هل تستطيع الحكومة حماية نفسها داخل العاصمة؟ وماذا عن حقيقة سيطرة حفتر على بنغازي؟".