استنفار في صفوف "الإستبلشمنت" ضد ترامب

25 سبتمبر 2020
الصورة
ترامب رفض التعهد بنقل سلمي للسلطة (سول لوب/فرانس برس)
+ الخط -

قد يتحول الخميس إلى محطة فارقة إن لم تكن فاصلة في انتخابات الرئاسة الأميركية. فقبل أربعين يوماً على موعدها هبّت أصوات التحذير من كل صوب ولأول مرة بمثل هذا التنوع والإجماع، لكبح نزعات الرئيس دونالد ترامب وإحباط خططه التي لامست الممنوعات والتي يمهد لوضعها موضع التنفيذ حسب الاعتقاد السائد، فيما لو جاءت صناديق الاقتراع لغير صالحه.

ومن بينها أصوات من أهل البيت الجمهوري في الكونغرس وإن بدت خجولة. لكنها كانت مضطرة للاعتراض، على الأقل لتخفيف الخسائر. وقد شارك فيها على غير عادته، زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ السناتور ميتش ماكونيل وعدد من قيادات الجمهوريين فيه الذين تنصلوا وإن مداورة من كلام الرئيس.

لكن الرد الأقوى جاء من قِبل شريحة وازنة من رموز ونخب النظام. مئات من كبار المسؤولين والدبلوماسيين والجنرالات وخبراء الأمن القومي السابقين، رفعوا كتاباً مفتوحاً للتحذير من مخاطر "انقضاض الرئيس على حكم القانون"، كما قالوا. وكان العسكريون الذين لا يتدخلون عادة على المكشوف في الانتخابات، أبرز أطراف هذه المبادرة والأكثر حدّة في التحذير من "الشطط" الرئاسي.

والأهم أن الموقعين كانوا خليطاً من الديمقراطيين والجمهوريين وليس فقط من خصوم ترامب. ولا يقل أهمية أن خطابهم لم يأت فقط لاستباق الأخطر، بل أيضاً لاستنفار الناخبين ودعوتهم إلى التصويت لصالح خصم ترامب، جو بايدن. وكان قد سبقه قبل فترة كتاب ناقد للرئيس آخر من حوالي ستين دبلوماسيا سابقا. كما جاءته رسائل بصورة أو بأخرى من رئيس هيئة الأركان الجنرال مارك ميلّي مفادها بأن القوات المسلّحة لن تتدخل في أي نزاع انتخابي. وفي ذلك إبلاغ غير مباشر بعدم التعويل على الجيش في الانتخابات.

وقد جاءت موجة اليوم في أعقاب رفض ترامب، أول من أمس الأربعاء، التسليم مسبقاً بنتائج الانتخابات والإعراب عن نيته بنقل السلطة "سلمياً" لو فاز منافسه بايدن. وكان رفضه الشرارة التي أججت الشكوك والمخاوف من نشوب أزمة انتخابية تختمر عواملها منذ فترة ثمة من يرى أنها "قد تشق أميركا". 

ففي رده على سؤال، قال ما يفيد بأنه لا يلتزم بالانتقال السلمي قبل أن يرى "ما سوف يحصل"، في تحفظ مريب لا سابقة له. ومع أنها ليست المرة الأولى التي يعلن فيها عن هذا الموقف، إلا أن تأكيده عليه الآن وبالترافق مع تلويحات بالشارع وشبه رفض مسبق لحصيلة انتخابات تجري "بالبريد"، بدا للعديد من المعنيين والمراقبين وكأنه يأتي بمثابة التحضير لخطوات ينوي الاستعانة بها "لنسف النتائج" إذا حرمته من تجديد رئاسته.

والمعروف أن قسماً هاماً من عملية التصويت متوقع أن يجري بهذه الطريقة في ظل كورونا وضعف الإقبال المتوقع على أقلام الاقتراع. طريقة يقول إنها عرضة للتزوير والتزييف وستؤدي إلى منازعات أمام القضاء. ولهذا هو يستعجل سد الشغور في المحكمة العليا بتعيين قاضٍ محافظ فيها قبل الانتخابات، بحيث تكون الغلبة لجهته فيما لو وصلت المقاضاة الانتخابية إلى هذه المحكمة. مع أن مدير "أف بي إي" كريستوفر راي، نفى الخميس أمام الكونغرس وجود أي تواطؤ أو مخاطر من هذا النوع. على الأقل حتى الآن. وزاد من الخشية أنه في معرض رده على السؤال ذكر عبارة "الاستمرارية" في السلطة "وليس فقط انتقالها".

منذ مدة والشكوك تتوالى في هذا الاتجاه. ازدادت وتيرتها في الآونة الأخيرة، بموازاة لجوء ترامب إلى رسم علامات استفهام حول العملية الانتخابية. لغة لجأ إليها في ضوء مراوحة وضعه وراء بايدن المتقدم عليه بسبع إلى عشر نقاط وفق الاستطلاعات وفي لحظة غير واعدة. وفيات كورونا تجاوزت 200 ألف والموجة مستمرة. اللقاح غير قريب والانفراج الاقتصادي مؤجل. ثم جاءت التسريبات والمعلومات والمآخذ التي وردت ضده في عدة كتب صدرت، أخيراً، كان كتاب بوب وودورد "الغضب: ترامب في البيت الأبيض"؟ من أكثرها ضرراً له. على هذه الخلفية دفع الرئيس بورقة التشكيك بالانتخابات قبل 4 أيام من المناظرة الأولى العامة مع بايدن، مع التهديد المبطن ولكن الجدي على ما بدا، باحتمال عدم تسليمه بالنتيجة واستطراداً عدم تسليمه للسلطة.

خطاب حتى ولو كان على سبيل التهويل، أثار ضده ما يشبه الانتفاضة المكشوفة، من باب أن "الكيل طفح" معه وبما عزز الاصطفاف المؤسسي لصالح بايدن. وإذا فاز ترامب يكون أول رئيس – مرشح لم يقوَ حتى الآن على بلوغ نسبة 50% من التأييد ويلوّح بعدم القبول بالانتخابات وفي الوقت ذاته يخاصم الأقطاب والنخب السياسية والاستخباراتية والعسكرية والإعلامية والطبية ويستطيع على الرغم من كل ذلك الفوز بالرئاسة. إذا تيسر له ذلك لا يعود ينقصه غير التاج.