ارتفاع نبرة الدنماركيين بشأن غرينلاند: التصدي لأي هجوم أميركي لا جدل فيه

08 يناير 2026   |  آخر تحديث: 13:54 (توقيت القدس)
علما غرينلاند والدنمارك في إيلوليسات، 28 يونيو 2022 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تصاعدت التحذيرات الدنماركية بشأن غرينلاند بعد تصريحات أمريكية لم تستبعد الخيار العسكري، حيث أكد مسؤولون دنماركيون أن أي هجوم أمريكي سيواجه برد عسكري، مشيرين إلى أن الدفاع عن غرينلاند هو مسألة فخر وطني وواجب ملزم.
- الوضع معقد بسبب وجود القوات الأمريكية في غرينلاند، حيث يمكن اعتبار أي تصرف عدائي إعلاناً للسيطرة ويستوجب الرد الفوري، مما يعكس الفخر الوطني.
- رغم القدرات الدفاعية المتواضعة للدنمارك، فإن الدفاع عن غرينلاند يعتبر واجباً وطنياً وقانونياً، وسط دعم دولي لحق الدنمارك وغرينلاند في تقرير مستقبل الجزيرة.

مع استمرار الولايات المتحدة في إصدار تصريحات لا تستبعد الخيار العسكري تجاه غرينلاند، ارتفعت حدة التحذيرات الدنماركية بشكل ملحوظ، إذ حذر مسؤولون عسكريون سابقون من أن القوات الدنماركية ستضطر إلى الدفاع عن الجزيرة إذا حاولت واشنطن السيطرة عليها بالقوة.

وأكد رئيس هيئة الأركان الدنماركية السابق بيتر بارترام، الذي شغل المنصب بين 2012 و2017، أن "أي هجوم أميركي سيواجه رداً عسكرياً من القوات الدنماركية بلا جدال". وأضاف في تصريحات مساء أمس لهيئة البث الدنماركية (DR) أن "هذا السيناريو قد يُذكّر إلى حد ما بما حدث في شبه جزيرة القرم عام 2014"، لكنه شدد على أن الأمر هنا يتعلق بـ"الفخر الوطني"، وأنه "لا مجال للجدل في هذا الأمر".

وأشار بارترام إلى أنه إذا ظهرت فجأة قوات أميركية بنِيّات عدائية في غرينلاند للاستيلاء على أراضٍ، فإن واجب الجنود الدنماركيين الدفاع عن أنفسهم والقتال من أجل المملكة أصبح أمراً ملزماً، مستمداً من ما يُسمى "الأمر النسبي" الصادر عام 1953، والذي يحدد واجب الدفاع الدنماركي في حال وقوع أي هجوم على الأراضي الوطنية. وأوضح أن "الأمر النسبي" لا يزال ساري المفعول ويشكل جزءاً من التوجيهات والتعليمات الحالية على أعلى مستويات الدفاع، مضيفاً أن "هناك حواراً مستمراً بين وزارة الدفاع والمستوى السياسي ورئيس أركان الدفاع لدراسة الخيارات العسكرية وعواقبها". وقال: "هناك توازن بين استخدام القوة العسكرية والحفاظ على الأزمة بعيداً عن الأضواء الإعلامية".

تفاصيل الأمر النسبي

ينص الأمر على أن الجنود يجب أن "يدخلوا القتال فوراً من دون انتظار أو طلب أوامر، حتى لو لم يكن إعلان الحرب أو حالة الحرب معروفاً للقادة المعنيين". وتشمل التوجيهات أيضاً إلزام الشرطة بمساعدة الجيش في مواجهة أي أنشطة عدائية، وحث الحرس الوطني المجهّز على الالتحاق بواجباته العسكرية فوراً. وقال بارترام: "في هذه المواقف، يقع على الجنود واجب القيام بشيء ما، ويمكنهم التحلي باللطف والأدب والتعاون، لكن الدفاع واجب لا يُناقش".

حصان طروادة: واقع الوجود الأميركي

وفي السياق، يشير الكابتن السابق في البحرية الدنماركية والباحث في قسم الاستراتيجية ودراسات الحرب بالأكاديمية الدفاعية في كوبنهاغن كينيث أولنشليغر بول، إلى أن الوضع معقد بسبب وجود القوات الأميركية بالفعل في غرينلاند بموجب اتفاقيات دفاع سابقة. وقال: "وجودهم وحده لا يمثل تهديداً، لكن إذا بدؤوا بمطالبة القوات الدنماركية بالاستسلام أو تهديدها، فنحن عندها تحت الهجوم. حتى رفع العلم على مبنى حكومي في نوك (عاصمة غرينلاند) يمكن اعتباره إعلاناً للسيطرة، ويجب عندها التحرك فوراً".

وأضاف المتحدث، في حديث نقلته صحيفة بيرلنغسكا اليوم: "عدم الرد سيؤكد مزاعم ترامب بأن الدنمارك لا تهتم بغرينلاند، بينما الدفاع عن النفس يعكس الفخر الوطني ويرسل رسالة واضحة بأن أي استخدام للقوة سيكلف كثيراً". يذكر أن القوات الأميركية تتمركز منذ فترة الحرب الباردة في قاعدة بيتوفيك (Pituffik Space Base) المعروفة سابقاً باسم ثولا.

السياق التاريخي والقانون الدولي

ويشرح أولنشليغر بول أن الالتزام بالدفاع جاء ردَّ فعل على تجربة 9 إبريل/نيسان 1940، عندما غزت ألمانيا النازية الدنمارك والنرويج بشكل مفاجئ، ما سبَّب ارتباكاً كبيراً في صفوف القوات والشرطة. وأضاف: "صدرت هذه القوانين لضمان أن الجنود الدنماركيين سيقاتلون للدفاع عن المملكة إذا تعرضت لهجوم، حتى لو كانت القيادة مشلولة أو غير قادرة على إصدار الأوامر". ويؤكد أن "الدفاع عن غرينلاند ليس مجرد مسألة عسكرية، بل واجب وطني وقانوني، ويظل حق الدفاع مشروعاً حتى في حال كان الهجوم من دولة عضو في حلف الناتو".

الوضع الحالي والمخاوف من القوة الأميركية

تأتي هذه التحذيرات بعد تصريحات ترامب بأن غرينلاند "أهمية قصوى للأمن القومي الأميركي". وأكد البيت الأبيض لاحقاً أن خيارات عسكرية أميركية تبقى مطروحة. ووصفت رئيسة وزراء الدنمارك ميتا فريدركسن هذه التصريحات بأنها "ضغط غير مقبول وهجوم على المجتمع الدولي"، وحظيت بمساندة قادة أوروبيين، بمن فيهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرز، إضافة إلى قادة آخرين في أوروبا وكندا، الذين شددوا على حق الدنمارك وغرينلاند في تقرير مستقبل الجزيرة.

قدرات الدفاع الدنماركية متواضعة

يقول أولنشليغر بول إن الدنمارك عسكرياً "لا تملك الكثير من الخيارات"، لكنها تمتلك بعض القوات الخاصة وسفن التفتيش، بالإضافة إلى قوات فيلق الصيادين القادرة على شن حرب عصابات، ما يجعل الدفاع ممكناً رغم محدودية القوة مقارنة بالولايات المتحدة. ويصف الوضع بأنه "محزن"، كما عبر عن الحزن ذاته حليف واشنطن السابق ورئيس الحكومة الأسبق أندرس فوغ راسمسون، الذي تولى لاحقاً الأمانة العامة لحلف الناتو، خصوصاً أن الدنمارك قاتلت إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، وعلاقات البلدين العسكرية كانت قوية لعقود، لكنه يؤكد أن "حماية كرامة المملكة وحماية غرينلاند يجب أن تظل أولوية"، مضيفاً: "طرح هذا السؤال الآن ليس مجرد فرضية، بل ضرورة لمواجهة واقع محتمل، ولإظهار التضامن مع غرينلاند والحفاظ على كرامة المملكة".