استهداف "فيلق الشام": ضربة روسية لتركيا في إدلب

27 أكتوبر 2020
الصورة
سوريون يشيعون عدداً من قتلى "فيلق الشام" في إدلب أمس (محمد الرفاعي/فرانس برس)
+ الخط -

من المتوقع أن تغير الضربة الموجعة التي تلقتها فصائل المعارضة السورية المحسوبة على تركيا، والتي جاءت عبر قصف روسي أوقع العشرات بين قتيل وجريح في صفوف واحد من أكثر الفصائل قرباً من أنقرة، الكثير في خريطة المشهد الميداني الحالي في إدلب. ويبدو أن أنقرة ستتلقى هذه الرسالة المباشرة من موسكو، والتي جاءت انعكاساً لملفات عدة بين الطرفين، أهمها الملف السوري، وبالتالي ستكون إدلب واتفاق وقف إطلاق النار على مفترق طرق، وربما الذهاب إلى معارك تكون أكثر عنفاً من السابق، ما سيجعل المدنيين يدفعون الثمن، كما دفعوه قتلاً وتهجيراً غير مرة. 
وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، في بيان، أن 78 مقاتلاً على الأقل قتلوا، وأصيب 90، صباح أمس الإثنين، نتيجة قصف جوي روسي استهدف معسكر تدريب لفصيل "فيلق الشام"، التابع إلى "الجبهة الوطنية للتحرير"، المدعومة من تركيا، غرب مدينة إدلب، شمال غربي سورية. وحتى مساء أمس، غاب أي رد فعل تركي واقتصر التعاطي مع الحدث على إيراد وكالة الأناضول نبأ الغارة، وقد عنونت خبرها بـ"قصف روسي على معسكر للمعارضة بإدلب يخلف خسائر في الأرواح". وأمام الصمت التركي الرسمي، قال مصدر في وزارة الخارجية التركية لـ"العربي الجديد" إن تركيا تقرأ الرسالة من جبهة أرمينيا في ظل الانزعاج الروسي الكبير من عدم ترسيخ وقف إطلاق النار هناك". وأضاف "يبدو ان روسيا تحمّل تركيا مسؤولية عدم ترسيخ وقف إطلاق النار، فوجهت الرسالة عبر الساحة السورية للضغط على أنقرة". وبحسب المصدر نفسه، فإن الرد التركي غير واضح حالياً، وقد يكون ميدانياً باستهداف قوات النظام، لكن الرسالة سياسية واضحة، ولا تتعلق بإدلب، لذلك سيكون هناك رد من المبكر الحديث عنه.

وأوضح مصدر طبي سوري، لـ"العربي الجديد"، أن الضربة الروسية استهدفت معسكر تدريب لـ"فيلق الشام" في جبل الدويلة قرب مدينة كفرتخاريم غربي إدلب. وأشار إلى أن حصيلة القتلى مرشحة للارتفاع، نظراً لكثرة الجرحى وخطورة بعض الإصابات، وتوزّع المصابين على العديد من المستشفيات غربي إدلب. وقالت مصادر ميدانية على الأرض إن القصف نفّذته طائرة روسية بصاروخين سقطا قرب مكان للاجتماع الصباحي لعناصر من "فيلق الشام" في معسكر كتيبة الدفاع الجوي في الدويلة، مؤكدةً أن الطائرة أقلعت من قاعدة حميميم الروسية في الساحل السوري، وذلك حسبما كشفت أجهزة التتبع التي يديرها مختصون بتتبع حركة الطيران.

أدت الغارة إلى مقتل 78 وإصابة 90 من "فيلق الشام"

وأكد ناجي المصطفى، المتحدث باسم "الجبهة الوطنية للتحرير" التي تُعد تحالفاً للعديد من الفصائل المقاتلة في إدلب والمدعومة من تركيا، المعلومات التي أوردتها المصادر، من حيث قصف المعسكر والفصيل المستهدف ووقوف قاعدة حميميم الروسية وراء الاستهداف. وأشار إلى أن "الاستهداف كان لمنطقة حدودية مع تركيا في رسالة روسية واضحة واستفزاز مستمر". وأشار إلى أن "الجبهة الوطنية للتحرير" بدأت بالرد على الضربة من خلال استهداف مواقع لقوات نظام بشار الأسد والمليشيات الروسية في مواقع عدة بالراجمات والصواريخ، مؤكداً أن الرد لن يقتصر على هذا الاستهداف "بل سيستمر ويتصاعد ويكون قاسياً، ثاراً لشهدائنا".
واعتبر مسؤول المكتب الإعلامي في "الجبهة الوطنية للتحرير" سيف الرعد أن هذه الضربة تعتبر استمراراً للخروقات اليومية التي تقوم بها روسيا والنظام والمليشيات المحسوبة على إيران، منذ توقيع وقف إطلاق النار. وأشار، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن الطائرات الروسية قصفت الكثير من المواقع شمالي إدلب خلال الفترة الأخيرة، فيما لم تهدأ مدفعية النظام السوري وراجماته عن استهداف المواقع القريبة من خطوط الاشتباك على جبهات جنوب وشرق إدلب. ولفت إلى أن هذه الضربة تعتبر استفزازاً لتركيا الداعمة لـ"الجيش الوطني" و"الجبهة الوطنية للتحرير" التابعة له، كما كان الحال في الضربة التي استهدفت سوق محروقات قرب جرابلس الجمعة الماضي. وأكد الرعد حديث المصطفى بأن الرد سيكون قاسياً، تاركاً تفاصيله لما سيكون على الأرض.

وفي محاولة من موسكو لتبرئة نفسها، نقل مراسل وكالة "سبوتنيك" الروسية عن "مصدر ميداني" قوله إن "الطيران الحربي السوري شن ضربات جوية مكثفة استهدفت معسكراً لتدريب مسلحي تنظيم فيلق الشام (المحظور في روسيا) في منطقة الدويلة في ريف إدلب الشمالي الغربي، ما أسفر عن مقتل العشرات من إرهابيي التنظيم". وقال "المصدر" إن "طائرات الاستطلاع رصدت معسكر تدريب تابعا للمجموعات المسلحة، يحوي على معدات عسكرية وعربات دفع رباعي وأسلحة متنوعة، حيث كانت تعمل المجموعات المسلحة على نقلها باتجاه جبل الزاوية وجسر الشغور". وأضاف أن "الطيران الحربي تعامل مع أهداف معادية تم تحديدها بدقة، عبر سلسلة من الغارات الجوية المركزة، والتي أسفرت عن تدمير 8 مقرات، بينها مستودع ذخيرة وأسلحة وعدة دبابات وعربات مصفحة. وبحسب المعلومات الأولية سُجل مقتل ما يقارب 75 مسلحاً وإصابة أكثر من 100 آخرين جراء الغارات".
وفي سياق متصل، قصفت قوات النظام محيط بلدتي كنصفرة والفطيرة في جبل الزاوية جنوبي إدلب بالمدفعية الثقيلة، تزامناً مع وصول رتل تركي إلى المنطقة. وبحسب ناشطين محليين فإن القوات التركية تنوي إقامة نقطة عسكرية جديدة في جبل الزاوية، خصوصاً بعد الحديث عن نيتها سحب النقاط المحاصرة من قبل قوات النظام. وباتت القوات التركية تعزز مواقعها بشكل واضح على خطوط التماس مع قوات النظام والمليشيات، فأنشأت العديد من النقاط، على أماكن مرتفعة، حتى يصعب اختراقها ومحاصرتها.

"الجبهة الوطنية للتحرير" بدأت بالرد على الضربة

وربما يكون هذا الاستهداف امتداداً للخروق التي يتعمد النظام، وحلفاؤه الروس والإيرانيون، إحداثها منذ سريان وقف إطلاق النار في إدلب، الموقع بين موسكو وأنقرة في الخامس من مارس/آذار الماضي. إلا أنه جاء بعد أيام من الزيارة التي قام بها نائب وزير الخارجية التركي سادات أونال إلى موسكو الخميس الماضي، للقاء نظيره الروسي ميخائيل بوغدانوف لبحث الملفين السوري والليبي. وجاءت الزيارة بعد تطورات في إدلب، تمثلت بسحب تركيا لأكبر نقاط المراقبة العسكرية لها جنوب "منطقة خفض التصعيد" (إدلب وما حولها)، بعد خلافات جوهرية في المحادثات على مستوى الدبلوماسيين والعسكريين التي جرت في موسكو وأنقرة بداية ومنتصف الشهر الماضي، والتي يقودها عن الجانب التركي أونال نفسه.
ولم يتسرب الكثير من المعلومات عن زيارة أونال إلى موسكو، إلا أنه من الواضح أن الخلافات استمرت خلالها، وربما تكون تفاقمت بعد جولتي المفاوضات الأخيرتين. وأشارت المعلومات حينها إلى أن روسيا طلبت من تركيا سحب نقاطها من منطقة جنوب طريق حلب – اللاذقية الدولي "أم 4"، ما قابله رفض تركي. ويعتبر محللون أن أنقرة لجأت إلى سحب نقطتها العسكرية في مورك شمالي حماة وجنوب "منطقة خفض التصعيد"، المحاصرة من قبل قوات النظام والمليشيات المدعومة من قبل روسيا وإيران، كونها باتت تدرك أن اتفاق وقف إطلاق النار بات في آخر أيامه، وتخشى من الضغط على خياراتها الهجومية، في حال تجدد المعارك من خلال بقاء النقطة في مكانها وعدم القدرة على تقديم الدعم والإسناد لها.
وما يشير كذلك إلى استمرار الخلاف، استهداف قاعدة حميميم لسوق بيع وتكرير محروقات قرب جرابلس في ريف حلب الشمالي. وتلك مناطق تشهد هدوءاً نسبياً منذ خضوعها للنفوذ التركي بموجب تفاهم تركي – روسي، منذ أن طردت أنقرة، وفصائل المعارضة الموالية لها، تنظيم "داعش" منها منتصف 2016. وأوقع القصف كذلك سبعة مدنيين إضافة إلى نحو 20 جريحاً، قبل أن تكرر روسيا استهدافها للمصالح التركية، لكن هذه المرة في إدلب.
وكان "فيلق الشام" تعرّض لضربة موجعة مماثلة في سبتمبر/أيلول 2017. واستهدفت حينها طائرة روسية معسكر تدريب قرب مدينة سراقب، ما أدى إلى مقتل 112 عنصراً وإصابة العشرات. وكانت حينها ضربة موجهة لأنقرة خلال مباحثات مسار أستانة الذي أحدثته روسيا، وضمت إليه تركيا وإيران. ويعد "فيلق الشام" أكبر فصائل "الجبهة الوطنية للتحرير"، التي تضم تحالفاً بين العديد من الفصائل في إدلب ومحيطها. وانضمت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى "الجيش الوطني السوري" المدعوم من تركيا، حيث باتت الجناح الذي يمثل "الجيش" في إدلب. وتأسس "الفيلق" في العاشر من مارس 2014 بعد اندماج نحو 20 فصيلاً من إدلب وحلب وحماة والساحل. وتعد أبرز الألوية المشكلة له "سهام الحق"، و"الفاتحين"، و"هنانو"، و"الحمزة"، و"مغاوير الثورة"، و"مغاوير الجبل"، و"أنصار الرحمن"، و"الحمزة". و"الفيلق" هو من أكثر الفصائل انتشاراً في إدلب ومحيطها، بالإضافة إلى تواجده في مناطق شمالي حلب الواقعة تحت النفوذ التركي.
ومنذ تأسيسه يشار إلى أن الفصيل يتلقى دعماً بشكل مباشر من قبل جماعة "الإخوان المسلمين"، كون الكثير من قيادييه يعتبرون من صفوف الجماعة، واعتقل العديد منهم لفترات طويلة في سجون النظام السوري بهذه التهمة. كما يعتبر "الفيلق"، منذ تأسيسه، الفصيل الأقرب إلى تركيا والأكثر تواصلاً معها، حيث ينسق المسلحون مع الأمنيين والعسكريين في تركيا في الكثير من المواضيع على الأرض. وكان عُهد إلى "فيلق الشام" في السابق مهمة حماية النقاط والأرتال التركية، حين كانت بعض فصائل إدلب ترفض التفاهمات الروسية – التركية. كما أن للفيلق ممثلين في تركيا، من خلال مكتب سياسي مهمته التواصل والتنسيق مع أنقرة.

المساهمون