اختطاف مادورو: 100 عام من تدخل واشنطن في أميركا اللاتينية
استمع إلى الملخص
- العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا أثارت ردود فعل غاضبة من قادة أميركا اللاتينية، الذين أدانوا التدخل ودعوا لاحترام القانون الدولي، مما يعكس ذاكرة تاريخية من التدخلات.
- فنزويلا تمثل اختباراً إقليمياً لتوسع النهج الأميركي، مما يثير القلق من عودة أدوات القوة، ويعيد فتح جروح تاريخية، مع استمرار التساؤلات حول السيادة والاستقلال.
أعادت حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وما رافقها من تنفيذ عملية عسكرية أميركية مباشرة على الأراضي الفنزويلية، إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في أميركا اللاتينية، والمتمثلة في طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، وإرث التدخلات الخارجية الذي شكّل، على امتداد قرن كامل، جزءاً راسخاً من الوعي السياسي والجمعي لشعوب المنطقة. وجاءت ردات الفعل الغاضبة الصادرة عن قادة وحكومات دول أميركا اللاتينية انعكاساً مباشراً لهذا الإرث الثقيل، أكثر مما هي تعبير عن موقف ظرفي إزاء أزمة بعينها، في ظل تاريخ طويل من التدخلات التي تركت آثاراً عميقة في بنية الدولة الوطنية وفي تصورات السيادة والاستقلال.
إدانة سياسية تعكس ذاكرة تاريخية
وفي هذا السياق، أعربت دول في مجلس الكاريبي عن "قلق جدي" إزاء التدخل العسكري الأميركي واعتبرته قد يؤثر على استقرار المنطقة بأسرها. ووصف رؤساء كوبا والمكسيك وتشيلي وبوليفيا وكولومبيا العملية بأنها انتهاك خطير لميثاق الأمم المتحدة والسيادة الوطنية، داعين إلى احترام القانون الدولي.
وصف الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو اختطاف مادورو بأنه "هجوم على سيادة أميركا اللاتينية"، في توصيف يتجاوز حدود فنزويلا ويضع الحدث في سياق إقليمي أوسع. وشارك هذا الرأي عدد من قادة المنطقة، من بينهم الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي رأى في العملية "تذكيراً بأبشع أشكال التدخل" في تاريخ القارة. وفي تشيلي، أدان الرئيس غابرييل بوريتش الضربات الأميركية، ودعا إلى حلّ سلمي للأزمة الفنزويلية، مع تأكيد احترام السيادة الوطنية. وترتبط لهجة الزعماء بقرن من التدخلات الأميركية المباشرة وغير المباشرة، بين الغزو العسكري، دعم الانقلابات، والحصار الاقتصادي، والتأثير في السياسة الداخلية للدول.
قرن من التدخل: من الغزو إلى تغيير الأنظمة
وتركزت التدخلات العسكرية المبكرة بين 1920 و1930، على السيطرة على السياسة والاقتصاد في دول مثل هايتي ونيكاراغوا، إذ احتلت القوات الأميركية هايتي بين 1915 و1934 بحجة "حفظ الاستقرار"، بينما تدخلت واشنطن بين 1912 و1933 في نيكاراغوا لدعم الحكومات المحلية وحماية المصالح الاقتصادية، وتركزت التدخلات الأيديولوجية والحرب الباردة بين 1940 و1960، واستهدف التدخل الأميركي في هذه الفترة الحكومات التي يُخشى انحيازها إلى الشيوعية؛ ففي غواتيمالا عام 1954 دعمت الولايات المتحدة انقلاباً ضد الرئيس خافيير أربينز، وفي كوبا بعد الثورة عام 1959 حاولت واشنطن إطاحة فيدل كاسترو عبر غزو خليج الخنازير عام 1961، إلى جانب حملات تخريبية متعددة.
وما بين 1970 و1989، تركز التدخل الأميركي على دعم الأنظمة العسكرية والعمليات السرية، إذ ارتفعت وتيرة دعم الولايات المتحدة للأنظمة العسكرية، خصوصاً في تشيلي حيث دعمت الانقلاب على الرئيس سلفادور أليندي عام 1973، كما شملت السياسة أرجنتين وأوروغواي والبرازيل وأميركا الوسطى لمواجهة الحركات اليسارية، ما أدى إلى حروب أهلية وخسائر بشرية كبيرة.
عقب ذلك، انتقل التدخل العسكري إلى الضغط الاقتصادي والدبلوماسي بين 1990 و2009، إذ تراجع التدخل العسكري المباشر مع نهاية الحرب الباردة، لكنه استمر عبر الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية ودعم قيادات محددة. ففي فنزويلا عام 2002 دعمت واشنطن محاولة انقلابٍ قصيرٍ ضد هوغو تشافيز سياسياً وإعلامياً، مع استمرار التدخلات الاقتصادية في دول أخرى.
واستخدمت الولايات المتحدة بين 2010 و2020، القوة الناعمة والعقوبات الاقتصادية أداةَ ضغطٍ، مع دعم أحياناً الأحزاب والسياسات اليمينية في البرازيل وكولومبيا وهندوراس لتعزيز نفوذها السياسي، قبل أن تعود بين 2020 و2026 إلى التدخل العسكري المباشر، حيث شهدت هذه الفترة تدخلاً بشكل غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، بما في ذلك اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وتهديد دول أخرى مثل المكسيك والبرازيل وكولومبيا، بزعم حماية المصالح الأمنية والاقتصادية.
منطق النفوذ في خطاب ترامب... ذاكرة جمعية
يرى محللون عبر صحف لاتينية أن ما جرى في فنزويلا يعكس عودة واضحة لمنطق مناطق النفوذ، بعد إعلان إدارة ترامب إعادة تفعيل مبدأ مونرو بصيغة جديدة. تعزز هذا الانطباع تصريحات ترامب المتكررة حول السيطرة على الموارد الفنزويلية، خصوصاً النفط، وهو ما أعاد إلى الأذهان مراحل سابقة رُبط فيها التدخل بالمصالح الاقتصادية والطاقة، ويصفه البعض بسياسات "إمبريالية"، خصوصاً بعد تصريحات ترامب المهددة لدول أخرى في الإقليم.
كان ردّ فعل حكومات أميركا اللاتينية حازماً، على عكس النهج الأوروبي الحذر في تصريحاته. وشاركت المكسيك وتشيلي وأوروغواي وكولومبيا والبرازيل في بيان مشترك أدان العمليات العسكرية الأميركية، مشيرة إلى مخالفتها القانون الدولي ومحاولة السيطرة على الموارد الاستراتيجية. وامتدت الإدانات إلى وسائل الإعلام، التي ربطت بين التدخل الحالي وتجارب سابقة. ووصفت الصحف في بيرو وكولومبيا والبرازيل العملية، بأنّها استمرار لسياسة الإمبريالية الأميركية، متجاهلة سيادة الدول المحلية، مع التحذير من احتمال بداية مرحلة جديدة من المواجهات العسكرية والضغط المباشر في القارة.
وقالت صحيفة إل كوميرسيو البيروفية: "لا يشعر أحد بالأمان إذا رأت دولة كبرى أنها مخوّلة بشن عملية عسكرية ضد دولة أصغر". أما إل إسبكتادور الكولومبية فقالت "أميركا اللاتينية تسمع أصداء ماضٍ مؤلم". واعتبرت فولها دي ساو باولو البرازيلية أن ترامب أظهر "ازدراءً للنظام القانوني الدولي". وقالت إل كلارين الأرجنتينية إن "ما حدث هو تجسيد لمبدأ ترامب في العمل". ويرى محللون أن هذا التفاعل الإعلامي يعكس ذاكرة جماعية لم تُمحَ بعد، إذ لا يُنظر إلى التدخل الأميركي بوصفه حدثاً منفصلاً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الضغوط والتدخلات على مدى أكثر من مئة عام.
فنزويلا نقطةَ اختبار إقليمي
تمثل فنزويلا اليوم اختباراً لما قد تحمله المرحلة المقبلة، مع احتمالية توسّع النهج الأميركي ليشمل دولاً أخرى بذريعة مكافحة المخدرات أو حماية المصالح الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تُقرأ التهديدات الأميركية الأخيرة تجاه كولومبيا بوصفها مؤشراً على تصعيد محتمل، ما يعزز القلق من مرحلة تتسم بعودة أدوات القوة بدل الدبلوماسية. ولا يمكن فصل ردات الفعل اللاتينية على اختطاف مادورو عن قرن من التدخلات الخارجية، إذ إن الأزمة الحالية أعادت فتح جروح تاريخية لم تلتئم بالكامل، وطرحت مجدداً سؤال السيادة والاستقلال في النظام الدولي المعاصر. وبينما تصرّ واشنطن على أن تحركاتها تهدف إلى حماية الأمن والمصالح، ترى قطاعات واسعة في أميركا اللاتينية أن ما يحدث يمثل عودة إلى منطق قديم أثبت التاريخ كلفته الباهظة على المنطقة.