اختتام منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية في الدوحة
استمع إلى الملخص
- قدم خليفة الكواري ورقة حول التهديدات السيبرانية المتزايدة، مشيرًا إلى الحاجة لمنظومة إقليمية مشتركة للأمن السيبراني، وأوصى بتأسيس "درع سيبراني خليجي" لحماية المصالح الوطنية.
- ناقش مهند سلوم التحولات في العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة ودول الخليج، مشيرًا إلى مرونة دول الخليج في التعامل مع السياسة الأميركية، وأوصى بتعزيز العلاقات مع قوى مثل الصين وتركيا.
اختتمت في الدوحة أعمال الدورة الثانية عشرة لمنتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية، مساء اليوم الأحد، الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بمشاركة 40 باحثاً قدموا أوراقهم العلمية على مدى يومين ضمن 16 جلسة نقاشية. وتوزعت أعمال المنتدى على مسارين رئيسين، تناول الأول "دول الخليج العربية وتحولات المشرق العربي"، فيما ناقش المسار الثاني "وسائط التواصل الاجتماعي في سياقها الخليجي: الأداة وبناء المجالين السياسي والمدني".
إعادة تشكيل الفاعلية الخليجية
في جلسة خُصصت لمناقشة "إعادة تشكيل الفاعلية الخليجية" قدّم مدير "مجموعة مراقبة أمن الخليج"، الباحث الكويتي ظافر العجمي، قراءة في كيفية إعادة دول الخليج تقديم نفسها إقليمياً ودولياً، منتقلة "من التمويل إلى الفاعلية السياسية والدبلوماسية". وأشار العجمي إلى مجموعة عوامل أسهمت في تعزيز دور الخليج في الأمن الداخلي والسياسة الإقليمية والدولية، من أبرزها صعود قيادات شابة مؤهلة أضفت طابعاً أكثر ابتكاراً على السياسات، ووجود تنافس إيجابي بين دول الخليج عزز الحيوية السياسية والاقتصادية في المنطقة، إلى جانب توظيف متصاعد لأدوات "القوة الناعمة" في الوساطات وبناء التحالفات.
وأكد الباحث أن انتهاج الدبلوماسية الاستباقية جعل دول الخليج طرفاً فاعلاً في تسوية النزاعات، لافتاً إلى أن تنويع الشراكات الدولية مع قوى مثل الصين وروسيا أتى إدراكاً لمحدودية الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة ضامناً أمنياً وحيداً، الأمر الذي حوّل العلاقة الأميركية الخليجية من صيغة "الراعي" إلى صيغة "الشريك الاستراتيجي" مع الحفاظ على توازن دقيق مع واشنطن. وتوقف العجمي عند ما وصفه بـ"الاستخدام الجديد للموارد الاقتصادية"، موضحاً أن الطفرات الاقتصادية ووفرة الموارد المالية، التي كانت تُرى سابقاً بوصفها العامل الأول في قوة الخليج، تراجعت في تقديره لتصبح في المرتبة السابعة ضمن محددات الفاعلية الخليجية. ومع ذلك ما زالت هذه الموارد تتيح لدول الخليج دعم الوساطات وتقديم المساعدات الإنسانية والمساهمة في إعادة إعمار مناطق النزاع، ما يزيد من وزنها الإقليمي والدولي.
وختم بالإشارة إلى تنامي "استقلالية القرار الخليجي" عبر انتهاج سياسات خارجية أكثر استقلالاً تركز على تجنب الصراعات المكلفة، ودعم الاستقرار من خلال مشاريع تنموية كبرى ونهج "القوة المتوسطة"، الذي يبقي الخليج فاعلاً دون استدامة الارتهان للقوى الكبرى. ورأى أن تحوّل الخليج من "منطقة نفطية" إلى "فاعل دبلوماسي وسياسي" تبدو تجربة ناجحة حتى الآن، لكنها تواجه تحديات داخلية وإقليمية تفرض على دول الخليج إدارة توازن دقيق للحفاظ على نفوذها المتصاعد.
نحو درع سيبراني خليجي
في محور آخر، قدّم عضو هيئة التدريس في أكاديمية شرطة قطر، خليفة الكواري، ورقة بعنوان "التهديدات السيبرانية الخليجية في سياق تحولات المشرق العربي: نحو دبلوماسية إقليمية فاعلة". وأكد أن الهجمات السيبرانية باتت أداة رئيسة في الصراعات الإقليمية، ما جعل البنى التحتية الحيوية في دول الخليج عرضة لتهديدات متزايدة تتسم بصعوبة الإسناد وضعف الردع.
وانطلقت الورقة من فرضية مفادها أن هذه التهديدات تتجاوز قدرات الاستراتيجيات الوطنية المنفردة، بما يجعل الحاجة إلى منظومة إقليمية مشتركة للأمن السيبراني "ملحّة جداً". واعتمد الكواري على منهج تحليلي مقارن لتقييم فاعلية الاستراتيجيات السيبرانية في السعودية والإمارات وقطر في مواجهة التهديدات العابرة للحدود. وأظهر التحليل أن غياب آليات التنسيق والعمل المشترك، على الرغم من التقدم التقني اللافت في هذه الدول، يشكل "فجوة بنيوية" تقوّض إمكان تحقيق أمن سيبراني مستدام. وخلصت الورقة إلى أن الحلول التقنية وحدها غير كافية، وأن "التحصين الحقيقي" للأمن الإقليمي يفترض انتقال دول الخليج من موقع المتلقي إلى موقع "صانع المعايير" في مجال الأمن السيبراني الدولي.
وفي هذا السياق، أوصت الورقة بتأسيس منظومة "درع سيبراني خليجي" تعمل نظيرًا رقميًّا لقوات "درع الجزيرة"، وتشكل الإطار المؤسسي لدبلوماسية سيبرانية خليجية قادرة على حماية المصالح الوطنية وتعزيز الأمن الإقليمي في مواجهة التهديدات المتنامية.
وسلط الكواري الضوء على جملة من التحديات التي تعرقل بناء تعاون سيبراني خليجي فعال رغم الحاجة الملحة إليه، ومن بينها: مخاوف مرتبطة بالسيادة، إذ تتحفظ الدول على منح أي كيان إقليمي صلاحيات قد تُفسَّر بوصفها تنازلاً عن السيطرة على قراراتها الأمنية الداخلية، وأزمة ثقة وتوترات سياسية بين بعض الدول، ما يضعف مستوى الثقة المطلوب لإنجاح العمل المشترك ويُبقيه في حلقة مفرغة، وحساسية المعلومات الاستخبارية الرقمية إلى جانب التخوف من مشاركة بيانات قد تكشف ثغرات داخلية أو تُستخدم على نحو مسيء، وخشية على السمعة، إذ تتردد الدول في الإفصاح عن الاختراقات والثغرات السيبرانية خشية تأثير ذلك في صورتها أو استثماره في مساءلات سياسية داخلية.
وإلى جانب ما سماه الكواري "معضلة الأمن السيبراني"، حيث تُفسّر الإجراءات الدفاعية أو الهجومية لدولة أخرى على أنها تهديد بما يغذي سباق تسلح سيبراني، بالإضافة إلى عقبات قانونية وتشريعية ناجمة عن تباين القوانين الخاصة بحماية البيانات والخصوصية، وما يرافق ذلك من صعوبات في تبادل المعلومات عبر الحدود.
أمن الخليج في ولاية ترامب الثانية
من جهته، تناول أستاذ الدراسات الأمنية النقدية في معهد الدوحة للدراسات العليا، مهند سلوم، في ورقته "أمن الخليج في أثناء ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب
الثانية: التحالف القلق وإعادة تشكيل الضمانات الأمنية (2025–2029)"، التحولات البنيوية في العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون خلال هذه المرحلة المفترضة.وتجادل الورقة بأن "التبادلية النفعية" Transactionalism في السياسة الخارجية الأميركية أعادت تشكيل أنماط التحالف الخليجي، منتقلة من "ضمان أمني جماعي" إلى "ضمانات تفاضلية مشروطة" تختلف من دولة خليجية إلى أخرى بحسب موقعها في المنظومة الإقليمية. وركز سلوم على ثلاث حالات رئيسة: التحالف البحري في البحر الأحمر، ومشروع الدرع الصاروخي الخليجي بعد هجوم إيران على إسرائيل في نيسان/إبريل 2024، واتفاق قطر الأمني مع الولايات المتحدة في تموز/يوليو 2025، الذي دشّن نموذج "التحالف التكنولوجي المشروط". واعتمدت الورقة إطاراً نظرياً يستند إلى نظريات التحالفات (توازن التهديد، والهيمنة الهرمية، والواقعية الهجومية)، إضافة إلى مفهوم "الضمان الخارجي المشروط".
وأشار سلوم إلى أن دول الخليج أظهرت مرونة في التعامل مع "الوضوح الأميركي" حيال طبيعة العلاقة، رغم "الفجاجة" أحياناً في لغة الإدارة الأميركية. ومع أن القدرات المالية الخليجية ساعدت على الاستجابة لبعض متطلبات واشنطن، حذر سلوم من المبالغة في تقدير هذه القدرات، في ظل تعقّد المشهد الأمني الإقليمي وتأثير إيران. وخلصت الورقة إلى أن التحالف الأميركي الخليجي يعيش مرحلة "تحالف قلق" تتسم باللامساواة والتحوط المتبادل وتنامي تأثير الرأي العام في قرارات الأمن الخارجي. وفي الوقت نفسه، يتزايد حضور الصين قوةً مؤثرةً في المنطقة، وسط تحديات ناتجة عن القيود التكنولوجية الأميركية، ما يدفع دول الخليج إلى استثمار التنافس الدولي لتعزيز علاقاتها مع قوى مثل الصين وتركيا، وتطوير صناعاتها الدفاعية المحلية لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وتعزيز قدراتها الذاتية.
تحولات المشرق
وشهدت جلسة "دول الخليج وتحولات المشرق: قضايا وتحليلات" ثلاث مداخلات رئيسة: حيث قدّم أستاذ العلاقات الدولية في جامعة قطر، أحمد جميل عزم، ورقة تناولت "السياسة الخارجية السعودية والتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين"، بينما ناقش الباحث المتخصص في تاريخ الخليج واليمن، فوزي الغويدي، "أسباب فشل سياسة الولايات المتحدة في إيقاف هجمات الحوثي وانعكاسات ذلك على دول الخليج العربية". وقدمت نائب مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أنقرة، بتول دوغان أكاش، ورقة حول سؤال "هل يمكن أن تشكل دول الخليج قوة وسيطة في سورية ما بعد الأسد؟".
ورأت أكاش أن المشهد السياسي المتغير يفرض على دول الخليج إعادة تقييم شاملة لسياساتها تجاه سورية؛ إذ جعلت الأزمة الإنسانية العميقة والهواجس المتزايدة بشأن الاستقرار الإقليمي من مستقبل سورية "قضية دولية" تتجاوز حدودها الوطنية. وأشارت إلى أن التحفظ الخليجي إزاء صعود الحركات الإسلامية، إلى جانب التنافس البيني على النفوذ الإقليمي، يفرض ضرورة تبني مقاربة استراتيجية جديدة تتجاوز هذه الهواجس والتجاذبات إذا أرادت دول الخليج أن تضطلع بدور فاعل بوصفها قوة وسيطة في سورية ما بعد الأسد.
أهمية المنتدى: مقاربة شاملة لتحولات الخليج
وحول أهمية المنتدى، أوضح رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي، حيدر سعيد، في تصريح لـ"العربي الجديد" أن المنتدى، الذي انطلقت دورته الأولى عام 2014، بات يحتل موقعًا خاصًّا رغم تعدد المنصات العالمية المعنية بدراسات الخليج. وبيّن سعيد أن أهمية المنتدى تنبع من أهمية المنطقة نفسها، التي لم تحظ – في رأيه – بالحضور نفسه في البحث والتحليل مقارنة بمناطق عربية أخرى، على الرغم من ثقلها الجيوستراتيجي والاقتصادي والسياسي. وأضاف أن ما يميز المنتدى من غيره أنه لا يختزل دراسات الخليج في الاقتصاد السياسي واقتصاديات النفط والعلاقات الدولية، بل يتوسع لبحث الآثار والتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية.
وأوضح أن هيكل المنتدى، منذ دورته الأولى، يقوم على مسارين ثابتين: مسار أول يتناول علاقات الخليج الدولية، ومسار ثانٍ يركز على الشأن الداخلي في المنطقة. وقد ناقشت الدورات السابقة قضايا متعددة تخص علاقات الخليج مع الصين، وإيران، وتركيا، والولايات المتحدة، وروسيا، وغيرها من القوى العالمية، بينما تناول المسار الداخلي قضايا السياسات العامة والتحولات الثقافية والاجتماعية في مجتمعات الخليج.
وأشار سعيد أن المنتدى في دورته الحالية، خصص المسار الأول لدراسة علاقة دول الخليج العربية بالتحولات العميقة التي شهدها المشرق العربي منذ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما أعقبه من تداعيات كبرى، توِّجت بسقوط نظام بشار الأسد في سورية في ديسمبر/كانون الأول 2024، ثم العدوان على إيران. أما المسار الثاني فركز على "وسائط التواصل الاجتماعي في بلدان الخليج"، في امتدادٍ لأجندة بحثية يعمل عليها المركز العربي خلال السنوات الأخيرة، ترصد التحولات الرقمية في العالم والمنطقة، وتبحث في تأثيراتها السياسية والاجتماعية والثقافية.