احتماليات إقرار قانون "الحشد الشعبي" في العراق وتأجيله
استمع إلى الملخص
- يهدف القانون إلى تحويل "الحشد الشعبي" إلى كيان موازٍ لوزارتي الدفاع والداخلية، مما يثير مخاوف من إنشاء كيان عسكري عقائدي موازٍ، على غرار الحرس الثوري الإيراني.
- تواجه القوى الشيعية تحديات في تمرير القانون بسبب التهديدات الأميركية والخلافات الداخلية، بينما تستمر الفصائل المسلحة في الضغط لتمريره.
تعثرت محاولات قوى عربية شيعية، مدعومة من قبل الفصائل المسلحة، في تمرير التصويت على مشروع قانون "الحشد الشعبي" في البرلمان العراقي للأسبوع الثالث على التوالي. ويعزو نواب من "الإطار التنسيقي" الحاكم (يضم الأحزاب الشيعية وممثلي الفصائل المسلحة) هذا التعثر إلى الغياب المتعمد لأعضاء البرلمان من الكتل السنية والكردية، الرافضة القانونَ، بالإضافة إلى نواب الأحزاب المدنية، الأمر الذي عطّل التصويت. لكن مراقبين ومختصين بالشأن العراقي يؤكدون أنه بإمكان القوى الشيعية تمرير القانون بأغلبية مريحة تمتلكها في البرلمان، إلا أن الرفض الأميركي للقانون والقلق من رد فعل واشنطن، الذي ستكون له تبعات سياسية على العراق، هو ما يؤجل إقرار القانون.
وخلال الجلسات الثلاث الأخيرة للبرلمان، رُفع القانون من جدول أعمال المجلس، من دون أن تعليق رسمي لقوى "الإطار التنسيقي" أو قياداته، وجاء ذلك بالتزامن مع تصريحات غير مسبوقة للقائم بالأعمال الأميركي في بغداد ديفيد فاجن، اعتبر فيها القانون مرفوضاً من قبل واشنطن، وعبر عن "قلق بلاده المتصاعد من المشروع لأن تمريره سيمنح الفصائل المسلحة غطاءً قانونياً، ويعزز من النفوذ الإيراني داخل المؤسسات الأمنية" وفق الرؤية الأميركية.
القانون سيحول "الحشد الشعبي" إلى كيان مواز
وتضغط القوى والفصائل المسلحة إعلامياً وعبر تحشيد جماهيرها لتمرير القانون الذي يمنح "الحشد الشعبي"، وهو المظلة الجامعة أكثرَ من 70 فصيلاً مسلحاً، شكلاً مؤسساتياً موازياً لوزارتي الدفاع والداخلية، ويمنحه حق التسليح وتنفيذ العمليات العسكرية بمعزل عن الوزارتين، وهو ما تعتبره قوى عراقية "خلقاً لكيان عسكري عقائدي موازٍ"، أسوة بتجربة الحرس الثوري في إيران.
ويرى الخبير بالشأن العراقي أحمد النعيمي أن الرفض الأميركي هو أساس تعثر تمرير القانون وليس رفض القوى السنية والكردية، مشيراً في حديث مع "العربي الجديد" إلى أن "عدد النواب عن القوى السياسية الشيعية يبلغ 173 نائباً وهو ما يمنحهم القدرة على تمرير القانون بأغلبية النصف زائد واحد"، حيث يبلغ عدد نواب البرلمان 329 نائباً. ويضيف النعيمي: "الإطار التنسيقي في طور التفكير حالياً في المكاسب والخسائر التي قد يسفر عنها تحدي الضغوط الأميركية في تمرير القانون. لذلك لم يُدرَج على جدول أعمال البرلمان حتى الآن".
وقال النعيمي: "لا أعتقد أن القوى السنية والكردية قادرة على إعاقة التصويت على القانون، خاصة أن السنة والكرد ليسوا في موقف أو كتل موحدة حتى يتبنوا موقفاً موحداً، وهناك تفاهمات ومساومات كثيرة تسمح لجزء من الكيانين بالدخول والتصويت لو كانت هناك إرادة أو قرار للإطار التنسيقي فعلاً في تمريره". واعتبر أن "سيناريو الترحيل إلى الدورة البرلمانية المقبلة مطروح، أو قد يُمرَّر لكن بعد حصول تفاهمات مع الجانب الأميركي لا يمكن التكهن بطبيعتها حالياً".
مقابل الضغوط الأميركية لمنع تمرير القانون، تتجه الأحزاب الشيعية إلى "العناد" لأجل جمع الأصوات في محاولة تحدٍ مفتوحة مع واشنطن، وتسعى الفصائل العراقية بدعمٍ من طهران إلى تحقيق ذلك، إلا أن كل المحاولات فشلت خلال الفترة الماضية. كما أن هذه الفصائل لا تريد تعديل المشروع أو تخفيف الامتيازات التي ستحصل عليها قوات "الحشد الشعبي" وقادة الألوية، والتنازل عن صناعة جيش مواز للجيش النظامي، لا سيما أن كثيراً من فقرات القانون تشرع حيزاً مستقلاً لعمل الحشد من خلال السماح له بالحصول على مزيدٍ من الشرعية القانونية والغطاء المالي وحركة تعيين المسؤولين بالإضافة إلى الحصول على التسليح الحديث.
وقال مسؤول سياسي في حزب من تحالف "الإطار التنسيقي" إن "الأميركيين هددوا بورقة العقوبات في حال جرى التصويت على قانون الحشد الشعبي"، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن "التهديدات الأميركية والتدخلات الإقليمية بشأن قانون الحشد قد تؤدي إلى نهاية المشروع في النهاية، لأن الحشد الشعبي مرفوض من قبل الولايات المتحدة ودول جوار العراق". وأضاف السياسي، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أنه " ليس صحيحاً أن إقرار قانون الحشد الشعبي يهدد العراق فهو موجود عملياً من دون قانون، لكن المخاوف من قبل الأحزاب السنية والكردية والدول الإقليمية وواشنطن، من أن الحشد سيرسخ دولة دينية عقائدية مرتبطة بإيران، وتوفر حماية للأحزاب الدينية الحالية الحاكمة تضمن استمرارها بغض النظر عن النتائج الانتخابية".
ولفت المسؤول إلى أن "قانون الحشد قد لا يرى النور، وإذا أقر بطريقة أو بأخرى، فإن العراق سيواجه تحديات كبيرة لأن العالم سيتعامل مع العراق على أنه إيران الجديدة، ويكون الحشد الشعبي هو الحرس الثوري الجديد، وهنا سيدخل العراق في أزمة لا نهاية لها". وأشار المسؤول إلى أن "أصوات بعض الأحزاب الشيعية داخل تحالف الإطار التنسيقي تتحدث عن تعديل القانون، وتخفيف الامتيازات للحشد، من أجل إقناع الشركاء السياسيين من الأحزاب الرافضة التصويتَ على القانون، لكن هذه الأصوات لم تلق أي اهتمام من قبل ممثلي الفصائل المسلحة".
"أكاديمية الحشد الشعبي"
من جهته، أشار مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن "الرؤية الغربية والأميركية والإسرائيلية بشأن مشروع قانون الحشد الشعبي ترى أنه ذراع إيرانية تحكمها أطراف إيرانية تنتمي للحرس الثوري أو تتعامل معه. كما أن بعض دول الجوار تخشى على أمنها القومي من أي تكتلات دينية مسلحة تهدد الأمن الإقليمي. وتحدي هذه الرؤية سيؤدي إلى معاقبة العراق أميركياً وغربياً"، موضحاً أن "الأحزاب مدركةٌ هذه المخاطر، لكنها خجولة من الانسحاب في المواقف أمام التحديات الدولية، وبعض الأطراف الشيعية فهمت القصة وصارت في خانة المتحفظين على القانون، وقد تبقى الفصائل المسلحة وحدها التي تطالب بهذا القانون دون إسناد سياسي وبرلماني، ويُرحّل إلى الدورات البرلمانية المقبلة".
وفي يوليو/تموز الماضي، كشف رئيس البرلمان العراقي محمود المشهداني عن رسائل أميركية للقادة السياسيين ترفض فيها تمرير قانون "الحشد الشعبي"، وكان زعيم تيار "الحكمة" عمار الحكيم كشف في وقت سابق عن مطالباتٍ أميركية بحلّ الحشد الشعبي أو "توجيه ضربات له، ناهيك برسائل مباشرة وغير مباشرة من المجتمع الدولي وصلت إلى الحكومة العراقية، تمضي جميعها باتجاه واحد، وهو أن إقرار قانون الحشد يعني "تكريس للنفوذ الإيراني في العراق".
وتُحدّد مواد مشروع القانون الـ18 مهمة هيئة الحشد الشعبي بـ"حماية النظام" و"الدفاع عن البلاد وحماية وحدة وسلامة أراضيها ومكافحة الإرهاب". كما تمنح أفراد "الحشد الشعبي" امتيازات مالية توازي تلك التي يتمتع بها أفراد الجيش العراقي، كما تُخصَّص موازنة سنوية لتطويرها وتسليحها أسوة بوزارة الدفاع. لكن أفراد "الحشد الشعبي" سيحملون صفة "مجاهد" وليس "مقاتل". وبحسب مشروع القانون، يكون رئيس الهيئة بدرجة وزير، ويكون عضواً في اللجنة الوزارية للأمن القومي، وبإمكانه تخويل بعض صلاحياته إلى رئيس الأركان أو الأمين العام للهيئة، وعليه أن يمارس صلاحيات وزير الدفاع لتطبيق القوانين العسكرية على منتسبي الهيئة.
وترتبط بـ"الحشد الشعبي"، وفقاً لمشروع القانون، 16 إدارة ومديرية عامة، منها رئاسة الأركان، والأمانة العامة، والدائرة الإدارية والمالية، وشركة المهندس العامة للمقاولات. كما ستكون لـ"هيئة الحشد الشعبي" أكاديمية عسكرية تسمى "أكاديمية الحشد الشعبي" على غرار أكاديميات وزارتي الدفاع والداخلية، وتمنح شهادة بكالوريوس في العلوم العسكرية لخريجي الأكاديمية.
وتسببت الإشكاليات التي طرحها مشروع قانون الحشد بفقدانه "الزخم السياسي" وفق عضو مجلس النواب ياسر الحسيني، الذي قال في تصريح صحافي إن "الخلافات عميقة داخل البيت السياسي العراقي بسبب المشروع"، مبيناً أن "غياب الاتفاق لا يتعلق فقط بالخلاف بين المكونات السياسية، بل يمتد إلى داخل الكتلة الواحدة، حيث تتباين الرؤى حول توقيت التشريع، وصياغته، وحتى مضمونه، وبعض الأطراف ترى أن القانون قد يُستغل في سياق انتخابي، وهو ما يدفعها إلى عرقلته الآن أو تأجيله إلى ما بعد الانتخابات لضمان استثماره شعبياً، كما أن البيان الأميركي الأخير مثّل عاملاً ضاغطاً إضافياً".
يشار إلى أن "هيئة الحشد الشعبي" تأسست بشكل رسمي عام 2016 بعد تصويت مجلس النواب على قانون تشكيلها الذي حمل الرقم 40، فيما أعلنت رئاسة الوزراء في العام نفسه ضم قوات "الحشد الشعبي" إلى القوات المسلحة. وفي عام 2020، جرت معادلة راتب عنصر "الحشد الشعبي" براتب الجندي في الجيش العراقي البالغ مليوناً و250 ألف دينار، أي نحو ألف دولار، إلى جانب منح عناصر الحشد المخصصات نفسها المتعلقة بالسكن وغيرها، مع تأكيد توزيعهم وفقاً لنظام الألوية العسكرية. لكن عملياً، ما زال كل فصيل مسلح (في الحشد) يحافظ على اسمه وعناصره وارتباطاته السياسية والعقائدية، فضلاً عن تقاسم مناطق النفوذ والوجود بين مختلف المحافظات التي ينتشر فيها.