الأجيال القادمة أم الانتخابات المقبلة؟

الأجيال القادمة أم الانتخابات المقبلة؟

30 نوفمبر 2020
الصورة
قال المشيشي إن إنجاز المشاريع يحتاج إلى ساحة سياسية أكثر هدوءاً (ياسين قايدي/الأناضول)
+ الخط -

ما قاله رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي، كان مهماً ولافتاً، حين أكد فجر أمس الأحد في البرلمان التونسي بمناسبة مناقشة موازنة العام المقبل، أن إنجاز المشاريع والقيام بالإصلاحات الكبرى "يحتاج إلى توافقات أوسع وساحة سياسية أكثر هدوءاً تستثمر في الأجيال القادمة لا في الانتخابات المقبلة".

هذا الكلام صحيح بنسبة كبيرة، لكنه يطاول الجميع الذين لا يفكرون إلا في سبر الآراء ووهم البطولة الاتصالية والانتصار المؤقت، في انتظار كسب انتخابات قد تلقي بهم في مربع الشتات البرلماني الذي نراه اليوم، ويتكرر منذ وضع الدستور.

الكل يفكر في الانتخابات المقبلة ولا شيء غيرها، الأحزاب والشخصيات ودوائر التأثير الاقتصادي، وحتى الحكومة والرئاسة وغيرهما من المؤسسات. أما الأجيال؛ الحالية والقادمة، فلها الله، لا أحد يفكر في طوابير انتظار أسطوانة الغاز التي تدوم ساعات ولا في عائلات لا تجد ما تقتاته. لا يفكرون إلا في الكرسي الهزاز الذي ألقى بالسابقين وسيلقي باللاحقين، وكأن درس الانتخابات الماضية قد انمحى من أذهان الجميع بأنّ الشعب يريد التغيير.

اليوم يثور الجميع في تونس؛ قضاة ومواطنون وأطباء وتجار صغار وغيرهم، فيما السادة السياسيون في لهوهم المعتاد، يتقاذفون التهم ويتنابزون بالألقاب، وماضون في مسلسل تسجيل النقاط الممل، وكأن الشعب يعيرهم أي انتباه.

حتى عندما اتفقوا على حوار لمنع الانهيار، اختلفوا على من يديره. آخر ما قاله رئيس الحكومة، الأحد، إنه يدعو إلى "حوار وطني حول تعزيز وتوسيع منظومة الأمن الاجتماعي والإصلاحات والخيارات الاقتصادية الكبرى، التي تؤمن بالقيمة الفردية للكفاءات التونسية".

كلام يراد به حتماً قطع الطريق أمام دعاة حوار يديره الرئيس قيس سعيّد، وهو استمرار للحرب نفسها التي لم تهدأ منذ أشهر بين ائتلاف حركة "النهضة" و"قلب تونس" و"الكرامة" والحكومة، وبين التيار الديمقراطي وحركة الشعب والرئيس، فيما يعزف الحزب "الدستوري الحر" منفرداً، ويستفيد من معركة تتكسر فيها عظام منافسيه.

يبدو أنّ المشيشي أخذ زمام المبادرة، وقرر عدم انتظار نهاية هذا الصراع، وأعلن تشكيل فرق، تشمل كل الوزارات، تنتقل إلى الجهات "وفق رزنامة واضحة ومقاربة مستدامة وعملية تترجم إلى مشاريع على أرض الواقع"، معتبراً أنّ "الوقت قد حان لتحقيق العدالة الاجتماعية وفق منظومة تشاركية تلعب فيها الجهات دوراً محورياً".

كلام جميل، ولكنه سيفتقد إلى الهدوء السياسي الذي يتحدث عنه، كشرط لتحقيق المشاريع، لأن جماعة الضفة الأخرى، وهناك دائماً ضفة أخرى، لن تهدأ لأنّ الانتخابات المقبلة قريبة، أمّا الأجيال القادمة، فلعلها تنتظر ثورة أخرى.

المساهمون