استراتيجية ترامب الأمنية وسياساته في خدمة أهداف بوتين
استمع إلى الملخص
- التقارب الروسي الأميركي يعزز موقف روسيا في أوكرانيا ويضعف قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ قرارات موحدة، خاصة مع دعم ترامب للأحزاب اليمينية.
- الاستراتيجية الأمنية الأميركية الجديدة تدعم التيارات الوطنية وتنتقد حلفاء أميركا الأوروبيين، مما يساهم في إضعاف الاتحاد الأوروبي وتقسيمه، ويهدد النظام الأمني الأوروبي الأطلسي.
صبّت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن تسوية الحرب في أوكرانيا، وتعامله مع الاتحاد الأوروبي، في إحياء آمال الكرملين بمراجعة شاملة للحقبة التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي نهاية عام 1991. ووسعت استراتيجية الأمن القومي الأميركي الأخيرة الشرخ على جانبي الأطلسي. مقاربات إدارة ترامب في التعامل مع القضايا العالمية، وزيادة تدخّلاتها في الشؤون الداخلية الأوروبية، أججت مخاوف بروكسل من تحوّلات عاصفة تجعلها محاصرة وضعيفة، وسط هجوم مزدوج من واشنطن على قيمها، وتلويح برفع الغطاء الأمني عنها، ودعوة إلى دعم القوى ذات القيم الأوروبية الحقيقية، وانتهاز موسكو الفرصة لإنهاء الحرب على أوكرانيا وفق شروطها وإملاءاتها لتعديل النظام الأمني في القارة الأوروبية، والمحافظة على مناطق نفوذ لها في المحيط السوفييتي السابق.
وجدد ترامب انتقادات إدارته لأوروبا، الثلاثاء الماضي. وقال، في مقابلة مع موقع بوليتيكو، إن الدول الأوروبية "ضعيفة" و"متداعية" بسبب سياساتها المتعلقة بالهجرة. وأقرّ ترامب بأنه دعم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، المعروف بمواقفه المتطرفة نحو الاتحاد الأوروبي، قائلاً إن أوربان "يقوم بعمل جيد جداً، بطريقة مختلفة، في مجال الهجرة". وأضاف: "لقد دعمتُ أشخاصاً لا يحبّهم الكثير من الأوروبيين". ومن جهة أخرى، أشار إلى أنّ روسيا "تتمتع بالأفضلية" في حربها على أوكرانيا، وأنّ الوقت حان للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، "ليبدأ بتقبّل الأمور" في ما يتعلق بجهود إنهاء الصراع.
وجاءت تصريحات ترامب في أعقاب نشر استراتيجية جديدة للأمن القومي استهدفت الحكومات الأوروبية لدعمها لأوكرانيا، وألقت باللوم على "المسؤولين الأوروبيين الذين لديهم توقعات غير واقعية للحرب" لوقوفهم في طريق اتفاق السلام. وحسب الاستراتيجية، فإنّ "أغلبية أوروبية كبيرة ترغب في السلام، إلا أن هذه الرغبة لا تُترجم إلى سياسات، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى تقويض الحكومات للعمليات الديمقراطية".
مراهنة روسيا على صعود ترامب
وأثلجت استراتيجية الأمن القومي الأميركي قلوب المسؤولين الروس. ورحب الكرملين بالاستراتيجية "التصالحية" مع موسكو التي وجدت حليفاً لا يشاطرها الآراء بشأن القارة الأوروبية فحسب، بل يعمل معها على تقويض الاتحاد الأوروبي، ودعم صعود اليمين المتطرف، بما يعنيه من عودة الدول القومية. وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، تنحاز واشنطن إلى موسكو، وتمهد لرفع غطاء الحماية الأمنية والدفاعية عن القارة العجوز، وقد تفتح على تفاوض ثنائي بين موسكو وواشنطن لتقاسم مناطق النفوذ في القارة ومناطق أخرى في العالم ضمن نظام أمني يراعي مصالحهما بشكل أساسي.
وقال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، الاثنين الماضي، إنّ الاستراتيجية الأميركية "تتماشى مع رؤيتنا"، موضحاً أن "الدقة التي نراها في المفهوم الجديد تُعجبنا بلا شك. فهي تُشير إلى ضرورة الحوار وبناء علاقات بنّاءة وطيبة".
تتلاقى الاستراتيجية الأميركية مع النظرة والتصرفات الروسية الداعمة للأحزاب اليمينية الأوروبية
وحتى مطلع العام الحالي، تربعت الولايات المتحدة على صدارة قائمة الخصوم في روسيا، بينما كانت النظرة إلى الاتحاد الأوروبي تابعاً يتلقى التعليمات من واشنطن. وراهنت روسيا على أن صعود ترامب سيدفع باتجاه تغييرات تخفض مستوى التوتر في عدد من الصراعات، وفي مقدمها الحرب على أوكرانيا. ورغم تقلبات موقف ترامب، تجنّبت موسكو توجيه انتقادات حادة له، وباتت تنحو أكثر إلى تحميل "الدولة العميقة" في الولايات المتحدة، و"البيروقراطية الأوروبية" في بروكسل، و"انفصام" زيلينسكي "الفاقد للشرعية" المسؤولية عن استمرار الحرب في أوكرانيا وعدم تطبيع العلاقات بين موسكو وواشنطن.
سردية موسكو حول بروكسل
ودعمت تصريحات ترامب واستراتيجيته الآنية السردية الروسية التي ركزت في السنوات الأخيرة على أن الاتحاد الأوروبي "ضعيف" و"خطير" ومهدد بتراجع مكانته العالمية أمام القوى الصاعدة، ومعرّض للانقسامات الداخلية بسبب هيمنة بيروقراطيين على القرار في بروكسل، بعضهم فاسدون، وآخرون أعمتهم "كراهية روسيا"، وفريق ثالث يفتقد الخبرة والنظرة الاستراتيجية.
وتنطلق النظرة الروسية من أن الاتحاد الأوروبي يضعف وتتراجع أهميته انطلاقاً من عجز مؤسساته. وترى موسكو أن أبرز نقاط ضعف الاتحاد تكمن في بنيته التي تعوق اتخاذ قرارات سريعة والتكيّف مع عالم مضطرب. وبَنَت موسكو هذه الرؤية على أن موقف دولة واحدة يمكن أن يشل عمل الاتحاد، كما حصل مرات عدة بسبب موقف المجر الرافض لفرض عقوبات على روسيا.
وتراهن موسكو على أن صعود اليمين المتطرف في عدة بلدان سيزيد من صعوبة تبني موقف أوروبي موحد، ويتسبب في عدم القدرة على صوغ رؤية مشتركة للمستقبل في السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء، ما قد يمهد لانهيار الاتحاد. وصُوِّرت سياسة الاتحاد الحازمة في السنوات الأولى للحرب ضد أوكرانيا باعتبارها تنفيذاً مباشراً للإملاءات الأميركية، وأن وجود جو بايدن يعطّل تطور العلاقات مع روسيا، وأنه أجبر أوروبا على التوقف عن شراء الغاز الروسي الرخيص، وأجبرها على شراء الغاز المسال الأميركي بأسعار باهظة. واستمرت السردية الروسية حول ضعف أوروبا في الشهور الأولى لحكم ترامب، ولكن وفق صيغة جديدة، تنطلق من أن قادة أوروبا "الضعفاء" يتملقون ترامب ويكيلون له المديح بسبب عجزهم عن مواجهته.
انقلاب بعد ألاسكا
وبعد قمة ألاسكا بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أغسطس/ آب الماضي، تبدل الخطاب الروسي فجأة، وهيمنت سردية تحميل المسؤولية للاتحاد الأوروبي عن تعطيل الوصول إلى اتفاق لإنهاء الحرب في أوكرانيا. وانطلق المسؤولون الروس من أن الاتحاد الأوروبي يرغب في إطالة الحرب من أجل كسب الوقت لتحديث قوته العسكرية، وتوفير بنية قادرة على مواجهة أي عدوان روسي مفترض.
وتأمل روسيا أنّ استراتيجية الأمن الأميركية الجديدة، بما تتضمنه من انتقادات للاتحاد الأوروبي، وتقليص لـ"المظلة الأمنية الأميركية"، وتفضيل التفاهم مع روسيا وإغلاق الباب على توسع حلف شمال الأطلسي (ناتو) ستجبر صقور السياسة الاوروبية على التصرف بحذر أكبر. وتكشف الاستراتيجية الجديدة عن توافق روسي أميركي ضمني على دعم "الوطنيين في أوروبا". ففي خطابه أمام منتدى "فالداي" مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أشار بوتين إلى حصول تغيرات إيجابية في أوروبا تتمثل بتنامي نفوذ "القوى السياسية السليمة" في أوروبا. وقبيل اجتماعه مع المبعوثين الأميركيين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في الثاني من الشهر الحالي، اتهم بوتين أوروبا بعرقلة جهود السلام التي يبذلها ترامب. ومع إشارته إلى أن أوروبا صاغت مقترحات سلام بنقاط "غير مقبولة تماماً"، شدد بوتين على أن بلاده لن "تسمح" لأوروبا بالعودة إلى عملية التفاوض إلا إذا قبلت "الحقائق على الأرض". وبعد الاجتماع قال يوري أوشاكوف مساعد الرئيس الروسي للسياسة الخارجية، إن القادة الأوروبيين منخرطون في "أعمال مدمرة" في عملية السلام.
استطاع بوتين، عبر تقديم بعض الفوائد الاقتصادية الآنية لترامب، دق إسفين في العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا
ومن الواضح أن استراتيجية الأمن القومي الأميركي في ما يخص أوروبا جاءت ضمن السياق العام للسياسات الأميركية المتّبعة في ولاية ترامب الثانية. فالهجوم على القيم الأوروبية بدأ باكراً في فبراير/ شباط الماضي عبر خطاب نائب الرئيس جي دي فانس في مؤتمر ميونخ للأمن. وترى الاستراتيجية أن "النفوذ المتزايد للأحزاب الأوروبية الوطنية يمنح بالفعل سبباً للتفاؤل" وتلمّح إلى أنّ الولايات المتحدة ينبغي أن تساعدها عبر "تنمية المقاومة داخل الدول الأوروبية ضد المسار الحالي لأوروبا".
وتتلاقى الاستراتيجية الأميركية مع النظرة والتصرفات الروسية الداعمة للأحزاب اليمينية الأوروبية. وعدا عن كون الوثيقة لم تتضمن أي انتقادات لروسيا، ولم تحمّلها مسؤولية الحرب في أوكرانيا، تقاسم الاستراتيجية موسكو انتقاداتها للنخب الأوروبية، وترى أن "الأغلبية الأوروبية تريد السلام"، لكن هذا "يُقمع" بواسطة "حكومات أقلية غير مستقرة". ومما يروق موسكو أن واشنطن قررت الدخول وسيطاً في الصراع مع أوروبا، لا طرفاً في "ناتو"، ما ينهي التقاليد والمبادئ المتبعة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويعود بالزمن إلى مبدأ "مونرو" القديم تجاه أميركا اللاتينية. وتناقض استراتيجية ترامب وسياساته تماماً ما نص عليه مبدأ "ترومان"، الذي يشير إلى نهج الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان، الذي حدده في خطاب أمام الكونغرس عام 1947 وقال فيه: "يجب أن يكون من سياسات الولايات المتحدة دعم الشعوب الحرة التي تقاوم محاولات إخضاعها من قِبل الأقليات المسلحة أو الضغوط الخارجية".
كذلك تتوافق استراتيجية ترامب ونظرته مع مصالح روسيا في تفتيت الاتحاد الأوروبي والتعامل معه دولاً متفرقة بدلاً من تحالف كبير السكان، قادر على تطوير دفاعاته بالاعتماد على اقتصاد يتجاوز 30 تريليون دولار، وإمكانات تقنية وبشرية هائلة. كذلك تتوافق الاستراتيجية مع الكرملين في ضرورة إزاحة القيادات الليبرالية في أوروبا، فبوتين وترامب يدعوان إلى تبني القيم المحافظة، لخدمة أجندتهما في الحكم.
وتدعم الاستراتيجية القوى اليمينية الشعبوية في أوروبا. وترى أن المشكلة الجوهرية للقارة الأوروبية، تكمن في إهمال القيم الغربية وضياع الهويات الوطنية بسبب الهجرة وتراجع معدلات المواليد، ما يتسبب في ركود اقتصادي وضعف عسكري ومحو حضاري. كذلك تنتقد الاستراتيجية الجديدة حلفاء أميركا الأوروبيين بشدة لممارساتهم "المعادية للديمقراطية"، متهمةً إياهم بالرقابة وقمع المعارضة السياسية، في توسع لانتقادات جي دي فانس في ميونخ. ومن الأمور التي تنذر بالسوء، أن تتحدث استراتيجية الأمن القومي عن تعزيز المقاومة داخل الدول الأوروبية من خلال تأييد الأحزاب "الوطنية". في المقابل، لا تُصوّر الوثيقة روسيا خصماً، في تناقض صارخ مع استراتيجية عام 2017، التي وصفتها بأنها منافس جيوسياسي رئيسي. ولا تتضمن استراتيجية الأمن القومي أي انتقادات للصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية. كذلك ترفض أي نهج تدخلي تجاهها أو حثها على تبني "تغيير ديمقراطي أو اجتماعي آخر يختلف اختلافاً كبيراً عن تقاليدها وتاريخها".
فوائد روسيا
وتساعد الاستراتيجية الأمنية الأميركية الجديدة، وإصرار ترامب على تسوية في أوكرانيا، روسيا على تنفيذ أهداف طالما سعت لها منذ 1991. ولم تخف روسيا رغبتها في المحافظة على هيمنتها في الفضاء السوفييتي السابق، وفي هذا السياق، فإن أوكرانيا تعد جوهرة التاج في طموحات بوتين لإعادة أمجاد الإمبراطورية الروسية. وتخدم خطة ترامب للتسوية واستراتيجيته الأمنية الجديدة هدف روسيا في أن يكون لها الحق في لعب دور أساسي في نظام الأمن الأوروبي وبناء "نظام أمني متكافئ وغير قابل للتجزئة". كذلك تمنحها قوة إضافية على أوروبا نظراً لأن ترامب ينطلق من ضرورة وقف توسع "ناتو"، ولعب دور الوسيط في الحوار مع روسيا كما لو أن الولايات المتحدة ليست عضواً في الحلف وقائداً له.
ومع السعي إلى دعم "التيارات الوطنية" في أوروبا، فإن استراتيجية ترامب تشجع على صعود الحركات القومية غير المقتنعة بالاتحاد الأوروبي وبالتالي تقسيم أوروبا، وإضعافها. وتسمح استراتيجية ترامب وسياساته بتحقيق أهداف مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023، التي كانت واضحة في ضرورة العمل على تقويض "الغرب الجماعي"، وهو هدف بات أقرب مع زيادة الخلافات بين بروكسل وواشنطن في ظل حكم ترامب. وفي يونيو/ حزيران 2024، تباهى بوتين قائلاً: "إننا نشهد انهيار النظام الأمني الأوروبي الأطلسي. اليوم، لم يعد هذا النظام قائماً". والأرجح أن بوتين بالغ في تقديراته حينها، ولكن النظام الأوروبي الذي ساد بعد عام 1991 بات اليوم في خطر أكبر من أي وقت مضى، في ظل سعي ترامب إلى تسويات جيوسياسية مناقضة للمبادئ التي بُني عليها التحالف مع أوروبا. ومن الواضح أن بوتين استطاع، عبر تقديم بعض الفوائد الاقتصادية الآنية لترامب، دق إسفين في العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا. وفي هذا الإطار، فإن خطة ترامب للتسوية في أوكرانيا المحابية لروسيا، والاستراتيجية الأمنية الأميركية الجديدة، ليستا سوى استمرار لانحياز ترامب إلى روسيا في الحرب على أوكرانيا، وعمل إدارته منذ بدايتها على تقويض مصداقية ردع حلف "ناتو" ووحدة الأطلسي الأوسع، فقد هدد ترامب سلامة أراضي حلفاء "ناتو"، متوعداً علناً بضم كندا وغرينلاند، بينما انتقد كبار أعضاء حاشيته الدول الأوروبية وتدخلوا في شؤونها الداخلية. وهددت سياسات ترامب الجمركية بإلحاق ضرر جسيم بالاقتصادات الأوروبية، ما زاد من ضعف الثقة بالولايات المتحدة باعتبارها شريكاً.
وفيما عجز القادة الأوروبيون عن تبني خيارات أمنية مستقلة، وواصلوا التملق لترامب حتى بعد توجيه فانس إهانات مباشرة لهم، وإعلان واشنطن حرباً اقتصادية عليهم، فإن بوتين استطاع باكراً استشراف موقف ترامب. ففي خطاب ألقاه أمام جهاز الأمن الفيدرالي الروسي في 27 فبراير الماضي، قال بوتين إن المباحثات المبكرة مع إدارة ترامب قد بثّت "آمالاً معينة". وأضاف أن الولايات المتحدة "تُظهر براغماتيةً ونظرةً واقعيةً للأمور، وترفض العديد من الصور النمطية وما يُسمى بالقواعد والأفكار الأيديولوجية التي سادت أسلافها". ووفقاً لبوتين، أصبح من الممكن الآن إجراء "حوارٍ جاد" حول أوكرانيا و"نظام أمن أوروبي وعالمي لا يتجزأ"، لضمان "عدم إمكانية ضمان أمن البعض على حساب أمن الآخرين أو الإضرار به، وليس على حسابنا".