اختتام المباحثات السودانية الأميركية في الإمارات وغموض في نتائجها

23 سبتمبر 2020
الصورة
الوفد السوداني عاد إلى الخرطوم (فيسبوك)
+ الخط -

أنهى السودان والولايات المتحدة الأميركية، اليوم الأربعاء، محادثات استضافتها الإمارات، على مدى ثلاثة أيام، وأحاطها الغموض والسرية، حول شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب إلى جانب التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، فيما دخل وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في سباق مع الوقت لحلّ خلاف بلاده مع الخرطوم، وذلك قبل أسابيع على الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.
وبدأت المباحثات، الأحد الماضي، في سرية تامة، بينما تضاربت المعلومات حول نتائجها والحوافز والضغوط الأميركية والإماراتية التي مورست على الخرطوم لدفعها نحو التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.
وفي وسط هذا التعتيم، عاد الوفد السوداني الذي ترأسه رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، إلى الخرطوم، حسب بيان مجلس السيادة نُشر على "فيسبوك".


وتحدث البيان عن المباحثات دون إيضاح النتائج، قائلاً إنها اتسمت بالجدية والصراحة، وناقشت عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وعلى رأسها قضية رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب والقيود الأخرى التي تفرضها الولايات المتحدة على المواطنين السودانيين، مثل حرمان السودانيين المشاركة في قرعةاللوتري (نظام الهجرة عن طريق اليانصيب) وقانون سلام دارفور، وغيره من الموضوعات.
وأتى البيان في الحديث عن التطبيع دون الإشارة مباشرةً، قائلاً إن المحادثات بحثت عدداً من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها مستقبل السلام العربي الإسرائيلي، الذي يؤدي إلى استقرار المنطقة ويحفظ حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وفقاً لرؤية حل الدولتين، والدور الذي ينتظر أن يلعبه السودان في سبيل تحقيق هذا السلام.
وأضاف المجلس أن النتائج التي جرى التوصل إليها ستُعرَض، على أجهزة الحكم الانتقالي بغية مناقشتها والوصول إلى رؤية مشتركة حولها تحقق مصالح الشعب السوداني وتطلعاته.
وترفض غالب مكونات تحالف الحرية والتغيير الحاكم، التوجهات للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وتشهد الحكومة على مستوى مجلس السيادة والوزراء انقساماً حول الموضوع الذي قد يلقي بظلاله على استمرار التماسك الداخلي للحكومة.
وفي فبراير/ شباط الماضي، التقى رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مدينة عنتبي الأوغندية، وأثار اللقاء جدلاً بين المكون العسكري والمكون المدني، وانتهى الجدل بالاتفاق على إحالة الملف على مجلس الوزراء للتقرير فيه.

إدارة ترامب تسابق الزمن

كما يحصل غالباً في الآونة الأخيرة عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية، فإن إسرائيل ليست بعيدة عن الدوافع الخفية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وكتب بومبيو في رسالة إلى أعضاء في مجلس الشيوخ، أوردتها وكالة "فرانس برس"، أن "الولايات المتحدة لديها فرصة لا تأتي سوى مرة واحدة لضمان أن يُقَدَّم أخيراً تعويض لضحايا الاعتداءين الإرهابيين اللذين وقعا عام 1998 ونفّذهما تنظيم القاعدة ضد سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا".
وأضاف: "لدينا أيضاً نافذة فريدة وضيقة لدعم الحكومة الانتقالية بقيادة مدنية في السودان الذي تخلّص أخيراً من الدكتاتورية الإسلامية".
ويتضمن هذا الملف إدراج السودان على اللائحة السوداء الأميركية للدول الراعية للإرهاب.

وأكد مجلس الوزراء السوداني، أن السودان جاهز لدفع المبالغ المطلوبة للتسوية مع أسر ضحايا تفجير المدمرة كول وتفجير السفارتين الأميركيتين بدار ونيروبي.

جاء ذلك التأكيد عقب اجتماع لمجلس الوزراء استمع إلى توضيح من رئيس المجلس عبد الله حمدوك حول مساعي رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وذكر بيان من المجلس أن حمدوك أكد جاهزية دفع مبلغ التعويضات وأنه تبقى من الاتفاق مع الولايات المتحدة لإزالة اسم السودان من القائمة هو صدور تشريع أميركي يحصن الحكومة السودانية من أي قضايا مستقبلية.

 وذكر البيان أن مجلس الوزراء تداول حول إمكانية التوصل إلى حلول وفق قيد زمني محدد ووقف المجلس على الجهود المتصلة التي يبذلها السودانيون المقيمون بالولايات المتحدة الأميركية والجهود المبذولة عبر أسر الضحايا والشركات الأميركية من أجل رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب.

 وأكد المجلس على أهمية خطة الارتباط مع الولايات المتحدة من خلال التعاون الثنائي والعمل المشترك وصولاً إلى إزالة اسم السودان من القائمة لتبدأ مرحلة جديدة تشهد علاقات طبيعية بين البلدين.

وتعود هذه العقوبة التي تُعتبر عائقاً أمام الاستثمارات في هذا البلد الواقع في شمال شرق أفريقيا، إلى عام 1993. وتفاقمت الأزمة مع اعتداءي 1998 اللذين أديا إلى مقتل أكثر من مئتي شخص.
وأصبح آنذاك السودان برئاسة عمر البشير المتهم بتقديم الملاذ لزعيم "القاعدة" أسامة بن لادن على مدى سنوات، منبوذاً بالنسبة إلى الأميركيين.
إلا أنه في السنوات الأخيرة، غيّرت واشنطن لهجتها عندما بدأ البشير بالتعاون في مجال مكافحة الإرهاب ووافق على استقلال جنوب السودان.
وعادت قنوات التواصل مع الخرطوم في عهد الرئيس السابق الديمقراطي باراك أوباما، ثم خلفه الرئيس الجمهوري دونالد ترامب. وفتحت الولايات المتحدة حتى قبل سقوط عمر البشير، حواراً لشطب السودان عن لائحتها السوداء.

وقالت متحدثة باسم الخارجية الأميركية لوكالة "فرانس برس" إن وزير الخارجية بات يعتقد أن هناك حلاً في الأفق، وجعل من ذلك "إحدى أولوياته الرئيسية".
وتنصّ "خطته" على أن تودع الخرطوم في حساب مجمّد، أموالاً لن تُدفَع إلا بشروط في الولايات المتحدة لتعويض مقدمي الشكاوى. وذكرت وسائل إعلام أميركية أن المبلغ يصل إلى 335 مليون دولار.
ومن بين هذه الشروط، شطب السودان عن اللائحة السوداء للدول الراعية للإرهاب وإقرار قانون ينصّ على "السلام القانوني" مع الخرطوم، لتجنّب ملاحقات جديدة في المستقبل.
في رسالته، يمارس بومبيو الضغط على الكونغرس الأميركي ليصوّت على هذا النصّ.
وأوضح أن "هذا القانون يجب أن يدخل حيّز التنفيذ منتصف أكتوبر/ تشرين الاول في أقصى حدّ لضمان دفع التعويضات للضحايا ما إن يُشطب السودان عن لائحة الدول الراعية للإرهاب".
ويعني ذلك، بشكل واضح، أن إدارة ترامب مستعدة لرفع العقوبة الرمزية عن السودان قبل الانتخابات الرئاسية في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني.
وأعلن أعضاء في مجلس الشيوخ من الانتماءات كافة، دعمهم طلب مايك بومبيو. لكن داخل الإدارة الأميركية، هناك قلق حيال مقاومة مسؤولين ديمقراطيين مؤثرين.
ويبرز سؤال عن سبب هذا التسرّع من جانب وزير الخارجية الذي لا يهتمّ كثيراً لشؤون القارة الأفريقية.
ويُرجّح أن يكون هناك ملف آخر مهمّ بالنسبة إلى إدارة ترامب خلف ملف السودان.
وتوجّه بومبيو أواخر أغسطس/ آب إلى الخرطوم في أول زيارة لوزير خارجية أميركي منذ 15 عاماً، في أثناء جولة لإقناع الدول العربية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
ويعتزم معسكر الرئيس الجمهوري المرشح للانتخابات المقبلة، الاستفادة من إشهار التحالف بين الإمارات والبحرين مع الاحتلال الإسرائيلي، للضغط على السودان للتطبيع مع الاحتلال، ما قد يشكل تحفيزاً للناخبين الإنجيليين.