اغتيالات المليشيات في غزة... استراتيجية الاحتلال لإدامة الضغط الأمني

15 يناير 2026   |  آخر تحديث: 04:12 (توقيت القدس)
عنصران بكتائب القسام بمخيم جباليا، 1 ديسمبر 2025 (عمر القطاع/فران برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تصاعد الهجمات في غزة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر، حيث تستهدف المليشيات المدعومة من الاحتلال الإسرائيلي شخصيات أمنية ومقاومين فلسطينيين، مثل اغتيال مدير مباحث خانيونس محمود الأسطل، مما يعكس تحولًا نحو "الحرب الأمنية المركبة".

- سياسة الاستهداف الممنهج للعاملين في الأجهزة الأمنية تهدف إلى إشاعة الفوضى وزعزعة الاستقرار الداخلي، وتحويل الصراع إلى نزاعات داخلية، مما يضعف الحاضنة الشعبية ويزيد الضغط على المنظومة الأمنية.

- الاحتلال يسعى لاستخدام المليشيات المحلية لتنفيذ أهدافه الأمنية دون خرق التهدئة، بهدف تصفية حسابات مع كوادر المقاومة وإثارة البلبلة الأمنية في المرحلة الانتقالية المقبلة.

تصاعدت وتيرة الأعمال والهجمات التي تنفذها المليشيات في غزة المدعومة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، منذ الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد عامَين ويومَين من حرب استهدفت كل شيء، مع تركيز على المنظومة الأمنية التابعة للحكومة التي تديرها حركة حماس.

واغتال مسلحون من مليشيا شرق خانيونس، الاثنين الماضي، مدير مباحث المدينة محمود الأسطل عبر إطلاق النار عليه. وفي أعقاب الحادثة نشر مسؤول المليشيا حسام الأسطل فيديو أعلن فيه مسؤوليته عن قتل مدير مباحث المدينة. واستعرض في الفيديو أسلحة قال إنهم سيطروا عليها من عناصر أرسلتهم "حماس" لتعقبهم. وتعتبر هذه الحادثة الثانية بعد حادثة اغتيال المقدم في جهاز الأمن الداخلي أحمد زمزم، إذ قُتل بإطلاق نار من جماعة مسلحة تتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي في مخيّم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط القطاع في ديسمبر/كانون الأول الماضي، لكن أمن غزة تمكن وقتها من اعتقال أحد الجناة، الذي أُعدمَ في وقت لاحق.

عمليات المليشيات في غزة

وسبق أن نفذت المليشيات في غزة المرتبطة بالاحتلال عمليات عدّة، أبرزها اعتقال مقاومين فلسطينيين شمالي القطاع وتحديداً في بيت لاهيا، واختطاف عناصر من المقاومة غربي مدينة غزة وشرقها في أوقات مختلفة، إلى جانب دور هذه المجموعات في اعتقال مجموعة من المقاومين المحاصرين في رفح. وتعكس هجمات المليشيات في غزة الأخيرة، وتزايد وتيرتها، وتنوع أساليبها تصاعداً في جرأتها وقدرتها على الوصول إلى المناطق التي توجد بها شخصيات من المقاومة الفلسطينية أو الشخصيات الأمنية. وباتت هذه العصابات والمجموعات لا تكتفي بتنفيذ عمليات تجسس وتتبع للمقاومين والقيادات الأمنية والعسكرية فحسب، بل تقوم بتنفيذ عمليات تصفية جسدية، ونشر التفاصيل في مشهد غير مسبوق في تاريخ المواجهة مع الاحتلال.


مصدر: الهدف المركزي من الاستهداف يتمثل في إشاعة الفوضى

استهداف ممنهج

وقال مصدر مسؤول في وزارة الداخلية في غزة، في رد مكتوب على أسئلة "العربي الجديد"، إنّ استهداف العاملين في الوزارة بلغ ذروته خلال حرب الإبادة التي امتدت على مدار عامين، وأسفرت عن ارتقاء نحو 2700 شهيد من قادة ومنتسبي الأجهزة الأمنية والشرطية، جراء عمليات قصف واستهداف مباشر. ولفت المصدر إلى أنّ سياسة الاستهداف لم تتوقف مع إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، بل استمرت بأدوات مختلفة، بينها تفعيل عملاء الاحتلال، في محاولة لإدامة الضغط الأمني وزعزعة الاستقرار الداخلي. وبيّن أن الهدف المركزي من هذا الاستهداف يتمثل في إشاعة الفوضى وضرب صمود المواطنين في قطاع غزة، وتقويض قدرتهم على التماسك في ظلّ الظروف الإنسانية والمعيشية القاسية التي فرضها العدوان.

ورغم الاستهدافات والخسائر التي منيت بها الأجهزة الأمنية، إلّا أنها لا تزال تبذل جهوداً للحفاظ على أمن المواطنين وسلامتهم ومساندتهم في مواجهة التداعيات الكارثية للحرب وما بعدها، بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار المجتمعي، وفق المصدر، الذي أشار إلى أنّ ما يجري حالياً يندرج في إطار جولة جديدة من جولات الصراع الأمني المفتوح والمستمر منذ العام 2007، مؤكداً أن الاحتلال لن ينجح في تحقيق أهدافه، ولن تتمكن سياساته من كسر إرادة المؤسّسات الأمنية أو النيل من دورها.

حرب مركبة

واعتبر الباحث في الشأن الأمني والعسكري رامي أبو زبيدة أن حادثة اغتيال الأسطل في خانيونس، وما سبقها من استهداف ضابط الأمن الداخلي في مخيّم المغازي، تمثل تحولاً تكتيكياً خطيراً في سلوك الاحتلال، يتجاوز منطق "التصفية الجسدية" إلى ما يمكن توصيفه بـ"الحرب الأمنية المركبة"، وقال أبو زبيدة، لـ"العربي الجديد"، إنّ عمليات المليشيات في غزة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يسعى فيه الاحتلال إلى إعادة تشكيل البيئة الداخلية في القطاع، عبر أدوات غير تقليدية، على رأسها توظيف مليشيات محلية وواجهات إجرامية لأداء أدوار أمنية بالنيابة عنه.


رامي أبو زبيدة: الاحتلال يسعى لتوظيف مليشيات لأداء أدوار أمنية بالنيابة عنه

وأوضح أنّ لجوء الاحتلال إلى المليشيات في غزة بدلاً من الاستهداف المباشر، رغم امتلاكه تفوقاً جوياً وتكنولوجياً، ينطلق من مجموعة دوافع استراتيجية، أبرزها إشعال الفتنة الأهلية، فحين يُقتل ضابط برصاص محلي، يُراد للصراع أن يتحول من كونه مواجهة مع احتلال إلى ثأر عائلي أو عشائري، بما يستنزف الحاضنة الشعبية ويدخل المجتمع في دوامة صراعات داخلية يصعب احتواؤها. وأضاف أن هذا النمط من الاغتيالات يسهم أيضاً في تآكل هيبة الردع الداخلي، إذ إنّ القتل من مسافة صفر، وبأسلحة خفيفة، يبعث برسالة مفادها أن "العملاء بينكم"، ما يزعزع ثقة رجل الأمن في محيطه الاجتماعي، ويُدخل المنظومة الأمنية في حالة من الارتياب والضغط النفسي المتواصل.

ووفق أبو زبيدة، يسعى الاحتلال إلى الإنكار والتمويه، عبر تصدير صورة توحي بأن ما يجري هو تمرد داخلي، أو تصفية حسابات في ظل غياب الحكم، وليس عمليات اغتيال منظمة يديرها جهاز "الشاباك". وحول تركيز الاحتلال على استهداف ضباط الأمن تحديداً، أشار أبو زبيدة إلى أن بنك الأهداف بات يركز على الكادر "الخدماتي ــ الأمني"، مثل المباحث والأمن الداخلي ولجان تأمين المساعدات، لكونهم يشكلون عصب الإدارة اليومية في القطاع.

أهداف وأبعاد

من ناحيته، قال مدير مركز عروبة للأبحاث والدراسات الاستراتيجية أحمد الطناني إنّ ما يجري يحمل أبعاداً متعددة، في مقدمتها سعي المجموعات المتعاونة مع الاحتلال لإثبات أنها ذات فائدة حقيقية له، وتأكيد أنّ الاستثمار الذي يقوم به "الشاباك" والجيش الإسرائيلي في هذه المجموعات يمكن أن يؤتي ثماره، وأضاف الطناني، لـ"العربي الجديد"، أن من مصلحة هذه المجموعات عدم حدوث أي شكل من أشكال الاستقرار في القطاع، بل الدفع باتجاه حالة فوضى دائمة، في محاولة لنفي ما تحقق منذ اتفاق وقف إطلاق النار من عودة تدريجية لضبط الأمن ومنع المظاهر الأمنية المنفلتة داخل المجتمع الفلسطيني في القطاع.

وأشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يبدو وكأنه يدفع باتجاه المزيد من هذه الحوادث، لأنها تتيح له تصفية حساباته مع كوادر في المقاومة أو في الأجهزة الأمنية، ولا سيّما الكوادر الناشطة في ملاحقة عملاء الاحتلال، من دون أن تُسجَّل هذه العمليات باعتبارها خرقاً للتهدئة، بحجة أن من ينفذها هم عناصر فلسطينية متعاونة معه.

واعتبر الطناني أن ذلك يشير إلى وجود خطط أعمق يجري الإعداد لها في المرحلة المقبلة، ويعكس ملامح الرؤية التي ترسمها أجهزة أمن الاحتلال، وعلى رأسها "الشاباك" والاستخبارات العسكرية (أمان)، للفترة القادمة، خصوصاً في حال جرى إنجاز عملية نقل السيطرة والحكم إلى لجنة إدارية انتقالية مؤقتة في قطاع غزة، وهي عملية يجري العمل على تفاصيلها خلال الأيام المقبلة. وأوضح أن المرحلة الانتقالية ستشهد، على الأرجح، تراجعاً لدور الأجهزة الأمنية الحكومية، ما يفتح المجال أمام الاحتلال لإثارة حالة من البلبلة الأمنية وتنفيذ عمليات تصفية بحق كوادر في المقاومة أو الأجهزة الأمنية، وربما التمهيد لأحداث أمنية أوسع.